تشريح عزوف 21 مليون مغربي عن التصويت هل هو فقدان للمعنى أم عدم اكتراث بالسياسة التي يتسيّدها الأوغاد..

admin
2026-09-26T23:57:00+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin26 سبتمبر 2026آخر تحديث : منذ 22 ساعة
تشريح عزوف 21 مليون مغربي عن التصويت هل هو فقدان للمعنى أم عدم اكتراث بالسياسة التي يتسيّدها الأوغاد..
  • مصطفى قشنني
  • في اللحظة التي يتحول فيها الفعل الانتخابي من واجب مواطناتي إلى عبء وجودي، ومن حق ديمقراطي إلى طقس بلا روح، تبدأ المجتمعات في فقدان بوصلتها. ليس الأمر مجرد رقم عابر، بل هو جرح نازف في جسد الديمقراطية على الطريقة المغربية: واحد وعشرون مليون مواطن مؤهل للتصويت يختارون الصمت المطبق. هذا الصمت ليس فراغاً، بل هو ضجيج مدوٍّ يعبر عن أزمة عميقة في العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الفرد والمجتمع، وبين الإنسان والمستقبل. إنه ليس عزوفاً عن التصويت فحسب، بل هو إعلان عن فقدان الثقة في جدوى المشاركة، وربما فقدان المعنى في اللعبة السياسية برمتها.

يمكننا أن نقرأ هذا العزوف كظاهرة سوسيولوجية مركبة، تتشابك فيها خيوط الاقتصاد والسياسة والنفس الجماعية. فالمواطن الذي يقاطع الانتخابات لا يفعل ذلك بالضرورة بدافع اللامبالاة، بل لأنه وصل إلى قناعة مفادها أن صوته لن يغير شيئاً، وأن المعادلة محسومة سلفاً، وأن الطبقة السياسية تدور في حلقة مفرغة من المصالح الضيقة. إنه نوع من “الانتحار المدني” الجماعي، حيث ينسحب الفرد من الفضاء العام ليس لأنه لا يريد التغيير، بل لأنه لم يعد يرى في الآلية الانتخابية جسراً نحو التغيير.

هذا العزوف يذكرنا بمقولة الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي عن “الأغلبية الصامتة”، التي ليست صامتة لأنها راضية، بل لأنها فقدت القدرة على التعبير. فالصمت هنا ليس موقفاً سلبياً، بل هو شكل من أشكال الاحتجاج الصامت، وربما الأخطر، لأنه لا يجد طريقه إلى الشارع أو إلى صندوق الاقتراع، بل يتحول إلى حالة من الاغتراب السياسي. إنها “سياسة اللامبالاة” التي تصبح فيها الديمقراطية مجرد ديكور، والمشاركة مجرد طقس شكلي ليس إلا.

لكن السؤال الجوهري: لماذا يحدث هذا في المغرب بالذات؟ هل هو نتيجة لتراكمات تاريخية؟ أم لخلل في المناخ العام المصاحب للسياسة؟ الحقيقة أن الظاهرة متجذرة منذ عدة مستويات. على المستوى الاقتصادي، يعيش المواطن ضغوطاً يومية تطحن أحلامه، فيصبح التصويت ترفاً فكرياً لا أولوية. على المستوى السياسي، يشعر المواطن أن الأحزاب تحولت إلى آلات انتخابية، لا إلى مؤسسات تربوية وتأطيرية. وعلى المستوى النفسي، يسود إحساس بالعجز، حيث يرى الفرد أن صوته بمثابة حبة رمل في صحراء، لا وزن لها ولا أثر.

إن هذا العزوف يشبه إلى حد كبير ما وصفه المفكر الفرنسي أليكسيس دو توكفيل حين تحدث عن “استبداد الأغلبية”، لكن هنا الأمر مختلف: إنه استبداد الفراغ، حيث لا أغلبية حاكمة ولا أغلبية صامتة، بل فراغ سياسي يملأه من يملك المال والنفوذ. الديمقراطية بلا مشاركة تشبه جسداً بلا روح، وهيكلاً بلا أساس. وحين يغيب 21 مليوناً عن التصويت، فإننا لا نتحدث عن نسبة مقاطعة، بل عن أزمة شرعية عميقة.

قد يقول قائل: إن المقاطعة حق ديمقراطي أيضاً، وهذا صحيح. لكن الفارق بين المقاطعة الواعية والمقاطعة القهرية هو الفارق بين من يرفض المشاركة لأنه لا يريد، ومن يرفضها لأنه لا يستطيع أو لا يجد معنى فيها. الأولى موقف سياسي، والثانية حالة اغتراب. وفي المغرب، يبدو أن الغالبية العظمى من العازفين ينتمون إلى النوع الثاني، حيث لا يجدون في العملية الانتخابية أي أفق للتغيير.

إن هذا الوضع يذكرنا بمفهوم “الاغتراب” عند ماركس وهيغل، حيث يصبح الإنسان غريباً عن ذاته وعن مجتمعه. والمواطن المغربي الذي يعزف عن التصويت هو إنسان مغترب عن الفضاء العام، لأنه لا يرى فيه انعكاساً لوجوده أو لصوته أو لأحلامه. لقد تحولت السياسة من مجال للصراع الديمقراطي إلى مجال للمناورة والاستعراض و”الفهلوة” و”البلطجة” ، ومن فضاء للتغيير إلى فضاء للاستمرارية.

لكن الخطورة لا تكمن في العدد فحسب، بل في الدلالة. 21 مليوناً ليسوا مجرد رقم إحصائي، بل هو مؤشر على أن المجتمع المغربي يعيش حالة من “الانسحاب المدني” من الحياة العامة. وهذا الانسحاب ليس ظاهرة عابرة، بل هو نتيجة لتراكمات تاريخية واجتماعية ونفسية كما قلت. إنه أشبه ما يكون بـ”الموت الصامت” للضمير الجماعي، حيث يفضل الفرد أن ينكفئ على ذاته بدلاً من أن يشارك في صناعة مستقبله.

وفي هذا السياق، يمكننا أن نستحضر مفاهيم علم النفس السياسي، حيث يشير علماء النفس إلى أن العزوف عن المشاركة ينتج عن شعور بالعجز المكتسب، وهو حالة نفسية يشعر فيها الفرد بأن جهوده لا جدوى منها، فيتوقف عن المحاولة. وهذا ما يفسر لماذا لا يشارك المواطن المغربي في الانتخابات رغم أهميتها الظاهرية. إنه ليس عدم اهتمام، بل عدم جدوى.

والحل لا يكمن في إجبار الناس على التصويت، بل في إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وفي خلق مناخ سياسي يحترم فيه الصوت الفردي، ويشعر فيه المواطن أن مشاركته ليست عبثاً. إن الديمقراطية ليست مجرد صناديق وأوراق ورموز، بل هي ثقافة وممارسة وسلوك يومي. وحين تغيب هذه الثقافة، تصبح الانتخابات مجرد مسرحية باهتة، والمشاركة فيها مجرد واجب شكلي.

إن ما يحدث في المغرب ليس حالة معزولة، بل هو جزء من أزمة عالمية تعيشها الديمقراطيات الحديثة، حيث تتراجع نسب المشاركة، ويتزايد الشعور بالاغتراب السياسي. لكن الفارق أن المغرب يعيش هذه الأزمة في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية أكبر، مما يضاعف من حدتها. وهنا تكمن الخطورة: أن يتحول العزوف من ظاهرة إلى ثقافة، ومن ثقافة إلى قدر، ومن قدر إلى مستقبل مسدود.

إن استعادة المعنى في السياسة لا يتطلب خطابات عنترية أوشعارات فجّة ، بل يتطلب فعلاً: إصلاحاً حقيقياً في المنظومة الحزبية، وشفافية في العملية الانتخابية، وربطاً بين السياسات العمومية وحياة المواطن اليومية. لكن الأهم هو إعادة الاعتبار للمواطن كفاعل، لا كمشاهد. إن الديمقراطية بلا مشاركة هي كائن ميت، والمشاركة بلا معنى هي كذبة كبيرة.

وهكذا، يبقى السؤال معلقاً: هل يمكن أن نعيد الحياة إلى صناديق الاقتراع؟ أم أن الصمت سيبقى سيد الموقف؟ الجواب ليس في الأرقام، بل في الإرادة. إرادة التغيير، وإرادة الاعتراف بالخلل، وإرادة بناء مستقبل لا يكون فيه المواطن مجرد رقم في قائمة، بل صوتاً في وطن.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.