- الدكتور: مصطفى نشاط
ليس من المبالغة القول بأن رحلة ابن بطوطة من الكتب القليلة التي ترجمت إلى معظم لغات العالم نظرا لثرائها وتأثيرها في المعارف التي راكمتها البشرية إلى حدود فترتها التي هي القرن 8 ه /14 م. ولعل هذا ما دفع المستعربة الإيطالية كلاوديا ماريا تريسّو التي أنجزت ترجمة للرحلة من العربية إلى الإيطالية مدة سبعة أعوام ، إلى القول بأنه إن فرضنا وجود موسوعة “غينيس” عصر ابن بطوطة ، فلا ريب في أن رحلته ستدخلها باستحقاق، بما أنه قام بأطول رحلة سجلتها البشرية إلى حدود ذلك العصر.
بيد أنه بقدر ما شغلت رحلة ابن بطوطة الناس وما تزال، فإنها لم تسلم من سهام التشكك من معاصريه أم من المحدثين . وفي هذه الأوراق ، نقف عند الموقف الذي اتخذه ابن خلدون المولود سنة 732ه والمتوفى سنة 808 ه من الرحلة ، أي أن ابن بطوطة المولود سنة 703ه والمتوفى في الغالب سنة 779ه كان أسنّ من ابن خلدون بما يقارب الثلاثين سنة . ولا شكّ في أن تلك الشكوك تأتي من كثرة الروايات الواردة بالرحلة التي تنطوي على الغرائبي والعجائبي، وقد يكون من الصعب للعقل البشري أن يصدقها ويستوعبها .
لم يكن في خلد محمد بن عبد الله بن محمد الطنجي الملقب بابن بطوطة ، حينما خرج من طنجة وعمره لمّا يتجاوز الواحدة والعشرين سنة، أن ينجز أعظم رحلة وأطولها ، بل كلّ ما كان يرومه ،هو زيارة الديار المقدسة لأداء مناسك الحج .لكن مع تطور مسار الرحلة ، ومع وصوله إلى الإسكندرية ولقاءه بالمتصوف برهان الدين الأعرج ، غيّر من مشروع رحلته ليجعلها “مسحا للأرض” أو كما قال” بلغت بحمد الله مرادي في الدنيا وهو السياحة في الأرض وبلغت من ذلك ما لم يبلغه غيري فيما أعلمه” . والواقع أن مسحة التصوف غلبت على ابن بطوطة ، إذ إنه – حسب رحلته- لبس خرقة التصوف ثلاث مرات .
ينطلق حضور الغرائبي والعجائبي في الرحلة منذ عتبة الكتاب ، بتسميتها ” تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأمصار” ، وهذا تقليد سارت عليه كتب الرحلة والجغرافيا عند المسلمين ، ومن ذلك اختيار الإدريسي لكتابه عنوان:” نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” وابن عبد ربه الحفيد عنون كتابه ب” الاستبصار في عجائب الأمصار”….ولعل الغرائبي والعجائبي من مطالب الرحلة، بما أنهما يندرجان في إيراد ما يثير الدهشة وغير المألوف لدى المتلقي التوّاق إلى كل ما يفتتنه ويجتذبه ، وبالتالي فكل رحلة ، هي في الواقع طيّ للأرض و رحلة في الخيال ، ومشروع لتحقيق الإمتاع والمؤانسة عند قارئها.
وكثيرة هي روايات الغرائبي والعجائبي في رحلة ابن بطوطة بالمجالات التي تختلف عن حمولته الدينية والحضارية والثقافية ، وهذا ما لا يلاحظ ببلاد المغرب وبمصر ، بينما يحضر بقوة في مجالات الصين والهند وبلاد السودان وبلاد المغول والترك وجنوب غرب آسيا . ومن روايات الغرائبي والعجائبي بتلك المجالات : الطائر الرّخ بحجم الجبل وبقاء الغواصين تحت الماء لمدة ساعة أو ساعتين ووجود نساء ذوات الثدي الواحد في المالديف والجراد المتكلم وأكل أهل السودان للحوم البشر، وكيف أن أطيبها الكف والثدي ، ونزول الحجر من السماء بزنة القنطار للواحدة…..
لقد أفرد ابن خلدون حديثا عن تلقي الناس في عصره لرحلة ابن بطوطة ، وهو المعروف بنقده للروايات وعدم قبولها لمجرد أنها متداولة ، وعرضها على “قانون الإمكان “:” ورد بالمغرب لعهد السلطان أبي عنان من ملوك بني مرين رجل من مشيخة طنجة يعرف بابن بطوطة كان رحل منذ عشرين سنة قبلها إلى المشرق وتقلّب في بلد العراق واليمن والهند ….وكان يحدث عن شأن رحلته وما رأى من العجائب بممالك الأرض….فتناجى الناس بتكذيبه…” . لم يكذب ابن خلدون ابن بطوطة في رواياته مباشرة ، بل نقل ما كان الناس يتناجون بشأنها ، وما كان من ابن خلدون إلاّ أن يثير المسألة مع الوزير فارس بن ودرار “البعيد الصيت ” الذي قال له:” إيّاك أن تستنكر مثل هذا من أحوال الدول بما أنك لم تره ” وضرب له عن ذك مثل ابن أحد الوزراء سجنه السلطان مع أبيه ، فلما “أدرك وعقل سأل عن اللحم الذي كان يتغذى به ، فقال له أبوه هذا لحم الغنم ، فقال وما الغنم ؟ فيصفها له أبوه بشياتها ونعوتها ، فيقول :يا أبت تراها مثل الفأر ، فينكر عليه ويقول: أين الغنم من الفأر وكذا في لحم الإبل والبقر ، إذ لم يعاين في محبسه من الحيوانات إلّا الفأر فيحسبها كلها أبناء جنس الفأر” . لم يكذب ابن خلدون ما ورد من غرائبي وعجائبي في رحلة ابن بطوطة ، ودعا الإنسان انسجاما مع منهجه العقلاني إلى أن يكون” مهيمنا على نفسه ومميزا بين طبيعة الممكن والممتنع بصريح عقله ومستقيم فطرته ، فما دخل في نطاق الإمكان قبله وما خرج عنه رفضه”. وهكذا كان على مسافة من التكذيب الصريح للرحلة، كما هو في موقف أبي البركات ابن الحاج البلفيقي الذي نقله ابن الخطيب في الإحاطة ، بل ظل مخلصا لمنهجه القائم على عرض الأخبار على ميزان العقل المميز بين الإمكان والاستحالة ، مانحا إياه الأولوية في المعرفة ، ورافضا ما يعجز عن تفسيره، ومنطلقا من قوانين الطبيعة والواقع والحاضر ، وكما قال :” الماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء”.
وثمة مسألة أخرى عادة ما تثار عن التشككات برحلة ابن بطوطة ، وهي المتعلقة بحضور ابن بطوطة مجلس ابن تيمية في الجامع بدمشق . إن الذي أذكى التشكك ، هو الزياني في الترجمانة الكبرى الذي تجنّى على ابن بطوطة، حتى إنه نقل كلاما منسوبا للبلوي في رحلته ” تاج المفرق في تحلية علماء المشرق ” غير وارد فيها أصلا. وقد تبدّد هذا التشكك بعد العلم بنسخة من كتاب” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” لأبي العباس أحمد القرطبي المتوفى سنة 656 ه بخط ابن بطوطة ، وقد فرغ من كتابتها يوم الاثنين 17 جمادى الآخرة سنة 727 ه بمدرسة العزيزية بدمشق ، نقلها عن نسخة السخاوي المتوفى سنة 646 ه (حقق الكتاب من لدن محي الدين ميستو وآخرين ، منشورات ابن كثير ، دمشق ، ط 1، 1996). هذا المعطى يفند الدعاوى التي تشك في حضور ابن بطوطة مجلس ابن تيمية –حسب الرحلة- بحجة أن الفقيه الدمشقي كان آنذاك سنة( 726 ه ) قابعا بالسجن . فالأمر يتعلق برحلة ثانية لدمشق سنة 727 ه لابن بطوطة ، وهي التي صادفت فعلا حضوره مجلس ابن تيمية .
إن ملاحظة بعض الاضطرابات في تواريخ بعض الأحداث بالرحلة ، قد لا يكفي للشك في حقيقتها، ويبدو أن استدعاء عنصر الشك في روايات ابن بطوطة ، يستوجب أن نستحضر الاعتبارات التالية:
*لم يكن ابن بطوطة من كتب رحلته ، بل أملاها على ابن جزي الذي أمره السلطان المريني أبو عنان بكتابتها ، وهو ما قد يكون فتح المجال لابن جزي للتصرف في الرحلة ، علما بأنه دبّج كتابتها بالتزامه بعدم الإخلال بأصلها ولا بفرعها.
*لقد قضى ابن بطوطة ثلاثين سنة في التجوال والسياحة في الأرض ، ما يدفع إلى التساؤل عن حدود احتفاظ ذاكرته بالرحلة في كل تفاصيلها و جزئياتها.
*إن ابن جزي كان كاتبا للسلطان وخادما للدولة ، فهل لم تكن كتابة الرحلة مناسبة للدفاع عن مشروعيتها ، خاصة على عهد أبي عنان الذي قام بانقلاب على أبيه السلطان أبي الحسن الذي كان عهده من أقوى فترات الحكم المريني ، وقد وسمته الخاصة بأبي الحسنات ووسمته العامة بالسلطان الأكحل . نطرح هذا السؤال ونحن نلاحظ أن من أهم المواضيع التي تبرز بالرحلة : الشرف والتصوف والمالكية ، وهي من دعائم الحكم المريني في بحثه عن المشروعية . ولا شك أن ما يثير بعد رجوع ابن بطوطة إلى بلده ، إشادته المبالغ فيها عن تكاليف العيش المنخفضة بالمغرب آنذاك ، فهو ” أرخص البلاد أسعارا وأكثرها خيرات وأعظمها مرافق وفوائد….” . كما أثنى على المدرسة العنانية بشكل يبعث على التساؤل عن مدى حياده ، فهي “أحسن مدارس الدنيا” و “لا نظير لها سعة وارتفاعا ” . فهل كان قلم ابن جزي وراء هذه المبالغات، بما أنه كان خادما للسلطة المرينية ومنافحا عن مشروعيتها وأقحم في الرحلة بعض المعطيات من عندياته ؟
*كتب ابن جزي الرحلة التي استغرقت ثلاثين سنة في ظرف ثلاثة أشهر. بمعنى أنه خصّص شهرا واحدا من الكتابة لعشرة أعوام من زمن الرحلة ووقائعها .
*يذكر ابن بطوطة في رحلته أنه تعرض لسرقة القراصنة قرب سواحل الهند ، فضاعت منه أمتعته من يواقيت وجواهر وثياب ، فضلا عن مذكراته التي كان يسجل عليها وقائع الرحلة ومسارها ، وقد أبدى حسرة جارحة ظلت تحز في نفسه على ضياع تقييداته، أكثر من حسرته على ضياع أمتعته. ولذلك ، فالرحلة أنجزت كتابتها اعتمادا فقط على ذاكرته .
* هل أطلع ابن جزي ابن بطوطة على الرحلة بعد الانتهاء من كتابتها؟ ذلك ما تعسر الإجابة عنه. وهل ما لدينا من نسخ الرحلة يمثل الرحلة كلّها ، وهل منها ما يمكن أن نسلم بأنها النسخة الأصلية ؟ نعلم أن المرحوم عبد الهادي التازي الذي تماهى مع الرحلة لعقود، حققها اعتمادا على ثلاثين مخطوطة ، وكلّ ما قام به ابن جزي أنه لخص الرحلة عبر أسلوب ماتع، بالرغم من حديث بعضهم عن تهلهل لغة ابن بطوطة ، وقد علّق المرحوم عبد الله كنون على أحدهم : كيف يناقش لغة ابن بطوطة وهو يكتب هذه الجملة على الشكل التالي :” باعتبارهم حماةْ”. وأمّا ما أشار إليه البعض للتنقيص من أصالة الرحلة بكون ابن بطوطة قد “نسخ” رحلة ابن جبير، فالواقع أن الاقتباس من المصادر السابقة، كان ممّا دأب عليه الكتاب آنذاك، ولنلاحظ كيف يحضر كتاب جنى زهرة الآس للجزنائي عند ابن القاضي في جذوة الاقتباس ، أو في عصور متأخرة كيف يحضر روض القرطاس لابن أبي زرع وتاريخ العبر لابن خلدون عند الناصري في الاستقصا. ثم إن اقتباس ابن بطوطة من ابن جبير ، لم يشمل سوى ثلاث مناسبات عن الشرق، حين وصف دمشق وحلب وبغداد.
لا مراء في أن ابن بطوطة قام بأعظم رحلة إلى حدود عصره، وقد يكون من المجحف أن تُقدّم عليها رحلة ماركوبولو الذي شكّ بنو جلدته من البنادقة في وصوله إلى الصين ، وظلوا ينعتون رحلته ب” Il Milione ” في إشارة إلى المليون كذبة ، وإلّا كيف نفسر غياب ذكر الشاي و سور الصين العظيم في رحلته؟ وهما من ثوابت الحضارة الصينية. وقد سار البريطاني سميث ماكنتوش على خطى ابن بطوطة وتوصل إلى أن معظم الروايات التي جاءت في رحلته صحيحة ، وإن ظهرت بها بعض الاضطرابات في ضبط التواريخ – كما هو في حديثه عن الطاعون الأسود في مرحلة الذهاب، والحالة أنه لم يجتح العالم القديم إلّا حين عودته إلى المغرب- فهذا أمر بديهي لاختلاط الأحداث عليه ولطول أمد الرحلة – نتساءل هل ثمة من يتذكر ما جرى له قبل شهر واحد في كل تفاصيله؟- وبالرغم من عدم إنكار بُعد الخيال في بعض المقاطع من الرحلة ، فإن كثيرا من رواياتها ترقى إلى مستوى الوثيقة التاريخية ، ولعل رحلة ابن بطوطة تبقى أهم مصدر عن تاريخ الهند عن تلك الفترة ، وهو مؤرخ بالرغم منه ، خاصة أنه لم يكتف بنقل أخبار الحكام ، بل انغمس في وصف المجتمعات التي زارها في معيشها اليومي وفي عاداتها وثقافتها وأنصت لذبذبات حيوانها . وبحكم ثراء معطيات الرحلة وتنوعها ، فإنها ضالة الكثير بالرغم من اختلاف الانشغالات . يلجأ إليها المؤرخ والجغرافي وعالم اللغة والأنثروبولوجي وعالم الاجتماع….وهي بحق دائرة معارف عن عصرها.









