الموظف الذكي والبنك الغبي.. قصة 160 مليون تبخرت من حساب الزبناء ببركان

admin
قضايا وحوادث
admin28 مايو 2026آخر تحديث : منذ أسبوع واحد
الموظف الذكي والبنك الغبي.. قصة 160 مليون تبخرت من حساب الزبناء ببركان

في مدينة بركان التي لا تشتهر عادة بالأحداث المالية المدوية، سطّر موظف بنك “جهنمي” ملحمة احتيال لا يُعرف فيها إن كان سيُمنح جائزة أفضل ممثل في فيلم سرقة، أم سيُدرج اسمه في موسوعة أغبى المؤسسات المالية التي تركت ثغرة بحجم نفق في جدارها الرقمي. القصة باختصار: موظف يعمل في وكالة بنكية، استغل منصبه وصلاحياته ليس لخدمة الزبناء، بل لتحويل حساباتهم إلى حساب شخصي ، حيث اختفى بعد أن استولى على 1.6 مليون درهم، تاركاً وراءه زبناء مصدومين وإدارة بنكية تتساءل: كيف حدث هذا ونحن ننفق الملايين على أنظمة الأمان؟

الخطة التي اعتمدها هذا العبقري الشرير تبدو وكأنها مأخوذة من فيلم سرقة ذكي، لكنها ببساطة شديدة استغلت أغبى نقطة ضعف في أنظمة البنوك المغربية: التحقق المزدوج عبر رقم الهاتف. ما الذي فعله بالضبط؟ غيّر أرقام هواتف الزبناء في النظام البنكي، ثم طلب رموز الأمان، فتصل إليه الرموز على هاتفه الخاص، وهو يقوم بتحويل أموالهم إلى حسابات وسيطة يتحكم فيها، دون أن تشعر أي إدارة أو أي نظام بأي شيء. هل هناك أسهل من هذا؟ إنه مثل أن يعطيك حارس البنك المفاتيح ثم يطلب منك أن تحتفظ بها من أجله. المؤسف أن هذا الموظف لم يحتج إلى برامج قرصنة معقدة، ولا إلى عصابات دولية، فقط احتاج إلى صلاحياته التي أعطته إياها إدارة البنك بحسن نية، أو بسذاجة قاتلة.

الأطرف من ذلك أن هذا الموظف الذكي خطّط لرحيله بدقة متناهية: استغل عطلته السنوية، سحب المبلغ أو حوله، وغادر البلاد إلى إحدى الدول الأوروبية في رحلة بلا عودة، وكأنه ذاهب في إجازة طويلة الأمد على حساب الزبناء. وعندما تخلف عن العودة بعد انتهاء العطلة، بدأت الإدارة تتساءل: هل تأخر بسبب الزحام في المطار؟ أم أنه اختفى؟ طبعاً اختفى، ولكن بعد أن ترك فاتورة ثقيلة من الشكايات من الزبناء الذين اكتشفوا أن أرصدتهم تبخرت كالسراب.

هذه الحادثة، التي وصفتها التحقيقات الأولية بأنها استغلال للبيانات الشخصية للمشتركين في التطبيقات البنكية، أعادت إلى الواجهة سؤالاً محرجاً: لماذا لا تزال أنظمة البنوك المغربية بهذه الدرجة من الهشاشة؟ كيف يمكن لموظف واحد، يعمل في وكالة عادية، أن يغير أرقام هواتف الزبناء دون أن يمر على أي إجراء أمني مشدد؟ وكيف لم ترصد أي لجنة رقابية هذه التحويلات المشبوهة إلا بعد أن تفاقمت الأمور ووصلت الشكايات؟ هل كانت إدارة البنك نائمة؟ أم أن الثغرات مرسومة مسبقاً بخطوط عريضة لمن يريد استغلالها؟

اللجنة التي حلت من الدار البيضاء لإجراء تدقيق شامل، جاءت متأخرة كالمعتاد. طابور طويل من الزبناء الضحايا ينتظرون رداً، وأموالهم إما ضاعت أو جمدت، والموظف الفار يعيش الآن في أوروبا ، بينما تتساءل المؤسسات المالية: كيف نثق في الأنظمة الرقمية بعد اليوم؟ الحقيقة أن الثقة ليست في الأنظمة فقط، بل في من يديرها، وفي مدى استعداد البنوك لحماية أموال الزبناء من موظفيها قبل حمايتها من اللصوص العاديين. لأن اللص البسيط يحتاج إلى سلاح وكمامة، أما موظف البنك فيحتاج فقط إلى كلمة سر وبطاقة مهنية وقليل من الذكاء. وهذا الأخير للأسف كان متوفراً لدى هذا الموظف أكثر مما هو متوفر لدى إدارته التي تكتشف الثغرات بعد اختفاء الأموال وأصحابها.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.