- مصطفى قشنني
في لحظة تأسيسية فارقة، تجاوز المغرب إشكالية القداسة التي كانت تحوط بشخص الملك، حين جاء دستور 2011 ليعيد تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بين من يمارس السلطة ومن يخضع لها. لقد كان ذلك التحول العميق الذي عبر عنه جلالة الملك حفظه الله، بإرادته الواعية السديدة في أن يكون محترماً لا مقدساً، وأن يقترب من رعية تعرف حاكمها إنساناً قبل أن يكون رمزاً، فلسفة جذرية هزت كيان المقدس في السياسة المغربية، وفتحت الباب على مصرعيه أمام مفهوم جديد للسلطة تقوم على المساءلة والمشاركة، لا على التقديس والإذعان.
لكن ما إن خفتت وهجة ذلك الإصلاح الدستوري قليلا، حتى عادت القداسة لتتخذ أشكالاً جديدة، متخفية في ثياب بعض المسؤولين العموميين. فبينما كان جلالةالملك يعلن تخليه عن تلك الهالة المقدسة، إذا ببعض من يمارسون السلطة في ظل بعض المؤسسات، يستعيدونها لأنفسهم، متخذين من مواقعهم الحساسة حصوناً منيعة ضد النقد والمساءلة. إنها مفارقة تاريخية مقلقة، حيث يتجلى في قلب المنظومة نفسها تناقض صارخ بين رؤية القيادة التي تتحرر من القداسة، وممارسة الإدارة التي تتشبث بها. هؤلاء المسؤولون – لا أعمّم -، وهم يمارسون مهامهم كشخصيات عمومية، يعتبرون أنفسهم فوق النقد، وأن تسليط الضوء على اختلالاتهم المهنية – إن وُجدت – هو نوع من التعدي على قدسية وظائفهم، متناسين أنهم ليسوا آلهة، بل موظفون عموميون يخضعون للمساءلة كغيرهم من المواطنين.
هذه العقلية المتأصّلة هي التي جعلت من قانون الصحافة المغربي 13-88 أداة غامضة وفضفاضة، وكأنه صُنع ليكون سيفاً ديموقليسيا مسلطاً على رقاب الصحافيين أكثر مما هو ضمانة لحرية التعبير. لقد أصبحت ضرورة إضافة فصل جديد لتوضيح من هي الشخصيات الجديدة المشمولة ب”القداسة” حتى يكون الصحافي المغربي على علم بها، ولا يتناولها في سياق ممارساته المهنية إلا مقرونة بواجب التوقير والتبجيل والإحترام وتقديم فروض الطاعة الواجبة لها. هذا فقط مجرد اقتراح تشريعي ليس إلا.
صدقوني، استمرار الوضع على ما هو عليه الآن هو اعتراف صريح بوجود أزمة في التصور. أزمة تتجلى في محاولة تحويل الاحترام الواجب للوظيفة والمسؤولية إلى تقديس للشخص، وتحويل النقد الموضوعي للقرارات والسياسات إلى إهانة غير مسموح بها. وهكذا، يصبح الصحافي في مأزق أخلاقي ومهني، بين واجبه في إيصال الحقيقة ومخاطر تجاوز خطوط حمراء متحركة وغير محددة، تُرسم بأهواء من يملكون سلطة التأويل وإنفاذ القانون.
بل إن الأمر يتجاوز ذلك، فقانون الصحافة، الذي تم الترويج له في لحظة ما كإصلاح متقدم شبه خالٍ من العقوبات السالبة للحرية، تحول إلى واجهة براقة لإظهار التزام المغرب بحرية الصحافة في المحافل الدولية. أصبح قانونا للإستهلاك الإعلامي أكثر مما هو قانون للتطبيق الفعلي، أداة تسويقية للتصدير الخارجي، بينما تظل الآلية الحقيقية للقمع في يد القانون الجنائي. هذا الأخير هو الممارس الفعلي والضاغط الأكبر على الصحافيين، حيث يمكن تأويل أي كلمة أو مقال على غير وجهها الصحيح، وتصنيفها في خانة الإجرام، ليصبح الصحافي متهماً، بل و”مجرماً” في نظر القانون إلى أن تثبت براءته. إن سلطة التأويل، التي هي في يد من يملكون إنفاذ القانون، تتحول إلى آلة لتعطيل حرية الرأي و التعبير في الكثير من الأحيان، تحت يافطة الحفاظ على النظام العام واحترام المؤسسات.
وإذا كان الحق في المتابعة بالشكاية المباشرة، كما جاء في دورية رئاسة النيابة العامة، يبدو نظرياً كخطوة نحو تجاوز الرقابة القبلية للنيابات العامة، فإنه في الواقع يظل حلماً بعيد المنال، يصطدم بواقع قضائي يميل إلى تغليب سلطة النيابة العامة واستمرار قبول الشكايات العادية. إنه وضع خطير يجعل الصحافي في مرمى نيران مزدوجة، حيث يمكن لأي مسؤول أو جهة نافذة أن تطبق عليه نصوص القانون الجنائي الواسعة والتأويلية، مما يجعله في حالة ترقب دائم وخوف من كلمة قد تكون آخر ما يكتب. يتجلى هذا الخطر بوضوح في الاستنطاقات البوليسية الطويلة التي قد تتجاوز سبع وثماني ساعات في مخافر الشرطة، بسبب مقال عاد يتناول الشأن العام المحلي، وكأن الحديث عن قضايا الناس وتحليل واقعهم هو جريمة نكراء تستدعي هذا الإجراء القاسي.
هكذا يعيش الصحافي المغربي في تناقض وجودي، بين دستور يضمن له الحق في التعبير وبين ممارسة يومية تكبله وتضيّق عليه. بين خطاب رسمي يؤكد على دعم حرية الصحافة كركيزة للحكامة الجيدة، وبين واقع تطبيقي يجعل من الصحافة ممارسة محفوفة بالمخاطر، أشبه برقصة على حبل مشدود فوق هاوية من التهم والملاحقات. إنها معركة بين مفهومين للسلطة، مفهوم يقوم على المشاركة والمساءلة والشفافية، ومفهوم آخر متجذر في ثقافة التقديس والهيمنة، يسعى إلى إعادة إنتاج وتدوير نفسه تحت مسميات جديدة، محاولاً تكبيل الصحافة الحرة، تلك التي هي صوت المواطن وعين المجتمع على اختلالاته.
في هذا السياق المتأزّم، يصبح سؤال المشروعية والشرعية ملحاً، فما هي مشروعية مسؤول يمنع النقد تحت طائلة المتابعة الجنائية، بينما هو نفسه غير معصوم من الخطأ وغير مقدس؟ وما هي شرعية قانون يسمح بمثل هذه الممارسات، بينما يناقض الروح الحقيقية للإصلاحات الدستورية والالتزامات الدولية لحقوق الإنسان؟ إن هذه الممارسات لا تكشف فقط عن أزمة ثقة بين الصحافة والسلطة، بل هي نذير خطر على المسار الديمقراطي برمته، الذي يمر حتماً عبر بناء فضاء عام حر، قادر على احتواء النقد والاختلاف، والمساهمة في نضج القرار السياسي.
إن المغرب، وهو يستعد لتدبير فعاليات كونية، ويشهد تحولات مهمة في البناء والتشييد، لا يمكنه أن يغفل عن بناء الداخل وتشييد دولة القانون والمؤسسات. فالنهضة العمرانية والاقتصادية تبقى ناقصة ومشوهة، إن لم تقترن بنهضة فكرية وسياسية، تحرر العقول قبل أن تحرر الأسواق، وتفتح المجال للنقاش الحر والنقد البناء، لأنهما الضمانة الحقيقية لاستدامة الإصلاح وتعميقه. إن تكبيل الصحافة الحرة والتضييق عليها، هو بمثابة قطع أداة الإنذار المبكر التي يجب أن تنبه المجتمع إلى اختلالاته، قبل أن تتحول إلى أزمات تهدد استقراره.
أيها السادة :إن الصحافة الحرة ليست رفاهية فكرية أو ترفاً ثقافياً، بل هي المقياس الحقيقي لكل ديمقراطية، شرقية كانت أم غربية، وهي المرآة التي تعكس نضج المجتمعات وتطورها، والترمومتر الدقيق الذي يقيس حرارة الأوضاع السياسية والاجتماعية، فلا يمكن لبناء ديمقراطي سليم أن يقوم بدون صحافة حرة ومستقلة، لأنها الضامن الوحيد لشفافية القرار ومحاسبة المسؤولين وكشف الانحرافات – إن وُجدت – قبل استحكامها. عندما نتحدث عن الصحافة الحرة، فنحن نتحدث عن صحافة البناء والنقد الموضوعي، وليس عن صحافة التزوير والبهتان و”الشيتة” التي تفتقر إلى الروح المهنية، والتي تحول الكلمة إلى سلاح للهدم لا إلى أداة للتقويم. إن التاريخ يشهد بأن الصحافة الحرة في الغرب كانت قادرة على الإطاحة بشخصيات وحكومات، وقلب موازين القوى، حين كانت تمارس دورها الرقابي بجرأة واستقلالية، ولم تكن يوماً مجرد ناقل لأخبار اليوم، بل كانت صانعة للأحداث ومحركة للوعي الجمعي. ومن أبلغ النماذج التاريخية على هذه القوة التأثيرية، ذلك الموقف الذي جمع الرئيس الفرنسي شارل ديغول مع صحيفة “لوكانار أونشيني” الإستقصائية الساخرة، حيث كان رئيس الجمهورية الفرنسية (الخامسة)، ذلك الرجل الهيوب والعنيد، يحرص على تتبع ما تكتبه عنه الصحيفة، وكان يرى في نقدها مرآة لصورته العامة. وفي صباح أحد الأيام، حين لم تجد الصحيفة ما تكتبه عنه، ولم تمارس سلطتها النقدية المعهودة تجاهه، بادر ديغول بالاتصال برئيس تحريرها روجر فريزوز معاتباً إياه، وكأن غياب النقد كان غياباً للاعتراف بوجوده كشخصية عامة تخضع للمراجعة الدائمة. فقال له رئيس التحرير بكل عفوية إنهم لم يجدوا شيئاً يستحق الكتابة عنه ذلك اليوم، فكان رد ديغول الفلسفي العميق: “حتى إذا لم تجدوا شيئاً تكتبونه عني، اكتبوا عن أنفي الطويل!”، وكأنه بذلك كان يعترف أن الصحافة ليست مجرد مرآة تعكس الحقيقة، بل هي محفز لاستمرار الحوار بين الحاكم والمحكوم، وأن غياب النقد، حتى لو كان ساخراً، هو غياب للحياة السياسية نفسها. لم يكتفِ ديغول بتحمل النقد، بل طلبه حين غاب، لأن كان يدرك أن الصحافة الحرة هي التي تبقيه يقظاً، وتذكره بأنه إنسان قبل أن يكون رئيساً، وبأن السلطة مسؤولية وليست امتيازاً. وهذه القصة ليست حالة معزولة، ففي بريطانيا والولايات المتحدة، أطاحت الصحافة بوزراء ورؤساء حكومات، وكشفت فضائح هزت أركان الدولة، وأجبرت المؤسسات على تغيير سياساتها وقوانينها، ليس لأن الصحافيين كانوا أعداء السلطة، بل لأنهم كانوا حراسها الأمناء، ينبهونها كلما انحرفت وزاغت عن جادة الصواب.
ومغربيا، لقد كان دستور 2011 فرصة تاريخية لتجاوز ثنائية القداسة والتبعية، نحو بناء نموذج جديد للدولة، يقوم على المواطنة المتساوية واحترام الحقوق. لكن العودة إلى منطق القداسة من أبواب خلفية، ومحاولة إعادة إنتاج هرمية السلطة تحت مبررات حفظ هيبة الدولة والمسؤولين، هو هدر لتلك اللحظة التاريخية، وتفريط في ما تحقق من مكاسب. إن التحدي الحقيقي الذي يواجه المغرب، هو تحويل تلك الإرادة الملكية في التحرر من القداسة، إلى ثقافة سياسية وممارسة مؤسساتية يومية، تجعل الجميع، مسؤولين وصحافيين ومواطنين، سواسية أمام القانون، خاضعين للمساءلة والمحاسبة، شامخين بالكرامة التي يمنحها الحق، لا بالخوف الذي يفرضه القمع.








