مصطفى قشنني
في مسرح السياسة المغربية الذي يزداد عبثاً مع كل استحقاق انتخابي، تتجلى مظاهر ترتقي إلى ظواهر تعيد إنتاج سؤال جوهري حول ماهية الديمقراطية ذاتها – كما درسناها في مدارس الفكر الفلسفي والسياسي منذ سقراط وحتى كارل ماركس – ، حول ما إذا كانت هذه الديمقراطية مجرد إجراءات شكلية وطقوس دورية، أم أنها مشروع مجتمعي يكرس المساواة والجدارة والإستحقاق ويعيد تعريف العلاقة الجوهرية بين السلطة والمواطن، بين الحاكم والمحكوم، بين النخبة والجماهير. إن هيمنة أصحاب المال ( أشكارة ) على الترشيحات، وتزكية ديناصورات السياسة لأنفسهم في كل محطة وكأنهم جزء من تأثيث الدولة لا يمكن تغييره، وتحول البرلمان إلى نادٍ عائلي تتناسل فيه المقاعد بين الآباء والأبناء والزوجات ( في انتظار إلتحاق الخادمة والجّاردينيي و العسّاس)، ناهيك عن الترحال السياسي وتبادل الألوان والأدوار داخل أحزاب بعينها،كل هذه الممارسات لا تعكس فقط أزمة نخب عابرة، بل تكشف عن تحول في الأنطولوجيا السياسية المغربية، عن إعادة هيكلة عميقة لمعنى الشرعية ذاتها، حيث أصبحت القيمة التبادلية للمال والدم و النسب والاسم هي التي تحدد من يستحق الجلوس على مقعد الأمة، وكأنما المقعد النيابي تحول من أداة لخدمة الصالح العام إلى سلعة في سوق المزايدات، ومن مسؤولية وطنية إلى إرث عائلي ومكسب شخصي وغنيمة.
إن غياب – والأصح تغييب – النخب الثقافية والأكاديمية والفكرية عن المشهد الانتخابي ليس مجرد نقص كمّي في التمثيل، بل هو إعلان عن إفلاس سياسي من نوع خاص، حيث ينحصر التداول السياسي في دائرة مغلقة من المصالح المالية والعائلية، محولاً البرلمان إلى مرآة تجسّد انعكاسات السوق بدلاً من أن يكون مصدراً للرؤى الاستراتيجية والتشريعات المؤسسة لمستقبل البلاد كما عبّر وحثّ عن ذلك جلالة الملك في الكثير من خُطبه السامية .
في الديمقراطيات العريقة التي تحترم نفسها وتراعي آلياتها، نجد النخب الفكرية تشكل العمود الفقري للحياة السياسية، لأنها تحمل في داخلها إرثاً من التفكير النقدي والرؤى الاستراتيجية العميقة للأشياء، وهي التي تستطيع أن تقدم مشاريع مجتمعية تتجاوز يوميات الاستهلاك الانتخابي، وتتصدى للتحديات الكبرى بوعي تاريخي وفلسفي عميق. أما في المشهد المغربي، فيبدو أن الفكر أصبح مذاقاً سيئاً أو مُرا، وأن الأكاديميين لم يعودوا ذوي جدوى في لعبة المقاعد، وأن المقعد النيابي صار حكراً على ( الدوماليين )، فلا قيمة للبرامج، ولا وزن للرؤى، ولا معنى للكفاءات، فالمال هو الفيصل، وهو الباب، وهو المفتاح الذي يفتح كل الأبواب المغلقة – أقصد ثراء المترشحين -.
إن الخطورة البنيوية في هيمنة المال على السياسة لا تكمن فقط في تفوق أصحاب الجيوب العميقة، بل في إعادة هيكلة معنى الشرعية السياسية ذاتها، حيث تصبح الشرعية محكومة بميزانية الحملات الانتخابية، وليس بجودة البرامج أو عمق الرؤى أو نزاهة الممارسين ونوعيتهم . إنها تحول السياسة من حقل للمعاني والصراعات الرمزية حول مستقبل المجتمع، إلى مجرد مجال للنفوذ الاقتصادي، حيث يصبح البرلمان – لا أعمّم هنا – واجهة لشرعنة الثروات وتوسيع الإمبراطوريات، وكأنما السياسة لم تعد سوى ذراع من أذرع الاقتصاد الريعي، أداة لحماية المصالح وتكريس الامتيازات لا أكثر. وهنا نستعيد مع المفكر الفرنسي ميشيل فوكو سؤاله حول علاقة المعرفة بالسلطة، ففي هذا السياق، تغيب المعرفة السياسية والفكرية، وتحضر السلطة المالية بكل بريقها الزائف، وكأن المقعد النيابي لم يعد سوى أداة لإعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية والإقتصادية… بدلاً من أن يكون وسيلة للحد منها ومعالجتها. إن تحول السياسة إلى سوق للدوماليين يعني أن الديمقراطية لم تعد تعبر عن إرادة الشعب، بل أصبحت تعبر عن إرادة رأس المال، عن إرادة من يملكون القدرة على من يراكمون الثروات و يشترون الإعلام والضمائر – إن وُجدت -، وهذا هو أخطر ما يمكن أن يهدد مستقبل أي نظام ديمقراطي في العالم.
أما ديناصورات السياسة الذين يملؤون أروقة البرلمان دون انقطاع منذ أواسط القرن الماضي، والذين يتجدد ولاؤهم لأنفسهم وكأنهم جزء من تأثيث الدولة لا يمكن تغييره، فإنهم يمثلون أزمة سياسية خانقة ، أزمة تعكس جموداً تاريخياً، وعجزاً عن التجديد، وخوفاً من الدماء الجديدة والأفكار المغايرة. إنهم يحولون المؤسسة التشريعية إلى متحف سياسي يقتل كل أمل في التجديد، ويجعل من الشباب والكفاءات مجرد متفرجين على مسرحية حُسمت أدوارها منذ عقود، حيث لا مكان للوجوه الجديدة، ولا فرصة للدماء الشابة، – إلا ناذرا – ولا أفق للمشاريع المتجددة. هذه الظاهرة تذكرنا بمفهوم “الزمن السياسي المتوقف” كما وصفه بعض المنظرين، حيث الزمن الدوري للانتخابات لا يغير شيئاً في بنية النخب، بل يعيد إنتاج وتدوير نفس الأسماء والوجوه، وكأنما السياسة هي امتداد لعصور ما قبل الحداثة، حيث شرعية البقاء تأتي من مجرد الوجود، وليس من الفعل والعطاء والإنتاج، وكأن الانتخابات مجرد إجازة دورية لإعادة تثبيت نفس النخبة على كراسيها، لا أكثر ولا أقل.
غير أن المفارقة الأكثر إيلاماً وسخرية هي ظاهرة الترشيحات العائلية، التي تحول البرلمان إلى ما يشبه الامتداد السياسي للأسرة الواحدة، حيث يترشح الأب، والزوجة، والابن، والابنة، كل واحد منهم تحت مظلة حزبية مختلفة، وكأنهم يوزعون الأدوار فيما بينهم كي لا ينفضح أمرهم، ولكن الملتقى الجامع – بحول الله – يبقى هو قبة البرلمان التي يلتقون تحتها ليجسدوا مشهداً عائلياً سياسياً يجعل من الديمقراطية مجرد مسرحية هزلية، فيها ما يشبه “البيت السياسي” الذي لا يختلف عن البيت الزوجي التقليدي، حيث السلطة وراثة، والمناصب توزع داخل العائلة، والمقاعد لا تخرج عن محيط الدم والنسب. هنا تتعالى صرخة المفكر ماكس فيبر الذي حذر من تحول السياسة إلى ممارسة عفا عليها الزمن إذا لم تخضع لمعايير الجدارة والمؤسسات، فهو من رأى أن السياسة الحقيقية تحتاج إلى “روح مهنية” وإلى كفاءات منتجة، وليس إلى “ولاء عشائري” أو “امتداد نسبي” يعيد إنتاج القبلية الحديثة تحت عباءة الديمقراطية. إن هذه الممارسات تهدم أي معنى للجدارة، وتجعل من الانتخابات مجرد عملية توزيع للمكاسب داخل العائلة الواحدة، تحت ستار التعددية الحزبية، وهنا يكمن الخداع الأكبر، فليس التعدد هو المشكلة، بل استغلال التعدد لإعادة إنتاج الاحتكار العائلي نفسه.
ما يحدث في مشهد الانتخابات المغربية – لا أعمّم – يعلن بصورة قاتمة عن موت السياسة كفعل جماعي نبيل، وعن انحسار الديمقراطية إلى مجرد إجراءات شكلية وطقوس فارغة، حيث يفقد المواطن إيمانه بأن صوته يمكن أن يغيّر شيئاً، لأن آلية التغيير نفسها قد احتُكرت من طرف قلة قادرة على إعادة إنتاج نفسها بأشكال متعددة: بالموقع المالي، بالاسم، بالسن، بالميراث. إن هذا الاحتكار يغذي حالة من اليأس الوجودي لدى المواطن، الذي يجد نفسه أمام نظام سياسي مغلق، لا يتغير إلا بالكلمات، ولا يتحرك إلا بالوعود، ولا يتجدد إلا في الخطابات، بينما يظل جوهره محكوماً بمنطق العائلات والديناصورات السياسية ورجال المال، وكأنما السياسة قد تحولت إلى عقد اجتماعي زائف لا يربط بين الحاكم والمحكوم، بل يفصل بينهما بجدار سميك من المصالح والامتيازات .
وهنا يظهر السؤال النيتشوي ( نسبة إلى الفيلسوف الألماني نيتشه ) حول إرادة القوة، حيث تتجلى المفارقة فيمن يملك هذه الإرادة حقاً في سياقنا المغربي: هل هي نخب فكرية تمتلك مشروعاً مجتمعياً ورؤية استراتيجية؟ أم هي مجموعة من المصالح المتشابكة التي تجد في البرلمان سقفاً للحماية وامتداداً للسلطة وتكريساً للنفوذ؟ إن استمرار هذا الوضع يعني أن السياسة ستصبح أكثر تشوهاً، وأن الديمقراطية ستتحول إلى مجرد واجهة براقة لما يمكن وصفه بـ”اللامسياسة”، حيث لا مواجهة حقيقية للأفكار، ولا نقاش عميق حول المستقبل، ولا مجال للخلق والإبداع والتدافع السياسي، ولا فرصة للكفاءات الشابة والنخب المبدعة التي تموت شوقاً للمشاركة والتغيير.
وهكذا، يبقى السؤال الأكثر إيلاماً معلقاً في فضاء الانتخابات المغربية: هل نحن أمام ديمقراطية تتجدد وتتطور، أم أمام مسرحية يعاد فيها إنتاج نفس الوجوه ونفس الممارسات، وكأننا نعيش “عودة الأبدي نفسه” الذي تحدث عنه نيتشه، حيث لا جديد تحت قبة البرلمان، ولا أفق لتجديد النخب، ولا مجال للكفاءات الشابة والأفكار المبدعة، ولا سبيل لكسر احتكار المال والدم والاسم؟ إن هذا العبث المتصاعد لا يهدد فقط مصداقية المؤسسة التشريعية، بل يقتل في العمق أي أمل في أن تكون الانتخابات أداة للتغيير ووسيلة للخلاص الجماعي، ويحوّلها إلى مجرد إجراء شكلي يضفي الشرعية على جمود لا يتزعزع، ويجعل من المواطن مجرد متفرج على مسرحية لا يملك فيها سوى أن يصفق أو يصمت.
بصوت هادئ أقول : لا يمكن أن تنهض الحياة السياسية المغربية دون مواجهة هذه التشوهات الجذرية، دون فتح الباب للكفاءات الشابة، ودون وضع ضوابط رادعة لتدخل أصحاب المال في الانتخابات، ودون قطع دابر الترشيحات العائلية التي تحوّل البرلمان إلى سوق للمحسوبية والريعيّة، ودون إعادة الاعتبار للنخب الفكرية والأكاديمية التي تمثل الضمير النقدي للمجتمع وقوته الناعمة الحقيقية. هذه ليست مجرد دعوات إصلاحية عابرة، بل هي ضرورة أنطولوجية لإنقاذ السياسة من أن تتحول إلى مهزلة لا معنى لها، ولإعادة تأسيس العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة على أسس من الشفافية والجدارة والمشاركة الحقيقية، ولإعادة بناء الجسور المتهالكة بين النخبة والجماهير، بين المؤسسة والشارع، بين الحلم والواقع. كما يرى الفيلسوف السياسي الفرنسي المعاصر كلود لوفور، فإن الديمقراطية ليست مجرد نظام سياسي، بل هي “فضاء للظهور والبروز” حيث يجد الجميع مكانهم، وحيث لا يختفي أحد وراء ستار المال أو النسب أو العمر، وحيث يكون الصوت العام هو الذي يحدد مصير المجتمع، وليس صوت النخب المغلقة التي تريد البقاء بأي ثمن.
إن معركة الديمقراطية في المغرب هي في جوهرها يجب أن تكون معركة ضد هذا العبث المتصاعد، ضد ممارسات تحول البرلمان إلى نادٍ للديناصورات وأصحاب المال والعائلات، وضد تحويل الانتخابات إلى سوق للمزايدات، وضد تحويل المقعد النيابي إلى سلعة وميراث وامتياز. إنها معركة من أجل أن يكون المقعد النيابي تعبيراً عن إرادة المواطنين ومشروع المجتمع، لا مجرد ميراث عائلي أو صفقة مالية أو واجهة لشرعنة الهيمنة و النفوذ.







