- مصطفى قشنني
ليس تخبطاً عابراً ما يعيشه رجل جعل من البيت الأبيض مسرحاً للعبث السياسي، بل هو انهيار منهجي لرجل أمسى رمزاً للتناقض الصارخ في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية. إنه مشهد يبعث على السخرية المريرة: ملك متوج لا رئيس منتخب، يجلس على كرسي صنعته الديمقراطية ليقوض دعائمها بيديه، ويتصرف وكأن أمريكا إقطاعية وراثية، وحلفاؤه مجرد أتباع صغار. والأدهى من ذلك أن الأمريكيين أنفسهم، أولئك الذين ظلوا طويلاً أسرى الصمت المقدس تجاه تجاوزات رؤسائهم، خرجوا أخيراً يصرخون: “لا نريد ملوكاً”، في اعتراف متأخر بأن ديكتاتورية الرئيس ترامب لم تعد مجرد وهم يروج له خصومه، بل حقيقة يعيشونها يومياً. إنه رئيس يفعل ما يشاء، كطفل نزق كسر ألعابه الدستورية، وبات يتخذ القرارات المصيرية دون أن يكلف نفسه عناء استشارة مستشاريه، وكأن العقل الجمعي لإدارة دولة عظمى لا يساوي شيئاً أمام نزوات رجل واحد.
ترامب الذي يخرج من جعبته كل صباح قراراً يتناقض مع قرار الأمس، والذي يقول الشيء في السابعة صباحاً لينقضه في الثامنة، لم يعد مجرد رئيس مثير للجدل، بل تحول إلى حالة مرضية من التخبط الاستراتيجي غير المسبوق في تاريخ القوى العظمى. إنه يجسد التناقض في صورته النقية: يطلق تهديداته بتحويل إيران إلى “العصر الحجري”، بينما هو يعيد العالم كله إلى عصر ما قبل العقلانية. يدخل حروباً بلا أهداف استراتيجية، فقط ليرضي المجرم الدموي نتنياهو، ذلك الطاغية الذي أراد الاستفراد بجبروته في المنطقة العربية، فوجد في ترامب أداة طيعة لا تسأل عن العواقب. تخيلوا: رئيس أمريكا يحرق الشرق الأوسط كله من أجل مصلحة شخصية لإنسان دموي معتوه لا يحكم إلا بنيته التدميرية، ويضحي بدماء الفلسطينيين، ثم بدماء أطفال المدارس في طهران، وكأن هذه الأرواح مجرد أرقام في معادلة مريضة.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الشرق الأوسط. ترامب الملطخ بجرائم إبستين، ذاك الرمز لانحطاط النخبة الذي تجاوز كل الخطوط الحمراء، دخل في مواجهات عبثية مع الصين، وكاد أن يشعل حرباً تجارية هوجاء أفقرت ملايين الأمريكيين قبل أن تفقر العالم بأسره. ثم جاء دوره على حلفائه في الناتو، أولئك الذين ظن أنهم سيقفون خلفه مهما فعل، ليكتشف أن الأبواب قد أغلقت في وجهه واحدة تلو الأخرى. تخلى عنه الأوروبيون، واستخف به البريطانيون، وسخر منه الكنديون. وأصبح الرئيس الأقوى في العالم يقف وحيداً في الساحة الدولية، يلوح بقوته الصاروخية كمن يلوح بعصا مكسورة، لا يجد من يصفق له سوى القلة من المتطرفين والعملاء.
لكن العبث الأكبر يظهر في تعامله مع الحرب الإيرانية. ترامب لا يستطيع وقف الحرب، وليس لأنه لا يريد، بل لأنه عاجز عن الاعتراف بالهزيمة. إن إيقاف الحرب يعني انهيار وهم النصر، يعني الاعتراف بأن إيران لم تنكسر، بل خرجت أقوى مما كانت. ولأنه رجل لا يعرف سوى لغة الانتصار الوهمي، فهو يواصل التصعيد وهو يعرف في قرارة نفسه أنه يمشي في مستنقع لا يعلم نهايته إلا الله. إنه يشبه نيرون تماماً: نيرون الذي أحرق روما ثم صعد إلى تل ليغني على قيثارته، بينما كانت المدينة تحترق. هكذا ترامب، يحرق الاقتصاد العالمي، ويدفع الملايين إلى حافة الجوع والإفلاس، ثم يقف ليتباهى بأنه يستحق جائزة نوبل للسلام، وأنه أطفأ نار الحروب المشتعلة. لكن النار لم تنطفئ، بل تحولت إلى جحيم شامل: فلسطين تغرق في الدماء، وطهران تشيع أطفالها، وأوكرانيا تتداعى، والعالم بأسره يعاني من غلاء معيشي خانق يهدد بثورات جياع.
وهنا يكمن السؤال الفلسفي المرير: كيف وصلت البشرية إلى هذه النقطة؟ كيف سمحت لنيرون جديد بأن يقود أقوى دولة في التاريخ، ويمارس العبث بمصائر الملايين وكأنها لعبة فيديو؟ ربما لأننا نعيش زمن انهيار القيم، زمن أصبحت فيه الشعبوية أقوى من الحكمة، والصوت الأعلى أصدق من الصوت الأكثر عقلانية. لقد خلق ترامب نموذجاً جديداً للطاغية: ليس طاغية الجيوش والكتائب، بل طاغية التغريدة، طاغية الخبر الكاذب، طاغية التخبط المستمر الذي يربك الخصوم قبل أن يربك حلفاءه.
والأخطر من كل هذا أن ترامب لا يدرك حجم الكارثة التي يجر العالم إليها، أو ربما يدركها لكنه يستمتع بها. إنه يعيش أزمة استراتيجية وجودية: لا يستطيع التقدم لأن الطريق مسدود، ولا يستطيع التراجع لأن التراجع يعني انهيار أسطورته. لذلك هو يتحرك في حلقة مفرغة من الجنون: يهدد، يتراجع، يهدد مجدداً، يتناقض مع نفسه، يكذب، يصدق كذبه، ثم يبدأ من جديد. والعالم يشاهد في ذهول هذا التخبط غير المسبوق، ويحاول أن يستوعب كيف يمكن لقائد أن يكون بهذا الهشاشة وهذا الغرور في آن واحد.
إن ترامب ليس مجرد رئيس سيئ، بل هو كارثة أنثروبولوجية. إنه يعيد تعريف مفهوم السلطة نفسها، ويجعلها مرادفة للفوضى والتناقض والعبث. والنتيجة أن العالم بات على حافة التراجيديا: ملايين الجياع، واقتصاد ينهار، وحروب مشتعلة، وقائد يتبجح بتحويل أمة بأكملها إلى “العصر الحجري”، وكأنه يتحدث عن حفلة أطفال وليس عن قصف شعوب بأكملها.
وسيبقى السؤال معلقاً في الهواء، مثل دخان روما المحترقة: متى ينتهي هذا الكابوس؟ وماذا بعد ترامب؟ هل سيتعلم العالم درساً من هذه التجربة المريرة، أم أن نيرونات جدداً سينهضون من رماد هذه الفوضى ليعزفوا على قيثاراتهم بينما يشتعل كل شيء؟ الجواب ليس في يد ترامب، بل في يد أولئك الذين ما زالوا صامتين، أولئك الذين يرون كل هذا ويظنون أن الأمر لا يعنيهم. إنه يعنيكم حتماً، لأن النار التي تشتعل في طهران أو غزة ستصلكم حتماً، وسيجد كل منكم نفسه أمام سؤال مصيري: هل كنت مع الذين أطفأوا النار، أم مع نيرون الذي أشعلها ليعزف؟








