جهة الشرق ليست ارض اليأس ووجدة مدينة النور والكرامة..

admin
2025-09-29T00:59:40+02:00
كتاب واراء
admin29 سبتمبر 2025آخر تحديث : منذ 5 أشهر
جهة الشرق ليست ارض اليأس ووجدة مدينة النور والكرامة..

ردّ على مقال الأستاذ رشيد بوفوسالذي وصف جهة الشرق بارض اليأس..

  • الأستاذة سليمة فراجي

‎يعبّر مقال الأستاذ رشيد بوفوس عن ألمٍ صادق وانتظارٍ مشروع، هو انتظارُ جهةٍ حدوديّةٍ تتطلّعُ إلى الاعتراف بقدراتها واستحقاقها لنصيبٍ أوفر من دينامية التنمية الوطنية. غير أنّ التحليل، وإن كان يعكسُ وعياً بواقعٍ معقّد، كان سيغدو أكثرَ إنصافاً لو استحضر أيضًا التحوّلات العميقة التي شهدتها الجهة الشرقية منذ الخطاب الملكي التاريخي ليوم 18 مارس 2003، ذلك الخطاب الذي شكّل نقطة تحوّل حاسمة في مصيرها.

‎فمن الإنصاف أن نذكّر أنّ مدينة وجدة، قبل سنة 2003، لم تكن تتوفّر لا على طريق سيّار، ولا على مدارس عليا، ولا على كلّية للطبّ، ولا على مركز استشفائي جامعي، ولا على مركز جهويّ لعلاج السرطان، ولا على بنيةٍ اقتصاديةٍ مهيكلة. كانت المدينة تعتمد أساساً على الاقتصاد الحدودي، كما هو حال العديد من المدن الواقعة على الثغور، غير أنّ إغلاق الحدود مع الجزائر، وهو قرارٌ سياديّ لا يد للمواطنين فيه، حرم الجهة من رئةٍ اقتصاديةٍ كانت تضمن لها حركيةً تجاريةً واجتماعيةً متواصلة.

‎إزاء هذا الواقع الجديد، بادرت الدولة، بتوجيهٍ ملكيٍّ سامٍ، إلى اعتماد مقاربة تنموية شاملة همّت مختلف القطاعات، فكانت الانطلاقة من خلال إحداث وكالة تنمية الجهة الشرقية التي وضعت لبنات برامجٍ كبرى لفكّ العزلة وتثمين الموارد البشرية والطبيعية، ثمّ إنجاز الطريق السيّار فاس – وجدة ثم وحدة الرباط  الذي أنهى عزلةً عمرت طويلاً، وتلاه إنجاز الطريق نحو الناظور لتقوية الترابط بين مكوّنات الجهة.

‎كما تمّ إحداث المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس، وكلية الطب والصيدلة، والمدرسة العليا للتكنولوجيا، ومركز علاج الأورام، ومدينة المهن والكفاءات، وهي مشاريع غيّرت وجه المدينة ومحيطها، ورفعت من جاذبيتها الأكاديمية والطبية والاقتصادية.

‎إلى جانب ذلك، أطلقت مشاريع استراتيجية كبرى مثل مشروع مرشيكا، وميناء الناظور غرب المتوسط، والقطب السياحي بالسعيدية، والمناطق الصناعية واللوجستيكية، فضلاً عن تثمين القطاع الفلاحي في سهل بركان الذي أصبح من أهمّ أحواض الإنتاج الوطني والتصدير نحو الخارج.

‎ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنّ بعض التحدّيات ما زالت قائمة، وفي مقدّمتها معدّلات البطالة وضعف الاستثمار الخاص في بعض الأقاليم، خصوصاً تلك التي عرفت تحوّلات مؤلمة كتجربة جرادة بعد إغلاق المناجم. غير أنّ اختزال الجهة الشرقية في وصفٍ قاتم كـ«أرض اليأس» لا يُنصف مسارها، ويُغفل بذور الأمل والمقاومة المدنية التي زرعتها الدولة وساهم فيها أبناؤها بكلّ تفانٍ.

‎فوجدة اليوم ليست هي مدينة الأمس. فقد غدت حاضرةً جامعيةً، ومركزاً استشفائياً متقدّماً، وفضاءً ثقافياً حيوياً يحتضن المؤتمرات والمهرجانات ( وجدة عاصمة الثقافة سنة 2018)والمنتديات العلمية والفنية، واستعادت تدريجياً دورها التاريخي كـجسرٍ حضاريٍّ بين المغرب والمغرب الكبير وأوروبا.

‎وإذا كانت الجهة الشرقية قد تعثّرت في محطّاتٍ سابقة، فإنّ السبب لا يعود إلى غياب الإرادة السياسية أو ضعف العناية الملكية، بل إلى سوء التدبير المحلي وفساد بعض المسؤولين الذين تعاقبوا على المدينة و الذين استنزفوا الزمن التنموي في الحسابات الضيّقة والاغتناء الفاحش بدل أن ينخرطوا في تنزيل الرؤية الملكية الشمولية.

‎لذلك، فإنّ المرحلة المقبلة تقتضي تجديد النخب، وإرساء حكامة ترابية ناجعة، وتثمين ما تحقق بدل تبخيسه وإنعاش القطب الصناعي بالانتصار لتحفيزات ضريبية من اجل جلب المستثمرين ، لأنّ التهويل واليأس لا يصنعان بديلاً، بل يكرّسان الإحباط.

‎إنّ الجهة الشرقية، بتاريخها العريق، وعمقها الروحي والثقافي، وكفاءاتها في الداخل والخارج، قادرةٌ على أن تتحوّل إلى قطبٍ تنمويٍّ واعد، شريطة أن نتجاوز الخطابات السوداوية وأن نُحسن الاستثمار في الإنسان والمجال.

‎فالرهان اليوم ليس في تكرار مقولات التهميش، بل في تحويلها إلى قوّة اقتراحٍ وفعلٍ، تعيد للجهة مكانتها ضمن الأوراش الوطنية الكبرى، وتُثبت أنّ وجدة كانت وستظلّ أرض الأمل والوفاء، لا أرض اليأس والانكسار.

‎فهي مدينة تتنفس من رئة التاريخ، وتنهض بإرادة أهلها، وتؤمن أن الجمال يولد من رحم المعاناة، وأن النور لا يسطع إلا من قلب العتمة

وجدة لم تكن يومًا أرضًا لليأس كما يصفها  البعض، بل كانت دائمًا أرضًا للصبر والكرامة. مدينة تعاقبت عليها الأزمنة، فحملت في ملامحها آثار المجد والتصوف، وبصمات العلماء والتجار والمجاهدين

‎وجدة، وإن أُغلقت حدودها، لم تُغلق أبواب الأمل فيها

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.