من الربيع العربي إلى الخريف الأوروبي: حين تصبح كرامة الإنسان سؤالاً كونياً..

admin
مقالات رئيس التحرير
admin18 أكتوبر 2026آخر تحديث : منذ يوم واحد
من الربيع العربي إلى الخريف الأوروبي: حين تصبح كرامة الإنسان سؤالاً كونياً..
  • مصطفى قشنني

حين انفجر الربيع العربي قبل عقد ونصف، لم يكن مجرد احتجاج على حاكم أو نظام، بل كان زلزالاً في بنية الوعي الإنساني؛ لحظة تاريخية انكشف فيها الغطاء عن هشاشة الديكتاتوريات التي ظنّت أن صمت شعوبها قد صار طبيعة ثانية. كان الشارع العربي يهتف للحرية، للكرامة، للعدالة الاجتماعية، ضد الفساد الذي ينهش الجسد الوطني، وضد الاستبداد الذي يحوّل المواطن إلى رقم في سجل أمني. كان الربيع العربي إعلاناً عن أن الإنسان العربي قد قرّر أن يخرج من قوقعة الخوف، وأن يستعيد حريته المصادرة، وأن يقول كلمته مهما كان الثمن. لكن التاريخ، بطبعه الديالكتيكي، لا يعرف الخطوط المستقيمة؛ فمن رحم الربيع العربي وُلدت شتاءات قاسية، وامتدت رياح التغيير لتلامس أماكن لم تكن في الحسبان.

اليوم، ونحن نراقب ما يجري في أوروبا، نرى مشهداً يثير الدهشة والتأمل معاً: من إسبانيا حيث يخرج المواطنون إلى الشوارع احتجاجاً على أزمة السكن التي تجعل من حق السكن حبراً على ورق، إلى البرتغال و إيطاليا وألبانيا وفرنسا حيث يتصاعد الغضب الشعبي ضد غلاء المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، إلى بلجيكا حيث ينتفض الطلبة ضد سياسات التعليم التي تحوّل الجامعة من فضاء للتفكير إلى سوق للسلع. إنها مفارقة تاريخية عميقة: القارة التي صدّرت للعالم خطاب حقوق الإنسان، تجد نفسها اليوم أمام مواطنيها الذين يطالبون بأبسط تلك الحقوق: السكن، التعليم، العيش الكريم. أليس هذا هو الخريف الأوروبي الذي يعلن نهاية وهم الرفاهية المطلقة؟

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة : هل يمكن مقارنة الربيع العربي بالخريف الأوروبي؟ هل يمكن وضع احتجاجات تطالب بالحرية والكرامة في مواجهة احتجاجات تطالب بالتعليم والسكن والقدرة الشرائية؟ الإجابة، في نظري، تكمن في جوهر الكرامة الإنسانية ذاتها. فالكبار في الطغيان لا يختلفون عن الكبار في الجشع؛ والاستبداد السياسي ليس سوى وجه واحد من استبداد أعمق: استبداد الاقتصاد الذي يحوّل الإنسان إلى آلة إنتاج، والمواطن إلى مستهلك، والحياة إلى سوق. عندما يهتف العربي “كرامة”، فهو يهتف ضد نظام يريد إذلاله؛ وعندما يهتف الأوروبي “قدرة شرائية”، فهو يهتف ضد نظام يريد تجويعه. كلاهما يرفض أن يكون رقماً في معادلة لا يرتضيها.

إن ما يجمع بين الربيع العربي والخريف الأوروبي هو الخيانة الكبرى للعقد الاجتماعي. ففي العالم العربي، خيانة العقد الاجتماعي كانت سياسية: أنظمة وعدت بالتنمية والعدالة فقدمت الفساد والقمع. وفي أوروبا، خيانة العقد الاجتماعي كانت اقتصادية: دول وعدت بالرفاهية والخدمات العامة فقدمت التقشف والخوصصة وتراجع الدولة الاجتماعية. في الحالتين، وجد المواطن نفسه أمام حقيقة مرة: أن الدولة التي يفترض أن تحميه قد تحولت إلى أداة لسحقه، وأن الديمقراطية التي يفترض أن تمثله قد أصبحت شكلاً بلا مضمون، وأن السوق الذي يفترض أن يخدمه قد أصبح سيّداً عليه.

والأخطر في الأمر أن هذا التقاطع بين الاحتجاجات لا يعني بالضرورة التضامن. فالعالم العربي يغرق في أزماته، وأوروبا تنكفئ على جراحها. واليمين الشعبوي في أوروبا يجد في أزمات السكن والغلاء فرصة لصعود خطابه ضد المهاجرين، بدلاً من مواجهة الأسباب الحقيقية: سياسات نيوليبرالية التي أفقرت الطبقات الوسطى، وأضعفت الدولة الاجتماعية، وفتحت الباب أمام سوق غير منضبط. وهنا يكمن الخطر الأكبر: أن يتحول الخريف الأوروبي إلى شتاء قومي، بدلاً من أن يكون ربيعاً اجتماعياً جديداً.

لقد علّمنا الربيع العربي أن الأنظمة قد تسقط، لكنها قد تعود بأقنعة جديدة. وعلّمنا أن الثورة ليست حدثاً، بل عملية طويلة ومعقدة. وعلّمنا أن الحرية ليست هبة، بل ممارسة يومية. وفي أوروبا، يكتشف المواطنون اليوم أن حقوقاً ظنوا أنها مكتسبة قد تُسحب منهم في غفلة من الزمن؛ وأن الرفاهية التي بُنيت على مدى عقود قد تتبخر في أزمة اقتصادية واحدة؛ وأن الديمقراطية التي ظنوا أنها محصنة قد تتحول إلى ديمقراطية شكلية تديرها الأسواق.

إن الخريف الأوروبي، في جوهره، ليس نهاية التاريخ، بل لحظة وعي. إنه اعتراف بأن النموذج الأوروبي نفسه في أزمة؛ وأن دولة الرفاهية التي كانت فخر أوروبا قد أصبحت عبئاً على ميزانياتها، وأن الطبقة الوسطى التي كانت عمودها الفقري قد أصبحت مهددة بالزوال. والمفارقة أن أوروبا التي دعمت أنظمة استبدادية في العالم العربي لعقود، تجد اليوم مواطنيها يرفعون شعارات تشبه شعارات الربيع العربي: الحرية، العدالة، الكرامة.

لكن ما الفرق إذن؟ الفرق في السياق، لا في الجوهر. في العالم العربي، الاحتجاج كان ضد استبداد واضح، مكشوف، له وجه واسم. في أوروبا، الاحتجاج ضد استبداد ناعم، مبطن، يلبس ثوب الديمقراطية والليبرالية. في الحالتين، الإنسان يقف أمام سؤال واحد: كيف يعيش بكرامة في نظام لا يعترف بكرامته؟

إن ما نحتاجه اليوم هو وعي جديد بأن النضال من أجل الكرامة نضال كوني، لا يعترف بالحدود الجغرافية ولا بالتصنيفات الإيديولوجية. فالذي يهتف في تونس أو القاهرة أو الجزائر ضد الفساد والاستبداد، هو نفسه الذي يهتف في مدريد أو لشبونة أو روما ضد الغلاء والتهميش. وربما يكون الدرس الأكبر من الربيع العربي والخريف الأوروبي معاً هو أن الشعوب، في كل مكان، تبحث عن الشيء نفسه: نظام يحترمها، واقتصاد لا يبتزها، ودولة تحميها بدلاً من أن تسحقها.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.