أسفرت عملية سريعة وناجحة مؤخراً عن توقيف موظف بالمحكمة التجارية بوجدة متلبساً بابتزاز مواطن مقابل 3000 درهم لتسهيل خدمة الحصول على السجل التجاري. جاءت هذه النتيجة بعد تبليغ فوري من المواطن عبر الآلية المخصصة، وتنسيق عاجل بين النيابة العامة والأمن، مما يسلط الضوء على نجاعة “الخط المباشر” كأداة عملية لمحاربة الرشوة. هذه الحادثة ليست معزولة، بل تندرج ضمن مسار تحول نوعي في آليات التبليغ عن الفساد الإداري في المغرب. فبعد سنوات من محدودية تأثير “الرقم الأخضر” السابق، يشكل إطلاق “الخط المباشر” تحت إشراف النيابة العامة نقلة حقيقية، حيث تتكشف الأرقام عن دينامية إيجابية. فقد تلقى هذا الخط حتى نهاية العام الماضي الآلاف من المكالمات، أفضت إلى العشرات من إجراءات الضبط والتوقيف، وهو ما يعزز تدريجياً ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.
ومع ذلك، تظل هذه الآلية، رغم نجاعتها الواضحة في حالات مثل حادثة وجدة، جزءاً من معركة أوسع وأعمق. فالفجوة الكبيرة بين عدد البلاغات الهائل وحالات التوقيف الفعلية تطرح تساؤلات جوهرية. تشير التحليلات السوسيولوجية إلى أن الرشوة، خاصة الصغيرة منها، قد تكون متجذرة في ثقافة ومعاملات يومية كـ”القهوة أو الحلاوة”، مما يمنحها شرعية ضمنية في نظر بعض المواطنين أنفسهم. وهنا تكمن المفارقة؛ فنجاح أي آلية رقابية مرهون ليس فقط بسرعة استجابة الأجهزة الأمنية والقضائية، كما حدث في وجدة، بل أيضاً بتغيير المقولات الاجتماعية التي تتسامح مع هذه الممارسة. باختصار، قصة التوقيف في وجدة هي نموذج مشرق على إمكانية بناء الثقة عبر آليات جادة، لكنها تذكرنا في الوقت ذاته بأن المعركة ضد الفساد هي معركة مؤسساتية وقانونية من ناحية، وثقافية وتربوية من ناحية أخرى. الطريق لا يزال طويلاً، وتمر محطاته الأساسية عبر ترسيخ مبدأ أن خدمة المواطن حق وليست منّة، وأن النزاهة هي القاعدة وليس الاستثناء.









