حاصر حصارك لا مفرّ..

admin
2026-04-15T00:22:33+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin15 أبريل 2026آخر تحديث : منذ شهرين
حاصر حصارك لا مفرّ..
  • مصطفى قشنني

“حاصر حصارك لا مفر”.. هكذا قال محمود درويش، ذلك الشاعر الكبير الذي فهم أن الحصار ليس مجرد طوق من حديد أو أسطول يغلق الممرات، بل هو حالة وجودية تبدأ من داخل النفس قبل أن ترتسم على خرائط الجغرافيا السياسية. لكن لنكن صريحين: ليس هناك مؤامرة خفية تدير هذه اللعبة. لا تبحث عن عقل مدبر يجلس خلف الستار، لأنه ببساطة غير موجود. ما يحدث في مضيق هرمز، وفي واشنطن، وفي غرف التجارة العالمية، هو أشبه برقصة جماعية لعميان على حافة جرف، كل يظن أنه يقود الآخرين بينما الجميع يسقطون معاً. إيران تحاصر هرمز لأنها تستطيع، وأمريكا تحاصر إيران لأنها تستطيع أيضاً، ومنطقة الشرق الأوسط تحاصر العالم لأنها لا تستطيع فعل أي شيء آخر. ثلاث طبقات من الغباء الاستراتيجي تتداخل لتشكل لحناً عبقرياً من التناقضات، حيث يصبح العدو صديقاً غير مباشر، والصديق عدواً بالوكالة، والجميع يدفع الثمن مضاعفاً.

إنها متوالية هندسية من الحصارات: إيران تحاصر هرمز، وأمريكا تحاصر إيران، والمنطقة بأسرها تحاصر العالم. كأننا أمام سلسلة من الصناديق الصينية التي لا تنتهي، كل صندوق يضم أصغر منه، وكل صندوق هو سجن لِمَا قبله وسجين لِمَا بعده. البحر الأحمر، مضيق هرمز، قناة السويس، باب المندب.. كلها تصبح أقفاصاً مشبعة بالحديد والدم..

لنكن صريحين مرة أخرى: إيران لا تريد فعلاً إغلاق هرمز. لكنها تريد أن توحي بأنها قادرة على الإغلاق، تماماً كما يلوح المسجون بقضبان زنزانته مهدداً حارسه بأنه سيضرب رأسه بالجدار. إنها لفتة يائسة من نظام يعرف أن قوته الحقيقية ليست في الصواريخ ولا في الحرس الثوري، بل في قدرته على جعل الآخرين يعتقدون أنه غير عاقل بما يكفي لعدم تنفيذ تهديداته. إيران تجلس وفي يدها مفتاح الخليج العربي، ذلك الخزان النفطي الذي جعل من الصحراء قطعةً استراتيجية لا تقدّر بثمن. هي تعلم أن بإغلاقها هرمز يمكنها أن توقف أنفاس الاقتصاد العالمي لأشهر، و ربما لسنوات. ليست هذه قوة فقط، بل هي شكل من أشكال الانتحار البطيء بالوكالة، لأنها حين تخنق العالم فإنها تخنق نفسها أولاً. لكنها تراهن على نظرية “لا مفر” الدرويشية: حين يكون الحصار هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الطرف الآخر، فلا بد أن تتقنها بطلاقة. إنها تلعب لعبة المرايا: كلما اشتد الخناق عليها اقتصادياً من واشنطن، زادت من إحكام قبضتها على الممر المائي الأكثر أهمية في العالم.

أما الحصار الأمريكي لإيران فهو من جانبه معجزة من معجزات التناقض الاقتصادي. أمريكا تحاصر إيران لإجبارها على تغيير سلوكها، وكلما اشتد الحصار تصلبت إيران في سلوكها أكثر. هذه ليست معادلة، هذا هو تعريف الجنون: أن تفعل الشيء نفسه مراراً وتتوقع نتائج مختلفة. لكن واشنطن تعرف ذلك أيضاً، وتستمر لأن الحصار أصبح غاية في حد ذاته، طقساً سياسياً لا يمكن إلغاؤه دون فقدان ماء الوجه. إنها لعبة العقلاء التي يلعبها مجانين الحرب الباردة الجديدة، حيث كل طرف يحاصر الآخر لكن الأغلال التي يضعها كل منهما لخصمه هي نفسها التي تقيد يديه.

والأدهى من ذلك أن منطقة الشرق الأوسط بكاملها، تلك البقعة المباركة مهد الأديان والأنبياء والحضارات، تحاصر العالم بطريقة تشبه محاصرة مريض بالسكري لكيس سكر. العالم يعتمد على نفط الشرق الأوسط وغاز الشرق الأوسط واستقراره النسبي لاستمرار اقتصاده. فإذا كان الشرق الأوسط يحاصر العالم، فهو يحاصر من يشتري بضاعته، أي أنه يحاصر نفسه بنفسه. لو أن المنطقة أوقفت تصدير النفط ليوم واحد، لارتفعت أسعاره إلى عنان السماء، فربحت المنطقة عشرة أضعاف. لكن المنطقة لا تستطيع أن توقف التصدير، لأن اقتصادها نفسه يتنفس بالنفط الذي تصدره. إنها علاقة تكافلية تحولت إلى علاقة خنق متبادل: العالم لا يستطيع العيش دون نفط الشرق الأوسط، والشرق الأوسط لا يستطيع العيش دون شراء العالم لنفطه. الحصار إذن وهمي، لكن ألمه حقيقي.

هنا تبرز المفارقة الكبرى: في عصر العولمة والإنترنت والطائرات دون طيار، أصبح الحصار أداة بدائية تعيدنا إلى العصور الوسطى، لكننا نستخدمها بحماس من يعيش في القرن الخامس عشر. حين حاصر الأوروبيون القسطنطينية، كانوا يعرفون أن السفن تحمل القمح والحديد والخشب. أما اليوم، فالحصار يحاول منع انتقال الأموال الإلكترونية التي تعبر الحدود في أجزاء من الثانية، والبيانات التي تتدفق عبر كابلات الألياف الضوئية في قاع المحيطات. إيران المحاصرة تتلقى بضائعها عبر تركيا وقطر، وتمول حلفاءها عبر العملات المشفرة، وتبيع نفطها للصين عبر آليات مقايضة معقدة. العقوبات الأمريكية لم تمنع إيران من تطوير برنامجها الصاروخي الباليستي، لكنها منعت المريض الإيراني من شراء أدوية السرطان. هذا ليس حصاراً، هذه جريمة حرب بطيئة، لكن أحداً لا يريد تسميتها بذلك.

إذا انتقلنا إلى البعد الفلسفي الأعمق، نجد أنفسنا أمام أزمة وجودية تتجاوز السياسة. الحصار لم يعد يقتصر على السفن والطائرات والبنوك، بل امتد ليصبح حصاراً للخيال السياسي نفسه. القادة وصنّاع القرار في طهران وواشنطن وتل أبيب والرياض ووو لم يعودوا قادرين على تخيل حل خارج إطار الحصار. لقد أصبح الحصار هو البديل عن الحرب، وهو أيضاً البديل عن السلام. صرنا في عصر لا يُفكر فيه إلا من خلال قوائم العقوبات والإجراءات القسرية والمناطق العازلة. الخيال السياسي مات، وحل محله المنطق المحاسبي البارد للحصار. وهذا يقودنا إلى التأثير الحقيقي للحصار، الذي لا يتمثل في ارتفاع أسعار الوقود أو تأخر السفن، بل في تحول الإنسان إلى كائن “حصاروي” بامتياز. حين تعيش داخل حصار لفترة كافية، يصبح الحصار هو طبيعتك الثانية. تبدأ في تنظيم حياتك حوله: متى سترتفع الأسعار؟ متى سينقطع الكهرباء؟ متى سيمنع السفر؟ متى ستغلق الحدود؟ أنت لا تعيش، أنت تترقب. وأنت لا تحلم، أنت تحسب الاحتمالات. وفي لحظة ما، تصبح حراً حقيقياً فقط في سجنك، لأنك خارج السجن ستفقد كل ما تعلمته من مهارات البقاء. هذا هو السر المظلم للحصار: يخلق مجتمعاً من الخبراء في إدارة الندرة، ويجعل الحرية تبدو مخيفة أكثر من القيد.

وجمالية محمود درويش لم تكن يوماً جمالية هروب أو استسلام، بل كانت جمالية مقاومة داخل الحصار، إبداع داخل الزنزانة، حياة داخل القبر الجماعي. هو الذي كتب “حاصر حصارك” لم يكن يدعو إلى المزيد من الحصار، بل كان يدعو إلى قلب مفهوم الحصار رأساً على عقب: أن تجعل من جدران سجنك لوحة ترسم عليها سماءك الخاصة، أن تحول طوق الحديد إلى قيثارة، أن تجعل من “لا مفر” انطلاقاً لا نهاية. لكن ماذا لو أن السجين نفسه أصبح جالساً وفي جيبه مفتاح القفص؟ ماذا لو أن الحصار أصبح هو ذريعة البقاء في السلطة، ومبرر القمع، وشرط الاستمرار؟ هنا تتكثف المأساة: حين يصبح الحصار مرغوباً فيه، وحين يصبح السجين حارساً لسجنه الخاص. وماذا لو كان الحصار قد دخل إلى داخلنا لدرجة أننا لم نعد نعرف أين تنتهي جدرانه وأين تبدأ رغباتنا؟ ماذا لو أصبحنا نحن أنفسنا حصاراً على أنفسنا، نخشى السلام لأنه سيفسد نظام الفوضى الذي تعودنا عليه، ونخاف من فتح الموانئ لأنها ستدخل إلينا بضائع أرخص فتدمر منتجنا المحلي؟ عندئذ يكون الحصار قد انتصر انتصاراً نهائياً: ليس لأنه أغلق حدودنا، بل لأنه أغلق عقولنا.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.