خولة… حين تُشرمَل طفلة في وجدة..مدينة تدفع فاتورة استجابة أمنٍية أدنى من حجم الأخطار..

admin
2026-09-18T21:03:56+02:00
قضايا وحوادث
admin18 سبتمبر 2026آخر تحديث : منذ 11 ساعة
خولة… حين تُشرمَل طفلة في وجدة..مدينة تدفع فاتورة استجابة أمنٍية أدنى من حجم الأخطار..
  • رسبريس

لم تكن خولة، ذات الأربعة عشر ربيعًا، تفكر في أكثر من أدوات  مدرسية  ودراجة تروتينيت وهاتف صغير يربطها بعالمها. خرجت بعد المغرب من مكتبة قريبة من بيتها في حي النصر بوجدة، فإذا بفتاتين في عمرها تنقضّان عليها، لا لتسألا ولا لتهددا فقط، بل لتسرقا وتشوّها. قاومت خولة، كما تفعل طفلة تتمسك بحقها في العودة إلى بيتها سالمة، فكان ردّ الاعتراض شفرة حادة تسببت في أخاديد غائرة  على مستوى الوجه واليد والرجل. جريمة بشعة اهتزّ لها حي النصر بوجدة، لكن الأبشع أنها لم تسقط من سماء غريبة، بل نبتت في تربة يعرفها الجميع: مدينة تتراكم فيها السرقات واعتراض السبيل والعنف، بينما تظل الاستجابة الأمنية والاجتماعية أدنى من حجم الخطر.

ما وقع لخولة ليس حادثًا معزولًا، بل عيّنة صارخة من خلل بنيوي في إدارة المدينة. فحي النصر، القريب من المقاطعة الأمنية 11، لم يعد فضاءً آمنًا للعابرين، خصوصًا الفتيات والأطفال. والمفارقة أن الجريمة وقعت قرب مؤسسة أمنية، ما يعني أن العطب ليس في غياب المصالح فقط، بل في شبه غياب الانتشار والردع. وحين تتحول فتاتان قاصرتان إلى جلادتين، فهذا لا يعني أن العنف صار أنثويًا، بل يعني أن المجتمع يفرّخ جيلًا فقد الحد الأدنى من التربية والرحمة والرهبة من القانون. إنه فشل أسري ومدرسي واقتصادي، لكنه قبل ذلك فشل في الحكامة المحلية التي تترك الأحياء الشعبية تُدار بالغريزة لا بالمؤسسات.

لقد نبّهنا مرارًا إلى خطورة وضع وجدة، وكأننا نكتب في آبار مغلقة. كل حادثة تُعلَّق على جدار النسيان، وكل ضحية تتحول إلى رقم عابر، وكل تحذير يُقابل ببيانات إدانة باردة. لكن خولة ليست رقمًا. هي طفلة ستبقى آثار الشفرة على وجهها إلى الأبد، وستظل تتذكر أن المدينة التي يُفترض أن تحميها عجزت حتى عن تأمين عودتها من مكتبة. والأخطر أن إحدى المعتديتين ما زالت في حالة فرار، وكأن القانون يمكن أن يُختزل في مطاردة متأخرة، لا في منع الجريمة قبل وقوعها.

المطلوب اليوم ليس تعاطفًا عابرًا، بل مساءلة شاملة. يجب توقيف الفتاة الفارة ومحاسبتها وفق قانون الأحداث، مع مراعاة سنّها، لكن دون تبرير الجريمة. ويجب أن تحصل خولة على دعم نفسي وطبي وجبر ضرر، وأن تُرافق أسرتها الفقيرة  في مسار قانوني عادل. كما يجب إعادة انتشار أمني حقيقي في أحياء وجدة، لا كحلول موسمية، بل كسياسة وقائية دائمة. لكن الأمن وحده لا يكفي؛ فالمدينة تحتاج برامج اجتماعية للأطفال المهمشين، ومدارس تستعيد دورها التربوي، وأسرًا تستعيد سلطتها الأخلاقية والقيمية.

خولة لم تُجرح فقط في وجهها ويدها ورجلها؛ لقد جُرح حق الطفل في المدينة، وحق الفتاة في الطريق، وحق المواطن في الأمن. وكل يوم يمر دون إصلاح يجعل وجدة أكثر هشاشة. إن جريمة حي النصر ليست وصمة على ضحيتها، بل على كل من يتفرج. والصمت عن خولة، مثل الشفرة، يترك أثرًا لا يُنسى.

2 - رسبريس - Respress
3 - رسبريس - Respress
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.