- مصطفى قشنني
ليس مشهداً عادياً أن ترى رجلاً يصرخ في وجه جاره: “لقد حطمت منزلك بالكامل! لم يعد لديك سقف ولا جدران!” ثم بعد دقائق يطرق بابه متلهفاً: “هيا نتفاوض، أنا مستعد لتقديم تنازلات”. لكن هذا بالضبط ما نشاهده بأم أعيننا في مسرحية “العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران” التي تحولت إلى مهزلة كونية بامتياز. حرب لم تنجح في تحقيق أي هدف، إن كانت هناك أهداف أصلاً لنشوبها. لا نظام أُسقط، ولا نصر عسكري تحقق، فقط تراجع إلى الوراء، ثم إلى الوراء أكثر، حتى وصل بنا الأمر إلى مشهد استجداء التفاوض من طرف كان يفترض أنه المنتصر. نحن أمام ظاهرة فريدة في تاريخ الحروب: حرب أعلن خوضها من دون أهداف استراتيجية، وقادها من كان يعتبرها شبه خاسرة مسبقاً، وانتهت بأن يرسل المنتصر “المزعوم” وفداً رفيع المستوى على رأسه نائبه المعارض للحرب، ليفاوض من أعلن قبل أيام أنه “دمّر كل بنياته العسكرية” وأن “إيران انتهت”. لو أن كاتباً سينمائياً اقترح هذا السيناريو، لاتُهم بالعبث أو الإفراط في تعاطي المواد المخدرة. لكننا في عصر ما بعد الحقيقة، حيث يمكن للجملة ونقيضها أن تصبحا صحيحتين في آن، لأن الحقيقة لم تعد مرآة تعكس الواقع، بل أصبحت أداة لصنع واقع جديد.
فلنتأمل هذه العبقرية التناقضية بعمق. ترامب، الرجل الذي يعتبر نفسه أعظم مفاوض في التاريخ، يبعث وفداً رفيعاً إلى إيران بعد أن ملأ الدنيا زعيقا أنه “هزمها” مع ربيبه نتنياهو. والمضحك المبكي أن هذا الوفد يرأسه نائبه الذي كان يصرخ في أروقة البيت الأبيض رافضاً خوض غمار هذه الحرب الخاسرة،- كما رفض خوضها ثلاث رؤساء سابقين للولايات المتحدة الأمريكية-. هل فهمتم العبقرية؟ إنه يرسل من كان يعارض الحرب ليفاوض على شروط الاستسلام… ولكن استسلام من بالضبط؟ لأننا كما نعرف جميعاً، في كل قوانين الحرب والسلام منذ فجر التاريخ، المنتصر لا يستجدي التفاوض. المنتصر يملي شروطه. المنتصر لا يرسل وفوداً رفيعة متلهفة. المنتصر هو الذي ينتظر أن يأتي الخاسر راكعاً. لكن ترامب يتفاوض، بل هو من يتلهف ويسارع الزمن من أجل التفاوض. وهذا ليس مجرد تناقض، بل هو اعتراف صريح بأن كل تلك التصريحات الانتصارية والخطابات العنترية كانت مجرد دجل انتخابي، وأن الأضرار التي تحدث عنها كانت وهمية أو مبالغاً فيها بشدة، وأن إيران لا تزال واقفة على قدميها بل وتفرض شروطها على الطاولة.
هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفاهيم النصر والهزيمة نفسها، لأن ما نشهده ليس حرباً تقليدية بل تحولاً جيوسياسياً هائلاً. لقد انتهى زمن الانتصارات الساحقة في الشرق الأوسط، إن كان هناك مثل هذا الزمن أصلاً. نحن الآن في عصر “الانتصارات الإجرائية”، حيث النصر ليس أن تسقط خصمك بل أن تبقى واقفاً بعد أن يسقط هو. ترامب يريد أن يبيع لأمريكا فكرة أنه “أنهى التهديد الإيراني”، وإيران تريد أن تبيع لشعبها فكرة أنها “أذلت أقوى قوة في العالم”. وكلاهما محق وكلاهما مخطئ. محقان لأن كل طرف حقق مكاسب صورية داخل جمهوره، ومخطئان لأن هذه المكاسب لن تدوم طويلاً. فالصور تبهت، والتصريحات تُنسى، والحقائق الجيوسلوجية تبقى: إيران قوة إقليمية صاعدة لا يُستهان بها، وأمريكا قوة عالمية متراجعة وآفلة. لكن الأدهى من ذلك أن هذه الحرب، أو هذا العدوان المزعوم، ربما لم تكن حرباً بالمعنى التقليدي منذ البداية. ربما كانت مجرد عرض مسرحي هائل، بطولة ترامب ونتنياهو، وكتابة وإخراج جماعات الضغط الصهيونية، بهدف بيع الأسلحة، أو صرف الأنظار عن مشاكل داخلية، أو محاولة يائسة لإنقاذ حكومة نتنياهو من الانهيار. وعندما لم تشترِ إيران التذاكر، وعندما رفضت أن تلعب دور الضحية، وعندما وقفت بثباتها الأسطوري كجبل في وجه الإعصار، انكشف كل شيء. انكشف أن كل تلك التهديدات كانت مجرد فقاعة هواء، وكل تلك الصواريخ التي أُطلقت كانت مجرد ألعاب نارية للاستهلاك المحلي.
والآن نصل إلى قلب العبثية: مضيق هرمز. فجأة، وبدون مقدمات، أصبح هذا المضيق هو القضية المركزية. يُطالبون بفتحه، مع أن هذا المضيق لم يكن المشكل عبر التاريخ، بل كان يعرف انسيابية سلسة لخُمُس النفط العالمي ناهيك عن مختلف أنواع البضائع والسلع. إيران ورثت هذا الممر المائي كسلاح استراتيجي بامتياز، وكان من المفترض أن تستخدمه كورقة ضغط ضمن استراتيجية عسكرية محكمة. لكنهم يحولون الأمر الآن وكأن إيران هي من أغلقه ظلماً، وكأن أمريكا هي من ستحرر الملاحة فيه. هذا مثل أن تسرق سيارة شخص ثم تطلب منه أن يفتح لك الأبواب من الداخل. إيران لم تستخدم هذا السلاح بالقوة المطلوبة بعد – فلازالت سفن الاصدقاء تمرّ بكل انسيابية – ؟ لأنها ليست دولة انتحارية، لأنها تعرف أن إغلاقه يعني حرباً عالمية، لأنها تفهم أن القوة ليست في إظهار العضلات بل في التلويح بها من بعيد. لكن ترامب ورفاقه، في عبقرية فريدة، حولوا هذا المضيق إلى قضية إنسانية ملحة يجب تحريرها. والمضحك أنهم يطالبون بفتحه بعد أن فشلوا في كل شيء آخر، وكأنهم يقولون: “بما أننا لم نستطع هزيمتكم، على الأقل دعونا نتفق على أن لنا الحق في المرور من ممركم المائي بسلام”. هل هذه لغة المنتصرين أم لغة التجار في سوق مزدحم؟
مضيق هرمز اليوم لم يعد مضيقاً بقدر ما أصبح استعارة. إنه يمثل “العقدة” التي يحتاج كل طرف إلى إظهار قدرته على حلها. أمريكا تحتاج إلى أن تظهر أنها “تفتح” المضيق، لأن إغلاقه الافتراضي من قبل إيران هو التهديد الوحيد الذي يمنحها مبرراً للوجود العسكري في المنطقة. وإيران تحتاج إلى أن تظهر أنها “يمكنها” إغلاقه، لأن هذه القدرة هي ورقة المساومة الوحيدة. لكن الحقيقة المرة أن المضيق لم يُغلق ولن يُغلق، لأنه إغلاقه يعني تدمير الاقتصاد العالمي. إذن نحن أمام لعبة “الدجاجة الخائفة”: كل طرف يتظاهر بأنه على استعداد للاصطدام، والكل يعرف أن لا أحد سيصطدم. الفرق أن ترامب يحتاج إلى أن يبدو أكثر جرأة مما هو عليه، بينما إيران تحتاج إلى أن تبدو أكثر تصالحاً مما ينبغي. والنتيجة هي هذه المهزلة: تفاوض يتم على عجل، بلهفة، وبإلحاح من الطرف الذي كان يفترض أنه المنتصر. ترامب يريد صفقة سريعة ليبيعها كإنجاز تاريخي قبل انتخابات الرئاسة، حتى لو كانت الصفقة لا تعدو كونها اعترافاً ضمنياً بأن كل تهديداته السابقة كانت مجرد هراء. أما إيران، فليست في عجلة من أمرها، لأن الوقت يعمل لصالحها. كل يوم تمر فيه المفاوضات دون حرب هو نصر إضافي، وكل يوم تتراجع فيه المطالب الأمريكية من “تغيير النظام” إلى “تعديل السلوك” هو انتصار تراكمي.
بصوت هادئ نقول: إننا نقف أمام حقيقة صامدةوصلدة لا نظام أُسقط، ولا نصر تحقق، ولن يتحقق نصر بهذه الطريقة البائسة. كل ما حدث هو أن ترامب اكتشف، متأخراً جداً، أن إيران ليست غرينادا أو بنما أو فنزويلا . إيران دولة بحجم حضارة، بعمق استراتيجي، وشعب لا يخاف الموت لأنه يؤمن بالحياة بعده. كيف تقاتل شعباً هذه عقيدته؟ إنهم يقاتلون أشباحاً، يقاتلون وهمهم الذي صنعوه بأيديهم. ولهذا انتهى الأمر بهذه الكوميديا التراجيدية: مفاوضات تحت وابل من التهديدات، ووفود رفيعة تذهب وتأتي، وكل يوم خبر جديد عن “اختراق” لا يؤدي إلى شيء. ونحن، الجمهور العربي الذي تعود على الكوارث والمآسي، نقف هنا نضحك لكي لا نبكي، نضحك على ترامب الذي يتفاوض مع من أعلن هزيمته، نضحك على نتنياهو الذي يحلم بسقوط طهران بينما هو الذي يسقط يومياً، ونضحك على هذا العالم الذي أصبح يُدار وكأنه فيلم هندي مقتبس عن فيلم أمريكي فاشل. لكن الضحكة الأخيرة، كما نعرف جميعاً، ليست لترامب ولا لنتنياهو. الضحكة الأخيرة لمن يصمد، لمن ينتظر، لمن يعرف أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي بل عصب الاقتصاد العالمي، وأن من يملك هذا العصب يملك حق التفاوض من موقع قوة، وليس من موقع استجداء. تابعوا المسرحية أيها السادة، فالفصل الأخير لم يُكتب بعد، ولكن المؤكد أن المخرجين الحاليين لا يجيدون حتى قراءة النص.








