صفقات على المقاس وحكومة بلا إحساس

admin
2025-11-13T23:49:04+01:00
مقالات رئيس التحرير
admin13 نوفمبر 2025آخر تحديث : منذ 4 أشهر
صفقات على المقاس وحكومة بلا إحساس
  • مصطفى قشنني

في المغرب، حيث يُسقى محاربة الفساد بماء الشعارات وتُروى الشفافية من نبع الأرقام المتضاربة، تطل علينا الحكومة الاجتماعية، لا لتوزع العدالة، بل لتوزع الصفقات كما توزع “الحلوى” في الأعراس أو في يوم العيد. حكومة لا تعرف من “الاجتماعي” سوى الاسم، ومن “الشفافية” سوى لون الزجاج الذي تفصل به بين الكبار والصغار، بين الحيتان السمان والمواطن الذي يبحث عن خروف العيد في سوق الأوهام.

عبد الله بوانو، الذي يبدو أنه قرر أن يخلع قفازات المجاملة، صعد إلى منصة البرلمان لا ليلقي خطاباً، بل ليقيم مأتماً سياسياً لحكومة قال إنها سقطت قبل أن تنتهي ولايتها. حكومة منهكة، لا من العمل، بل من تضارب المصالح، من “الفراقشية”، من سوء التدبير، من الفضائح التي تتناسل كما تتناسل الأرانب في موسم التزاوج. حكومة لا تملك من الإنجازات سوى تلك التي أنجزها غيرها، ثم وضعت عليها ختم “صنع في الحكومة الاجتماعية”.

مشروع قانون مالية 2026؟ لا رهانات، لا رؤية، لا علاقة له بالبرنامج الحكومي، وكأن الحكومة قررت أن تكتب ميزانية على طريقة “كوبي كولي” من سنوات عجاف سابقة، مع بعض الرتوشات الرقمية التي لا تقنع حتى الحاسبة. بوانو لم يكتفِ بالنقد، بل فتح دفاتر الماضي، وعاد إلى سنة 2007، حين دخل رئيس الحكومة الحالي إلى الحكومة كوزير للفلاحة، وخلد في منصبه كما يخلد تمثال في ساحة عمومية. 14 سنة من الزرع والحصاد، لكن يبدو أن ما زُرع لم يكن سوى بذور العطب.

أما عن عيد الأضحى، فالحكومة الاجتماعية قررت أن تهديه للمغاربة على شكل كذبة رقمية. قالت إن القطيع الوطني 17 مليون رأس، ثم جاء إحصاء وزارة الداخلية ليكشف أن العدد 32 مليون. هل تكاثرت الخراف بين ليلة وضحاها؟ أم أن الحكومة كانت تحصي الخراف كما يحصي النائم أحلامه؟ في كلتا الحالتين، النتيجة واحدة: عيد بلا أضاحي، وثقة بلا أساس.

وزارة الصحة؟ لا، بل وزارة الصفقات. الوزير يبرم صفقة دواء مع شركة يملكها زميله في الحكومة، يستورد الدواء من الصين، رغم وجود شركة مغربية تنتجه. وعندما يُوزع الدواء، يُسحب لأنه مكتوب بالصينية. هل نحن في مسرحية عبثية؟ لا، نحن في الحكومة الاجتماعية، حيث تُدار الصحة بمنطق “دوزلي ندوز لك”، وتُعالج الأمراض بالصفقات لا بالأدوية.

ولأن الفضيحة لا تأتي فرادى، كشف بوانو عن صفقة أخرى: مصحة خاصة تشتري دواء السرطان بـ600 درهم وتبيعه بـ4000 درهم، وتربح 40 مليون درهم في أسابيع. هل هذه مصحة أم بورصة؟ هل هذا دواء أم سهم في سوق المال؟ في الحكومة الاجتماعية، كل شيء قابل للبيع: الصحة، الثقة، وحتى الأمل.

أما الفلاحة، فالدعم لا يذهب للفلاح الصغير الذي يطارد المطر كما يطارد الحالم فرصة، بل يذهب إلى الحيتان الكبيرة، إلى “الفراقشية السمان الغلاظ”، الذين يزرعون الصفقات ويحصدون الملايير. رئيس الحكومة يبيع المحروقات، ويستولي على صفقات البر والبحر، في التهوية والتحلية، في كل شيء. هل هذا تضارب مصالح؟ لا، هذا تناطح مصالح، حيث تتصارع المصالح كما تتصارع الثيران في حلبة بلا حَكَم.

وفي خضم هذا العبث، تُسمى الحكومة “اجتماعية”. نعم، اجتماعية في توزيع الريع، في تقاسم الكعكة، في تمرير الصفقات. حكومة “دوزلي ندوز لك”، “فوت لي نفوت لك”، حكومة لا تعرف من الشفافية سوى أنها ترى المواطن شفافاً، لا يُرى إلا عند الانتخابات، ولا يُسمع إلا في الاحتجاجات.

بوانو لم يكن يصرخ، بل كان يضحك بمرارة. فحين تتحول السياسة إلى مسرحية عبثية، لا يبقى للمواطن سوى أن يضحك كي لا يبكي. وحين تصبح الحكومة مرادفاً للصفقات، لا يبقى للبرلمان سوى أن يتحول إلى منصة للتهكم، للفضح، وللتذكير بأن شمس الحقيقة لا تُغطى بالأرقام، ولا تُحجب بالبلاغات.

في النهاية، نحن أمام حكومة لا تسقط فقط في استطلاعات الرأي، بل تسقط في امتحان الأخلاق، في اختبار الكفاءة، في ميزان العدالة. حكومة اجتماعية؟ نعم، لكنها اجتماعية في العبث ، في تحويل الوطن إلى صفقة، والمواطن إلى رقم في معادلة لا يفهمها إلا الكبار.

افهم تتصطى، وتحماق، وتضحك، وتبكي، ثم تعود لتسأل: هل هذه حكومة؟ أم كاريكاتير سياسي؟ الجواب عند بوانو، وعند كل من قرر أن لا يبلع حبة النسيان، لكن أين المفر إذا كانت الحكومة بدمها ولحمها وشحمها تمارس هذه المصائب  والفظاعات أين المفر؟ .

صدق الشاعر حين يقول:

*وما الداءُ إلا في الطبيبِ وسُلطتهِ،

فكيف يُرجى الشفاءُ من علّةِ السُقمِ؟.*

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.