وداعاً أيها المنادي الوحيد.. حين يكون الصوت العربي صدىً لصمته..

admin
2026-03-27T23:06:58+01:00
مقالات رئيس التحرير
admin27 مارس 2026آخر تحديث : منذ شهرين
وداعاً أيها المنادي الوحيد.. حين يكون الصوت العربي صدىً لصمته..
  • مصطفى قشنني

كان يمدّ يده، يشدّ على أيادينا، ويُنادي. ظلّ هكذا، عقوداً، يظنّ أن في الأيدي قوّة، وفي النداء حياة. أما نحن، فكنا نسمع الصوت، ثم نُمرّره عبر ضجيجنا اليومي، كأنه نشرة طقس عابرة، أو بكاء طفل في شارع مزدحم. لم نكن صُمّاً، كلا، لكننا كنا مشغولين بتفاصيلنا الصغيرة، بانشغالاتنا الكاذبة، بحروبنا الصغيرة التي تسمّى سياسة، بوجعنا الذي اعتدنا عليه حتى صار جزءاً من هوائنا. أحمد قعبور، ذلك الفنان الذي حوّل الغناء سؤالاً وجودياً، لم يكن مجرد مطرب يلهو بالمقامات، بل كان نبياً صغيراً لحالة عربية مفقودة: حالة الانتباه.

في أغنيته الأشهر، “اناديكم واشد على أياديكم”، لم يكن يقدم وصية موسيقية عابرة، كان يكتب وصيته الروحية. كان يقول لنا: ها أنا ذا، صوتي ليس للطرب فقط، بل للتذكير بأننا كنا ذات يوم أمة تسمع. لكننا، ومنذ نصف قرن، نعيش في زمن السمع المقلوب: نسمع من يصرخ، ولا نسمع من ينادي؛ نسمع من يهدد، ولا نسمع من يبسط يده. قعبور كان العكس تماماً: كان صوته قوياً لأنه واهب، لا لأنه قاهر. كان فنه جميلاً لأنه كان يشبه حضارة كنا نحلم بها، لا واقعاً نعيش فيه.

لن ننصفه إن قلنا إنه كان مجرد فنان راحل. أحمد قعبور كان مرآة لانكسارنا الثقافي. في زمن تحوّل فيه الفن إلى بضاعة، والإبداع إلى إثارة، ظل هو مخلصاً لفكرة أن الغناء رسالة، وأن الجمال ليس ترفاً، بل هو شكل من أشكال المقاومة الأخلاقية. كان من أولئك القلائل الذين لم يرضخوا لمنطق السوق، فدفع الثمن: ظل هامشياً في إعلام لا يحب إلا الأصوات الصاخبة، وظل بعيداً عن قلوب جيل لم يتعلم كيف يحب إلا عبر الشاشات. رحل صامتاً تقريباً، وكأن صمته الأخير هو امتداد طبيعي لصمتنا الطويل إزاءه.

أما المفارقة الأكبر، فهي أننا نكتشف اليوم، بعد رحيله، أننا فقدنا شيئاً لم نكن نعرف أننا نملكه. فقدنا نموذجاً للفنان الذي لا يبتز عواطفنا، بل يحررها. الذي لا يلهث وراء المجد، بل يزرع جمالاً لا يُحصى. في ثقافتنا العربية المعاصرة، أصبحنا نميل إلى تقدير الموتى أكثر من تقدير الأحياء، لأن الموتى لا يزعجوننا بأسئلتهم، ولا يذكروننا بتقصيرنا. قعبور في حياته كان يذكرنا بأننا مقصرون في حق أنفسنا أولاً، حين حوّلنا الفن إلى مهنة، والحياة إلى صراع، والجمال إلى كماليات.

بصوته، كان يعيد تشكيل الزمن. كانت أغانيه ليست مجرد ألحان، بل تأملات في الوجود، في العابر، في الحب الذي لا يموت. لكن مجتمعاتنا، التي أصبحت تستهلك الفن كوجبة سريعة، لم تعد تملك صبراً على هذا النوع من الجمال البطيء، الجمال الذي يحتاج إلى تأمل، إلى قلب هادئ، إلى روح غير مشغولة بالحطام. قعبور كان أشبه بزيتونة معمرة في أرض قاحلة: يعطي ثمراً زيتونياً زكياً، لكن القاحلين لا يعرفون قيمة الزيتون إلا حين يجف العود.

وبينما كان ينادي دون أن يُسمع، كان عالمنا العربي يصمّ آذانه طواعية. صممنا عن صوته لأننا صممنا عن كل صوت لا يخاطب غرائزنا، لا يغذّي أحقادنا، لا يؤجج نعراتنا. صوته كان نداء للوحدة، نداء للتصالح مع الذات قبل الآخر. لكننا في عصر التفكك، لا نريد وحدات، نريد فرقاً وحروباً وصراعات صغيرة نعيش فيها لحظة الانتصار الوهمي. قعبور كان يقول لنا: “تعالوا نتحد”، وكنا نردّ: “لكن أيّ اتحاد؟” كنا نظن أن الاتحاد أن نتفق على عدو واحد، لا أن نتفق على حلم واحد.

الفن عند قعبور كان أخلاقاً قبل أن يكون جمالاً. كان انضباطاً روحياً، وليس مجرد موهبة. كان إصراراً على أن الجمال ليس تزييناً للحياة، بل هو الحياة نفسها عندما تُعاش بوعي. لكن الوعي، في زمننا العربي، أصبح كمالية إضافية، مثل لوحة فنية في بيت مترف: موجود لكنه لا يُستخدم. قعبور كان يريد أن يجعل من الغناء وعياً جماعياً، لكن الجماعة كانت مشغولة بوعي آخر: وعي الفرقة، وعي الانقسام، وعي الصراع.

ورحل أخيراً، بعد أن أخذ معه سرّه. سرّ النداء الذي لا يكل، رغم أن لا أحد يجيب. سرّ العطاء دون مقابل، رغم أن السائد في ثقافتنا هو “أعطِ لأجل أن تأخذ”. سرّ الجمال الذي لا يريد شهرة، بل يريد فقط أن يكون. في زمن صار فيه الفنان “نجماً” بحجم تغطيته الإعلامية، ظل قعبور بحجم صوته فقط. وصوته، كما ندرك الآن، كان أكبر من كل الشاشات، وأعلى من كل الضجيج، وأعمق من كل الانشغالات.

إنه رحيل لا يخص عائلته أو محبيه فقط، بل هو رحيل نمط كامل من الإبداع: نمط الإخلاص، نمط الصدق، نمط أن يظل الفنان مخلصاً لصوته الداخلي حتى لو صمّت عنه الدنيا بأسرها. في عصر تتسارع فيه الإشادات على وسائل التواصل، ويُختزل فيه الفنانون في “ترندات” عابرة، كان قعبور خارج هذا كله. كان يعلم أن الجمال الحقيقي لا يمكن أن يكون ترنداً، لأنه لا يمكن أن يكون عابراً.

لكن السؤال الأليم: لماذا لا نعرف قيمة هؤلاء إلا بعد أن يغيبوا؟ لماذا تكون جنازاتهم أكبر من حياتهم؟ لماذا نصنع لهم التماثيل بعد أن نكون قد تركناهم وحدهم في زمن كانوا فيه بحاجة إلى أن يسمعوا منا كلمة: “نحن معك”؟ هل لأن موتهم يريحنا من مسؤولية الرد على ندائهم؟ لأنهم بعد الرحيل يصبحون أسطوريين، لا مزعجين؟ قعبور كان مزعجاً بحبه، مزعجاً بجماله، مزعجاً بصدقه. وفي ثقافة لا تحب الصدق إلا ميتاً، كان مصيره أن يُسمع بعد أن يصمت.

سيبقى صوته، رغم كل شيء. سيبقى ذلك النشيج الجميل، تلك المقامات الفخمة التي كانت تهدهد جراحنا دون أن تدّعي شفاءها. سيبقى في ذاكرة من عرفوه، وفي تسجيلات تبحث اليوم عن آذان تصغي. لكن السؤال الأعمق: هل سيتعلم الأحياء من درس قعبور؟ هل سندرك أن النداء يحتاج إلى مجيب، وأن اليد الممدودة تحتاج إلى يد أخرى تمسكها؟ أم أننا سنظل ننتظر من يرث صوته، لنفعل به ما فعلنا بأسلافنا: ننساهم في حياتهم، ونقدسهم بعد رحيلهم؟

أحمد قعبور لم يمت. لأن من يمنح الحياة بهذا الكم من الجمال لا يمكن أن يموت. لكن الذي مات فينا، ونحن نودعه اليوم، هو جزء من قدرتنا على الإصغاء. رحل، ومعه رحل باب من أبواب الجمال الحقيقي في ثقافتنا. ثقافة كانت يوماً تعرف كيف تسمع، كيف تردّ على النداء، كيف تمسك بالأيدي الممدودة. أما اليوم، فكل ما تبقى لنا هو أن نكتب له رثاءً بليغاً، وأن نندب حظنا، وأن نستمر في تجاهل الأحياء الذين ينادوننا، حتى نضطر إلى رثائهم هم أيضاً، في دائرة لا تنتهي من الحزن المتأخر.

وداعاً أيها المنادي الذي لم نستمع إليه. وداعاً أيها الصوت الذي ظل صادقاً في زمن الخيانة. لن نعدك بأننا تغيرنا، لأننا نعرف أننا سنظل كما نحن: نسمع ولا نعي، نرى ولا نبصر، نبكي على الموتى ولا نحمي الأحياء. لكنك، على الأقل، ترحل وأنت تعلم أنك أديت الرسالة. أنك مددت يدك، أنك ناديت. أما نحن، فسيبقى سؤالنا معلقاً: متى نتعلم أن نرد على النداء قبل أن يصمت المنادي إلى الأبد؟

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.