استحضار علماء سبتة على لسان الوزير التوفيق في حضرة الملك يغيظ الطبقة السياسية والإعلام الإسباني..

admin
2026-08-26T21:14:01+02:00
مقالات رئيس التحرير
adminمنذ ساعتينآخر تحديث : منذ ثانية واحدة
استحضار علماء سبتة على لسان الوزير التوفيق في حضرة الملك يغيظ الطبقة السياسية والإعلام الإسباني..
  • مصطفى قشنني

لم تكن كلمة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق مجرد خطاب ديني يُلقى – في مناسبة دينية قوية تهفو إليها قلوب وضمائر المغاربة، وفي حضرة الملك محمد السادس بإعتباره أعلى سلطة دينية وروحية في البلد ، وفي رحاب القصر الملكي العامر -،بل كانت لحظة تجلٍّ تاريخي، حيث يتداخل القدسي بالسياسي، وتلتقي الذاكرة الجمعية بالراهن المتأزم. فاختيار مدينة سبتة مفتاحاً للخطاب، وانتقاء كتاب “دلائل الخيرات” رمزاً للتعبئة، لم يأت اعتباطاً، بل جاء كفعل استدعاء مزدوج: استدعاء للتاريخ وهو يموج في شرايين الحاضر، واستدعاء للضمير الجمعي وهو يعيد ترتيب أوراقه في مواجهة احتلال يظلّ، في عمقه، احتلالاً للذاكرة قبل أن يكون احتلالاً للأرض.

ما إن همس اسم “القاضي عياض” في أرجاء القصر، حتى أطلّ من شرفة الزمن ذلك العالم الشامخ الذي جعل من سبتة – قبل أكثر من تسعة قرون – منارة للعلم والفقه، وكأن الوزير كان يهمس للعالم بأن سبتة ليست مجرد نقطة على خريطة سياسية، بل هي حاضنة لعلماء ومفكرين عظام صنعوا مجد و وجدان الأمة. إنها رسالة غير مباشرة تقول: إن أي مدينة أنجبت القاضي عياض وصنّفت “الشفا” في مدح المصطفى، لا يمكن أن تكون مجرد ثكنة عسكرية أو مجرد محطة عبور للقوارب المهاجرة؛ إنها جزء من نسيج روحي ومعرفي لا يمكن اقتلاعه بمجرد حدود وهمية أو سياجات شائكة. إن استدعاء سبتة من خلال علمائها هو بمثابة إعلان أن الاحتلال لا يقهر بالدبابات وحدها، بل بالذاكرة التي تعيد تشكيل الوعي، وأن المدن تُحمى بالقيم كما تُحمى بالحديد والنار.

ثم انتقل الوزير إلى “أبي العباس السبتي” وكتابه الذي لم يُكتمل فأتمّه ابنه، كأنه يروي قصة عِلْمٍ لا يموت، وحكاية مقاومةٍ لا تنتهي بموت صاحبها، بل تنتقل كالجذوة من قلب إلى قلب، ومن عصر إلى عصر. وفي هذا تلميح بليغ بأن مسألة سبتة ليست مسألة جيل واحد أو حكومة واحدة، بل هي همٌّ ممتدّ كامتداد النسب، يعبر الأبناء عن الآباء، ولا يتوقف عند مفاوضات أو تصريحات عابرة. فللكتاب الذي يكمله الابن حين يتوفى الأب، دلالة واضحة على استمرارية المشروع الوطني الذي لا يعرف الاستسلام، تماماً كما تتعاقب الأجيال على حفظ الذاكرة وتجديد العهد.

لكن اللافتة الأكبر، والتي جعلت الإشارة تنفلت من عباءة الدين إلى فضاء السياسة الخالص، كانت تلك العبارة التي وصفت “دلائل الخيرات” للجزولي بأنه “شعار المغاربة في تعبئتهم لتحرير المدن المحتلة على المحيط الأطلسي في بداية العصر الحديث”. هنا، في هذه الجملة، تحوّل كتابٌ صوفيٌّ جامدُ الحروف إلى عصاً موسوية تضرب بها الذاكرة صخر النسيان، لتنفجر ينابيع الدلالات. إن الحديث عن “تعبئة لتحرير المدن المحتلة” في سياق أزمة سبتة الحالية، ليس مجرد درس تاريخي، بل هو إعلان غير معلن عن استمرار المواجهة بوسائل أخرى، وأن ما فعله المغاربة في مواجهة البرتغاليين والإسبان قبل قرون، يمكن أن يتكرر روحيّاً في مواجهة واقع احتلالي جديد، حتى لو اختلفت الأدوات وتنوعت الأساليب.

وهنا تبرز قوة الإحالة الفلسفية في ذلك الربط العجيب: إذا كان الجزولي قد جند كتبه وأذكاره لتحرير المدن المحتلة، فإن إعادة اكتشاف ذلك الكتاب في هذا الزمن هو بمثابة إعادة تعريف لمفهوم المقاومة نفسها. فالمقاومة، في جوهرها، ليست فقط عمليات عسكرية أو مناورات سياسية، بل هي حالة وعي مُتّقدة، وصناعة كينونة لا تستكين للاحتلال، وإيمان راسخ بأن الأرض تبقى للأحقّ بها روحيّاً قبل أن تكون للأقوى سلاحاً. هذا الربط بين كتاب الصلاة والتحرير هو فلسفةٌ متكاملة تقول: إن الصلاة حين تكون من أجل زوال احتلال، فإنها تتحول إلى فعل سياسي، والدعاء حين يصير شعاراً، فإنه يكتسب بُعداً ثورياً لا يقلّ عن أي بيان أو مذكرة احتجاج.

لكن سحر الكلمة وأثرها يتجليان في هذا البناء الهندسي الدقيق للرسالة: فحديث الوزير عن سبتة من خلال علمائها، وعن الجزولي من خلال كتابه، يأتي في مشهد مهيب يجمع الملك والسفراء والمسؤولين، أي في المكان الذي يصبح فيه الكلام تاريخاً بحضوره الفوري. وهذا يمنح الكلمة قوة التكريس، ويجعلها كالنقش على الحجر، لا يمكن محوها بسهولة. وفي هذا السياق، تصبح كل كلمة موزونة، وكل إشارة محسوبة، وكل اسم مذكور هو بمثابة طلقة في حرب الرموز التي تخاض على حدود الضمير أكثر مما تخاض على حدود الجغرافيا.

إن الصحافة الإسبانية، التي استشاطت غضباً مما اعتبرته “استفزازاً”، لم تستوعب العمق الفلسفي لهذه الرسالة. لقد قرأت الإشارة كما تقرأ الخرائط، لا كما تقرأ الروح. فهي لم تدرك أن استدعاء “القاضي عياض” و”الجزولي” و”أبي العباس السبتي” في مجلس رسمي هو استدعاء لـ”التاريخ البديل”، التاريخ الذي لا يكتبه المنتصرون فقط، بل التاريخ الذي تصنعه الذاكرة الجماعية وتوارثته الأجيال كوصية لا تُردّ. الإسبان يرون سبتة ومليلية “مدينتين إسبانيتين” استناداً إلى منطق القانون الدولي الوضعي ومرور الزمن؛ أما المغاربة فيرونهما من خلال منطق الروح والعلم والجهاد الثقافي، وهما منطقان لا يلتقيان إلا في ميدان الصراع الحاد، حيث لا يمكن التوفيق بينهما بسهولة.

ولعل ما يثير اليسار الإسباني أيضاً، الذي يتبنى خطابات متقدمة في الظاهر، هو دهاؤه في التعامل مع هذه الرموز الدينية. فهو يجد نفسه محاصراً بين إرثه العلماني الرافض لتوظيف الدين في السياسة، وبين حقيقة أن الدين، في الثقافة المغربية، ليس مجرد طقوس فردية، بل هو نسيج اجتماعي وسياسي يعبر عن الذات بكل تجلياتها. فالدين في هذه الرؤية ليس مفصولاً عن هموم الأرض، بل هو جزء من كينونة المقاومة حين تفتقر إلى القوة المادية، كما حدث في مواجهة الاحتلال البرتغالي حين كان الدعاء سلاحاً، والصلوات معاقل، والكتب رايات ترفرف في ساحات القتال الروحي.

أما البعد الرمزي العميق في خطاب الوزير، الذي ربما انتبه له قلة، فهو ذلك الإيحاء بأن التحرير الحقيقي لسبتة يبدأ أولاً بتحرير الوعي المغربي من فكرة أن هذه المدينة مجرد قضية حدودية عالقة بين بيروقراطيتين. إن إعادة الاعتبار للجزولي وعياض والسبتي هي عملية نزع للقداسة عن المفهوم الاستعماري للزمن، حيث تقول إن التاريخ لا يُحسم بمرور السنين ولا بالتفوق الديمغرافي، بل ببقاء الروح التي تعيد إنتاج نفسها في كل لحظة. فالجزولي الذي كتب دلائل الخيرات في القرن الخامس عشر، كان يخاطب مغاربة عانوا من الاحتلال تماماً، وهم اليوم يخاطبون أحفادهم بنفس الكتاب، وكأن الزمن لم يمر، وكأن المعركة مستمرة بوسائل متجددة، وكأن سبتة، في عمقها الفلسفي، رمزٌ لمعركة أزلية بين الهوية والاغتراب، بين الذات والآخر، بين الاستمرارية والانقطاع.

ثم إن إعادة الاعتبار لهذه الرموز، في هذا التوقيت بالذات، يحمل أيضاً رسالة سياسية واضحة للجانب الإسباني: أن المغرب لم ينس، ولن ينس، وأن ما يعتبرونه “قضية محسومة” هو في الحقيقة جمرٌ تحت الرماد، يتأجّج كلما هبت رياح التحدي. لكن الرسالة الأعمق هي تلك التي تتعلق بمنهجية التعامل مع الأزمات؛ فبينما ترد الحكومة الإسبانية بتصريحات جامدة عن الوحدة الترابية والانتماء للاتحاد الأوروبي، يرد المغرب بخطاب يعيد تشكيل الزمن، يستدعي الماضي ليشرح الحاضر ويوجه المستقبل. إنه صراع بين منطق المؤسسات القائمة ومنطق الذاكرة الحية، بين منطق القوة ومنطق المعنى، وبين منطق الحدود التي ترسمها المعاهدات ومنطق الحدود التي ترسمها القلوب.

وإذا كان وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي قد تحدث عن “الحقوق التاريخية والجغرافية”، فإن وزير الأوقاف، دون أن يسميها، قدّم تأريخاً روحياً لهذه الحقوق، جعلها أكثر رسوخاً من أن تُزال بقرار دبلوماسي أو ببيان من وزارة الخارجية الإسبانية أو الإتحاد الأوروبي أو حلف الناتو… إنه يرتقي بالمطالبة إلى مصاف العقيدة، حين يربطها بكتاب يقرأ في مجالس الذكر، ويتلى في حلقات الصوفية، ويتداوله العوام والخواص. هنا تتحوّل القضية من ملف سياسي إلى قضية وجدانية، ومن ورقة تفاوض إلى ركن من أركان الإيمان، وهذا أخطر ما يمكن أن تواجهه إسبانيا، لأن تفكيك مثل هذه المشاعر لا يتم ببروتوكولات دبلوماسية ولا بتهديدات اقتصادية، بل يحتاج إلى إعادة بناء للهوية بكاملها.

وفي نظرة أوسع، نجد أن خطاب الوزير قد كشف أيضاً عن استراتيجية مغربية في التعامل مع الاحتلال تقوم على “إعادة التقديس”. فالمغرب، بدلاً من أن يخوض معركة قانونية عقيمة مع إسبانيا حول شرعية الاحتلال وفق اتفاقيات مدريد أو روما، اختار أن يخوضها على أرض المفاهيم والرموز، ليُذكّر العالم بأن سبتة ليست مجرد مدينة، بل هي “دار علم” و”منبع نور” في الثقافة العربية الإسلامية، وأن من يسيطر عليها لا يسيطر على تراب فقط، بل يسيطر على جزء من ذاكرة الأمة. هذه المعركة الرمزية قد تكون أبطأ مفعولاً من المعارك السياسية المباشرة، لكنها أكثر عمقاً وأكثر استمرارية، لأنها تستهدف العقل والقلب معاً.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يمكن للرموز أن تحرر أرضاً؟ التاريخ يقول نعم، فكم من مدينة تحررت لأنها بقيت حيّة في قلوب أصحابها، وكم من أرضٍ ضاعت لأنها ماتت في الذاكرة قبل أن تسقط في المعارك. ومن هنا، فإن إحياء ذكرى ميلاد النبي( ص ) في قصر الرباط، وربطها بذكرى علماء سبتة وبكتاب الجزولي، هو بمثابة احتفاء باستمرارية المقاومة لا بمناسبة دينية فقط. إنه إعلان أن سبتة، في عمقها، ليست محتلة لأنها تحت سيطرة إسبانية، بل هي محرّرة لأنها باقية في الوجدان، وهذا التناقض بين الاحتلال المادي والتحرر الروحي هو جوهر الأزمة التي تعيشها إسبانيا اليوم مع المغرب.

أما الذين يرون في هذه الإشارات مجرد “تطييب للخاطر” أو محاولة لتهدئة الشارع المغربي بعد أزمة النزوح الجماعي، فإنهم يغفلون عن البعد الاستراتيجي لهذه اللغة. فالخطاب الملكي والوزاري في المغرب لا يصدر عن فراغ، ولا يُلقى في الفراغ، بل هو محكوم بمنطق الدقة والموقف، وكل إشارة فيه تحمل ثقلها ووزنها. وإذا كانت الحكومة الإسبانية قد ردّت بـ”رفض قاطع”، فإنها بذلك تكون قد وقعت في فخ الردود الآلية التي تغفل عن قراءة النص كاملاً، وليس فقط الجزء الذي يثير حساسيتها.

بصوت هادئ أقول: تظل قضية سبتة ومليلية المحتلتين أشبه بلوحة فنية تتشابك فيها الألوان، وتتداخل فيها الضربات، ولا يمكن فهمها من زاوية واحدة. وما فعله الوزير التوفيق هو أنه أضاف بعداً جديداً لهذه اللوحة، بعداً تاريخياً روحياً، جعلها أكثر تعقيداً وجمالاً في آن. فهو لم يقل إن سبتة ستعود غداً، لكنه قال إنها لم تغب يوماً، وإن عودتها ليست مجرد رجوع إلى حضن الوطن، بل هي استعادة لذاكرة ممتدة، وحلمٍ جماعي لا يموت، وكما كتب الجزولي دلائل الخيرات ليستنهض الهمم لتحرير الثغور، فإن هذا الخطاب يسعى اليوم لاستنهاض الهمم، ليس لاقتحام الأسوار، بل لتحصين القلوب، لأن المعركة، في نهاية المطاف، هي معركة وجود وهوية قبل أن تكون معركة حدود وخرائط.

وهكذا، فإن ذكرى المولد النبوي لم تكن مجرد مناسبة للابتهال والصلاة، بل كانت، في هذا العام، محطة لإعادة تعريف المقاومة، ولتذكير العالم بأن الشعوب لا تُقهَر عندما تمسك بذاكرتها كما يمسك المؤمن بكتابه، وأن سبتة، التي أنجبت القاضي عياض وأبا العباس السبتي، والجزولي وغيرهم من فطاحلة وجهابذة المفكرين والعلماء ، ستظل، رغم كل شيء، قبلةً للذاكرة المغربية، ورمزاً لاستمرارية الروح التي لا تعرف الاستسلام، لأنها تعلم أن التاريخ، في ليله الطويل، لا يخلو من فجر.

إليكم ترجمة المقال باللغة الإسبانية لتعمّ الفائدة القارئ والمتتبع الإسباني..
· “La evocación histórica de los científicos de Ceuta por Toufiq en presencia del Rey enfurece a la clase política y mediática española.”

kechnanni mustapha

La palabra del ministro de Asuntos Islámicos y Habices, Ahmed Toufiq, no fue un mero discurso religioso pronunciado en una ocasión de profunda devoción que conmueve los corazones y las conciencias de los marroquíes, ni en presencia del rey Mohammed VI como máxima autoridad religiosa y espiritual del país, ni en el seno del palacio real. Fue, ante todo, un momento de epifanía histórica, donde lo sagrado se entrelaza con lo político, y donde la memoria colectiva se encuentra con el convulso presente. La elección de la ciudad de Ceuta como clave del discurso, y la selección del libro “Dalail al-Jayrat” como símbolo de movilización, no fueron en absoluto fortuitas; constituyeron un acto de doble invocación: una invocación de la historia mientras palpita en las venas del presente, y una invocación de la conciencia colectiva mientras reordena sus naipes frente a una ocupación que sigue siendo, en su esencia, una ocupación de la memoria antes que del territorio.

Tan pronto como el nombre de “Al-Qadi Iyad” susurró en los salones del palacio, asomó desde el balcón del tiempo aquel sabio insigne que hizo de Ceuta, hace más de nueve siglos, un faro del conocimiento y la jurisprudencia. Como si el ministro estuviera susurrando al mundo que Ceuta no es solo un punto en un mapa político, sino que es cuna de sabios y grandes pensadores que forjaron la gloria y la conciencia de la nación. Es un mensaje indirecto que dice: ninguna ciudad que haya dado a luz a Al-Qadi Iyad y que haya clasificado “Al-Shifa” en alabanza del Elegido (el Profeta) puede ser reducida a un mero cuartel militar o a una estación de paso para barcos de migrantes; es parte de un tejido espiritual e intelectual que no puede ser arrancado con meras fronteras ilusorias o vallas espinosas. Invocar a Ceuta a través de sus sabios equivale a una declaración de que la ocupación no se vence solo con tanques, sino con la memoria que reconfigura la conciencia, y que las ciudades se protegen con valores tanto como se protegen con hierro y fuego.

Luego, el ministro se refirió a “Abul-Abbas al-Azafi al-Sabti” y a su libro inconcluso que su hijo terminó, como relatando la historia de un conocimiento que no muere, y una resistencia que no cesa con la muerte de su autor, sino que se transmite como una brasa de corazón a corazón, y de época en época. En esto hay una insinuación elocuente de que el asunto de Ceuta no es cuestión de una generación o de un gobierno, sino un compromiso que se extiende como se extiende el linaje, transmitido de padres a hijos, y que no se detiene ante negociaciones o declaraciones pasajeras. El hecho de que un hijo complete el libro de su padre cuando este fallece es una clara indicación de la continuidad de un proyecto nacional que no conoce la rendición, así como las generaciones se suceden en la preservación de la memoria y la renovación del juramento.

Pero el detalle más llamativo, el que hizo que la alusión se deslizara del manto de lo religioso al espacio de la política pura, fue aquella frase que describió el “Dalail al-Jayrat” de Al-Yazuli como el “emblema de los marroquíes en su movilización para liberar las ciudades ocupadas en el océano Atlántico a principios de la Edad Moderna”. Aquí, en esta oración, un libro sufí de letras aparentemente estáticas se transforma en la vara de Moisés con la que la memoria golpea la roca del olvido, haciendo brotar manantiales de significados. Hablar de “movilización para liberar ciudades ocupadas” en el contexto de la crisis actual de Ceuta no es una simple lección histórica, sino una declaración no dicha sobre la continuación del enfrentamiento por otros medios, y de que lo que los marroquíes hicieron frente a portugueses y españoles hace siglos, puede repetirse espiritualmente ante una nueva realidad ocupacional, incluso si las herramientas difieren y los métodos varían.

Y aquí surge la fuerza de la referencia filosófica en este vínculo prodigioso: si Al-Yazuli movilizó sus libros y sus letanías para liberar las ciudades ocupadas, entonces redescubrir ese libro en este tiempo equivale a redefinir el propio concepto de resistencia. La resistencia, en su esencia, no son solo operaciones militares o maniobras políticas; es un estado de conciencia encendida, la forja de una identidad que no se somete a la ocupación, y una fe arraigada en que la tierra pertenece, ante todo, a quien es más digno de ella espiritualmente, antes que a quien tiene el arma más poderosa. Esta conexión entre el libro de oraciones y la liberación es una filosofía integrada que dice: cuando la oración se hace para que cese una ocupación, se convierte en un acto político, y cuando la súplica se convierte en un emblema, adquiere una dimensión revolucionaria no menos importante que cualquier comunicado o memorándum de protesta.

Pero la magia de la palabra y su impacto se revelan en esta precisa arquitectura del mensaje: el discurso del ministro sobre Ceuta a través de sus sabios, y sobre Al-Yazuli a través de su libro, se produce en una escena solemne que reúne al rey, a los embajadores y a los altos funcionarios, es decir, en el lugar donde la palabra se convierte en historia por su presencia inmediata. Esto otorga a la palabra el poder de la consagración, la vuelve como una inscripción en la piedra que no puede borrarse fácilmente. En este contexto, cada palabra es medida, cada señal es calculada, y cada nombre mencionado es como un disparo en la guerra de los símbolos que se libra en las fronteras de la conciencia más que en las fronteras de la geografía.

La prensa española, que estalló en cólera por lo que consideró una “provocación”, no ha comprendido la profundidad filosófica de este mensaje. Leyó la señal como se leen los mapas, no como se lee el espíritu. No entendió que la invocación de “Al-Qadi Iyad”, “Al-Yazuli” y “Abul-Abbas al-Sabti” en un consejo oficial es una invocación de la “historia alternativa”, la historia que no escriben solo los vencedores, sino la que forja la memoria colectiva y que las generaciones han heredado como un legado incuestionable. Los españoles ven Ceuta y Melilla como “ciudades españolas” basándose en la lógica del derecho internacional positivo y el paso del tiempo; los marroquíes, en cambio, las ven a través de la lógica del espíritu, el conocimiento y la yihad cultural, dos lógicas que solo se encuentran en el campo del conflicto agudo, donde la conciliación es difícil.

Lo que también incomoda a la izquierda española, que adopta discursos aparentemente avanzados, es su desconcierto ante el uso de estos símbolos religiosos. Se ve atrapada entre su herencia secular que rechaza instrumentalizar la religión en política, y el hecho de que, en la cultura marroquí, la religión no es un mero ritual individual, sino un tejido social y político que expresa la identidad en todas sus manifestaciones. La religión, en esta visión, no está separada de las preocupaciones terrenales; es parte de la identidad de la resistencia cuando carece de fuerza material, como ocurrió frente a la ocupación portuguesa, cuando la súplica era un arma, las oraciones eran fortalezas, y los libros eran estandartes que ondeaban en los campos de batalla espirituales.

La dimensión simbólica profunda del discurso del ministro, que quizás pocos han notado, es la insinuación de que la verdadera liberación de Ceuta comienza liberando la conciencia marroquí de la idea de que esta ciudad es solo un asunto fronterizo pendiente entre dos burocracias. Reivindicar a Al-Yazuli, Iyad y al-Sabti es un proceso de desacralización del concepto colonial del tiempo; afirma que la historia no se decide por el paso de los años ni por la superioridad demográfica, sino por la pervivencia del espíritu que se reproduce a sí mismo en cada instante. Al-Yazuli, que escribió el Dalail al-Jayrat en el siglo XV, se dirigía a marroquíes que sufrían la ocupación, y hoy se dirigen a sus descendientes con el mismo libro, como si el tiempo no hubiera pasado, como si la batalla continuara con medios renovados, y como si Ceuta, en su profundidad filosófica, fuera un símbolo de una lucha eterna entre la identidad y la alienación, entre el ser y el otro, entre la continuidad y la ruptura.

Además, reivindicar estos símbolos en este momento preciso conlleva también un mensaje político claro para la parte española: Marruecos no ha olvidado ni olvidará, y lo que ellos consideran un “asunto zanjado” es en realidad brasas bajo las cenizas, que se avivan cada vez que soplan los vientos del desafío. Pero el mensaje más profundo es el que atañe a la metodología de abordar las crisis: mientras el gobierno español responde con declaraciones rígidas sobre la unidad territorial y la pertenencia a la Unión Europea, Marruecos responde con un discurso que reconfigura el tiempo, invoca el pasado para explicar el presente y orientar el futuro. Es un conflicto entre la lógica de las instituciones establecidas y la lógica de la memoria viva, entre la lógica del poder y la lógica del significado, entre la lógica de las fronteras trazadas por los tratados y la lógica de las fronteras dibujadas por los corazones.

Y si el ministro de Justicia marroquí, Abdellatif Ouahbi, habló de los “derechos históricos y geográficos”, el ministro de Asuntos Islámicos, sin nombrarlos explícitamente, ofreció una fundamentación espiritual de estos derechos, haciéndolos más arraigados de lo que un acuerdo diplomático o una declaración del Ministerio de Exteriores español, la Unión Europea o la OTAN puedan remover. Eleva la reivindicación a la categoría de creencia, al vincularla con un libro que se lee en los círculos de oración, se recita en las cofradías sufíes y es manejado por la gente común y la elite. Aquí, el asunto se transforma de un expediente político a una causa existencial, de un papel de negociación a un pilar de la fe, y esto es lo más peligroso que España puede enfrentar, porque desmantelar tales sentimientos no se logra con protocolos diplomáticos ni con amenazas económicas; se requiere reconstruir la identidad por completo.

En una mirada más amplia, encontramos que el discurso del ministro también ha revelado una estrategia marroquí para lidiar con la ocupación basada en la “re-sacralización”. Marruecos, en lugar de librar una batalla legal estéril con España sobre la legalidad de la ocupación según los acuerdos de Madrid o Roma, ha optado por librarla en el terreno de los conceptos y los símbolos, para recordar al mundo que Ceuta no es solo una ciudad, sino una “casa del saber” y una “fuente de luz” en la cultura árabe e islámica, y que quien la controla no controla solo tierra, sino una parte de la memoria de la nación. Esta batalla simbólica puede ser de efecto más lento que las batallas políticas directas, pero es más profunda y duradera, porque apunta tanto a la mente como al corazón.

Y aquí surge la pregunta más importante: ¿Pueden los símbolos liberar un territorio? La historia dice que sí; cuántas ciudades se han liberado porque permanecieron vivas en los corazones de sus dueños, y cuántas tierras se han perdido porque murieron en la memoria antes de caer en las batallas. Por ello, conmemorar el nacimiento del Profeta (la paz sea con él) en el palacio de Rabat, y vincularlo con la memoria de los sabios de Ceuta y el libro de Al-Yazuli, es una celebración de la continuidad de la resistencia, no solo de una ocasión religiosa. Es una declaración de que Ceuta, en su esencia, no está ocupada porque esté bajo control español, sino que está liberada porque permanece en la conciencia, y esta contradicción entre la ocupación material y la liberación espiritual es la esencia de la crisis que España vive hoy con Marruecos.

En cuanto a quienes ven en estas alusiones un mero “consuelo” o un intento de calmar la calle marroquí tras la crisis del éxodo masivo, pasan por alto la dimensión estratégica de este lenguaje. El discurso real y ministerial en Marruecos no surge de la nada ni se pronuncia en el vacío, sino que está regido por una lógica de precisión y posición; cada señal en él tiene su peso. Y si el gobierno español ha respondido con un “rechazo tajante”, entonces ha caído en la trampa de las respuestas automáticas que omiten la lectura del texto completo, y no solo de la parte que despierta su susceptibilidad.

Con voz serena, digo: la cuestión de Ceuta y Melilla, las ciudades ocupadas, sigue siendo como un cuadro artístico donde los colores se entrelazan y las pinceladas se superponen, y no puede entenderse desde una sola perspectiva. Lo que ha hecho el ministro Toufiq es añadir una nueva dimensión a este cuadro, una dimensión histórico-espiritual, volviéndolo más complejo y bello a la vez. No ha dicho que Ceuta volverá mañana, pero ha dicho que nunca se ha ido, y que su regreso no es solo un retorno al seno de la patria, sino la recuperación de una memoria extendida y de un sueño colectivo inmortal. Así como Al-Yazuli escribió el Dalail al-Jayrat para infundir ánimos para liberar las plazas fortificadas, este discurso busca hoy infundir ánimos, no para asaltar las murallas, sino para fortificar los corazones, porque la batalla, al fin y al cabo, es una batalla de existencia e identidad antes que de fronteras y mapas.

Y así, la conmemoración del nacimiento del Profeta no fue solo una ocasión para la plegaria y la alabanza, sino que fue, este año, una estación para redefinir la resistencia, y para recordar al mundo que los pueblos no son vencidos cuando se aferran a su memoria como el creyente se aferra a su libro, y que Ceuta, que dio a luz a Al-Qadi Iyad, Abul-Abbas al-Sabti, Al-Yazuli y otros gigantes del pensamiento y el saber, seguirá, a pesar de todo, siendo el punto de orientación de la memoria marroquí, y un símbolo de la continuidad de un espíritu que no conoce la rendición, porque sabe que la historia, en su larga noche, no está exenta de un amanecer.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.