سيگارٌ كوبيٌّ لا ينسى: شهادةٌ في حقّ شيوعيِّ أخير يدخل الحكومة..

admin
2026-10-17T23:46:36+02:00
مقالات رئيس التحرير
adminمنذ 3 ثوانيآخر تحديث : منذ ثانيتين
سيگارٌ كوبيٌّ لا ينسى: شهادةٌ في حقّ شيوعيِّ أخير يدخل الحكومة..
  • مصطفى قشنني

اسمي لا يهم. أنا سيگارٌ كوبيٌّ من النوعٍ الفاخر، من النوع الذي يُدخَّنُ في المناسباتِ الكبرى، ويُقدَّمُ في علبٍ خشبيةٍ مبطّنةٍ بالحرير. عشتُ في جيوبٍ كثيرة، وحضرتُ جلساتٍ لم يحضرها الشعب، وشربتُ من دخانِ القراراتِ ما لم يشربْه أحد. وأنا اليومَ أتقدّمُ بشهادتي، لا أمامَ محكمةٍ ولا أمامَ لجنةٍ، بل أمامَ القارئِ الذي ما زال يصدّقُ أنّ في وطني شيوعيًّا واحدًا لم يخُنْ. رفيقي — وأقولُ رفيقي لأنّ الشيوعيين يحبّون هذه الكلمة — كان يُدعى «الشيوعيَّ الأخير». عرفتُه منذ تسعِ سنواتٍ تقريبًا. كان ذلك في ليلةٍ باردة، حين أشعلني في مكتبٍ ضيقٍ بعد أن تلقّى قرارَ الطرد. قال لي وهو ينفخُ الدخانَ في السقف: «البيانُ يقول ممنوعٌ من تولّي أيّ منصب». ثم أضاف بصوتٍ واثق: «لكن البيانَ لا يقول إنّ السيگارَ ممنوع». وضحك. كانت ضحكةَ من يعرفُ أنّه سيعود. لم أكن أعرفُ حينها أنّ تلك الليلةَ ستكون بدايةَ رحلةٍ طويلة، وأنّني سأكون الشاهدَ الوحيدَ الذي لم يخُنْ.

انطفأتُ في تلك الليلة، لكنّي عُدتُ. عدتُ في كلِّ مرةٍ أشعلني فيها. كنتُ أُشعلُ في لحظاتِ الحسم. أشعلني يوم قرّر أن يقدّمَ «الاستعطاف». كان وجهه شاحبًا، لكن يده ثابتة. قال: «هذه آخرُ وسيلة». ثم دخّنَ في صمتٍ طويل. لم يكن صمتُه صمتَ من استسلم، بل صمتُ من يحسبُ الخطوةَ الأخيرة. وحين جاءه الردُّ بالموافقة، أشعلني مرّتين. قال: «الكوبيون وحدهم أوفياء». كان يقصدني، أو يقصد السيگارَ، أو يقصدُ الشيوعيةَ، أو الثلاثةَ معًا. في وطني كلُّ شيءٍ يُقالُ يحتملُ ثلاثةَ معانٍ: معنى يُقال، ومعنى يُقصَد، ومعنى يُفهم. وأنا كنتُ أفهمُ المعاني الثلاثةَ من كثرةِ ما سمعتُ.

عُيّنَ وزيرًا للتلاوةِ وإقرا. لم أفهمْ يومها ما معنى هذه الوزارة، وما زلتُ لا أفهم. لكنّي فهمتُ شيئًا واحدًا: أنّ الرجلَ كان سعيدًا. سعيدٌ كطفلٍ حصلَ على حلوى بعد صبرٍ طويل. جلسَ على كرسيٍّ وثيرٍ في مكتبٍ واسعٍ بموكيتٍ طويل، وأشعلني. كانت أوّلَ سيجارةٍ في المنصب الجديد. دخّنَ ببطء، وكأنّه يريدُ أن يتذوّقَ كلَّ نفَسٍ من الانتصار. ثم قال بصوتٍ خفيض، وكأنّه يخاطبُ نفسه أو يخاطبني: «تسع سنوات، والبيانُ كان ممنوعًا، واليومَ صرنا وزراء». وأنا، السيگارُ الكوبيُّ الذي رأى كلَّ شيء، لم أقلْ شيئًا. فالدخانُ لا يتكلّم، لكنّه يحفظ.

حفظتُ أنّ الرجلَ كان يحبُّ آخرَ صيحاتِ السياراتِ الفخمة العالمية. كان يمتطيها كما يمتطي فارسٌ جوادًا أصيلًا، إلا أنّ الفرسانَ يمتطون للقتال، وهو كان يمتطي للوصولِ إلى مكاتبَ أخرى. وحفظتُ أنّه كان يحبُّ الكراسيَّ الوثيرة، لا كراسيَ السلطةِ فقط، بل كراسيَ الانتظارِ أيضًا. كان يجلسُ في قاعاتِ المطاراتِ كما يجلسُ في قاعاتِ الوزارات، بظهرٍ مستقيمٍ ووجهٍ هادئ، وكأنّ الزمنَ كلَّه في خدمته. وحفظتُ أنّه كان يحبُّ الماركسيةَ في الكتب، ويحبُّ الرأسماليةَ في المتاجر، ويحبُّ البروليتاريا في الخطب، ويحبُّ البورجوازيةَ في المطاعم. لم يكن متناقضًا، بل كان شاملًا. والشيوعيُّ الشاملُ في وطني لا يُحاسب، بل يُكرَّم.

عُيّنَ سفيرًا. سافرتْ معه عُلبُ السيگار. في السفارة، كان يشعلني بعد كلِّ مكالمةٍ دبلوماسية، وكأنّه يحتفلُ بانتصارٍ لم يعرفْ به أحد. كان يقول: «الدبلوماسيةُ فنُّ الصمت، والسيگارُ فنُّ الكلام». وأنا كنتُ أُصدّقُه لأنّني كنتُ الوحيدَ الذي لا يستطيعُ أن يُكذّبَه. ثم أُعيدَ وزيرًا للإسكان. وهناك، في وزارةِ الإسكان، تعرّفتُ على نوعٍ آخرَ من السيگار. كان يشعلُني في اجتماعاتٍ طويلةٍ عن مشاريعَ لا تُنجَز، وعن وحداتٍ سكنيةٍ لا تُبنى، وعن وعودٍ لا تُوفى. وكان يدخّنُ بثقةِ من يعرفُ أنّ الوعودَ لا تُحاسب، وأنّ المشاريعَ تُموتُ في الأدراج، وأنّ الشعبَ ينتظرُ في الخارج بينما الدخانُ يتصاعدُ في الداخل.

قلتُ لكم إنّني أُدخَّنُ في كلِّ المحطات. وحين أُدخَّنُ، أسمعُ. سمعتُ مسؤولين يقولون له: «يا رجل، البيانُ كان واضحًا». فيضحك ويقول: «البيانُ كان واضحًا، لكنّني أصبحتُ أوضح». سمعتُ آخرين يقولون: «أنتَ طُردتَ من الباب الأمامي». فيرد: «البابُ الأماميُّ للداخلين، وأنا خرجتُ منه، ودخلتُ من بابٍ آخر». ثم يُشعلني ويضيف: «الاستعطافُ ليس ضعفًا، الاستعطافُ ذكاء. من لا يعرفُ كيف يعتذر، لا يعرفُ كيف يحكم». وأنا، السيگارُ الكوبيُّ، كنتُ أُصغي وأحفظ. الدخانُ لا يكتبُ، لكنّه يُسجّلُ في الرئةِ ما لا يُسجّلُ في المحاضر.

وذات مساء، جلسنا وحدنا. كان قد عادَ من اجتماعٍ طويل. أشعلني ببطء، وابتسمَ ابتسامةً لم أرَها من قبل. قلتُ في نفسي: هذه ابتسامةُ من وصلَ إلى القمة. لكنّه قال بصوتٍ مختلف: «تعرفُ ما هي المشكلة؟ المشكلةُ أنّني ما زلتُ شيوعيًّا». ثم صمت. وأنا لم أفهم. هل كان يمزح؟ هل كان يتوبُ؟ هل كان يعترفُ؟ في وطني، السؤالُ الواحدُ يكفي لجلسةٍ كاملة، والجوابُ الواحدُ يمكنُ أن يُدمّرَ حكومة. فأنا لم أسأل، بل دخّنتُ في صمتٍ، وتركتُه يكمل: «الشيوعيُّ في وطني لا يُصدّقُه أحد، لأنّ الجميعَ يعرفُ أنّ الشيوعيةَ انتهت. لكنّهم يعرفون أيضًا أنّ الشيوعيَّ الأخيرَ لا يزالُ يملكُ ما لا يملكُه الآخرون: الذاكرة». ثم أطفأني.

وفي آخرِ لقاءٍ بيننا، رأيتُه يلبسُ بدلةً جديدةً. كان مكتبُه في الوزارةِ الجديدةِ أوسعَ من السابق، والكرسيُّ أكثرَ وثارةً، والسيگارُ — وأنا أعترفُ — كان أفخرَ نوعٍ رأيتُه في حياتي القصيرة. أشعلني وقال: «هذه آخرُ وزارة، أعدُك». ثم ضحك. قلتُ في نفسي: كم مرّةٍ وعدتَ؟ وكم مرّةٍ أشعلتني في وزارةٍ وقلتَ إنّها الأخيرة؟ لكنّني لم أقلْ شيئًا. الدخانُ لا يتكلّم. ثم نظرَ إليّ — أو نظرَ إلى الدخانِ المتصاعد — وقال بصوتٍ هادئ: «انتظرِ الأسوأ». فسألتُه بعينيّ: وما هو الأسوأُ من هذا؟ فأجابني بابتسامةٍ غامضة: «الأسوأُ أنّني قد أنجحَ في هذا المنصب». وأنا، السيگارُ الكوبيُّ، أدركتُ في تلك اللحظةِ أنّني كنتُ أشعلُ رجلًا يعرفُ تمامًا ما يفعل، وأنّ الشيوعيةَ التي كان يحملُها لم تكن يومًا في قلبه، بل في جيبه. وفي وطني، الجيوبُ لا تُحاسبُ، بل تُوزَّر.

انطفأتُ في تلك الليلة. وحين أشعلني في اليومِ التالي، كان قد عُيّنَ وزيرًا جديدًا. وزارةٌ أخرى، ومكتبٌ آخر، وكرسيٌّ أحدث. وأنا ما زلتُ هنا، في العُلبِ الفاخرة، أُشعلُ وأُطفأ، وأحفظُ ما لا يُكتب. يقولون إنّ الشيوعيَّ الأخيرَ سيستمرُّ في الصعود. وأنا أقول: سيستمرُّ، لأنّ الشيوعيَّ الأخيرَ لم يبقَ منه إلا السيگار. والسيگارُ لا يسقطُ من الجيب. والسيگارُ لا يُطردُ من الباب. والسيگارُ لا يقرأُ البيانات. والسيگارُ، في النهاية، هو الشيوعيُّ الوحيدُ الذي لم يخُنْ. أما هو، فسيبقى يدخلُ من الأبوابِ التي لا يعرفُها إلا هو، ويجلسُ على الكراسيِّ التي لا يراها إلا من في القمة، ويدخّنُني، وأنا أحفظ. وحين يموتُ — إن مات يومًا — سيبقى دخانه في السقفِ علامةً على أنّ في وطني شيوعيًّا واحدًا عرفَ كيف يعيش، لكنّه نسى كيف يكون شيوعيًّا حقيقيا.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.