- عبد السلام انويكًة
مركز “بورد” ذلك الجبل الشامخ شمال اقليم تازة، حيث التماس المجالي مع بلاد الريف ومنطقة بني عمارت وحيث ذاكرة وطن وملحمة تحرير بقبيلة كًزناية، وما أسهم به مقاومون مجاهدون ذات يوم بهذه الربوع المطلة على وادي بورد، صبيحة انطلاق عمليات جيش التحرير في 2 اكتوبر1955 ضد المستعمر الفرنسي. فمن هذه الفيافي من التراب الوطني الشاهقة الشاهدة على عظمة الحدث، حصل اندفاع قادة وخلايا جيش التحرير صوب هدفهم، وسلاحهم ايمانهم بقضية وطنهم وروح قتالهم واستشهادهم بكل رضاهم في سبيل الله.
هكذا كان جيش التحرير في موعد مع التاريخ، مؤطرا بقادته من قبيل علي شكوض، ادريس والعوش، الحاج بوجيبان، محمد واحود، عبد القادر اقضاض واحمد اقضاض، عبد العزيز اقضاض، محمد بن حموش، احمد تهرات، سلام اكلوح الدوائري، محمد قلاع، محمد بوكسكوس الزكريتي وغيرهم رحمهم الله. علما أن مصدر ما اعتمد من سلاح في هجومه على مركز بورد كان حمولة باخرة دينا الأولى، وأن من الاساليب التي اعتمدها هؤلاء في عمليتهم، قطعهم لأسلاك الهاتف قبل محاصرتهم لمقر الحاكم الفرنسي واقتحام بابه الرئيسي، مفاجئين حارسه الذي سلم سلاحه، ليتم اسر من كان بهذا المركز الاداري من جنود كًوم واعوان الذين انضموا لجيش التحرير، قبل توجههم لمستودع الاسلحة بعين المكان بعد تصفية حارسه، والاستيلاء على ما كان به من ذخيرة سلاح هام زاد من قوة وعزيمة مواجهة المستعمر، (80 بندقية متنوعة من احجام عدة،…)، وكانت رغبة المقاومين إلقاء القبض على حاكم المركز القبطان “تادي”، قبل أن يتبين فراره رفقة زوجته عبر نفق ارضي لا تزال معالمه بادية لحد الآن كما يظهر في الصورة المرفقة، ما مكنه ليلا من بلوغ مكان شهير في بورد ب”الديوانة”، لينتقل سرا منه عبر شاحنة الى مركز “ظهر السوق”. ومما ورد حديث ضمن هذا السياق، العثور في بيت “تادي” القبطان على مذكراته اليومية التي كانت تضم معطيات هامة حول تحركات رجال المقاومة بقبيلة كًزناية، فضلا عما كان يصله من خبر عبر من كان يتعامل معهم من عملاء، وأن هذه المذكرات سلمت للقائد “عباس المساعدي” دفين مقبرة الشهداء بأجدير، فضلا عن كون هذه الوثيقة قد تكون ربما ضاعت منه في ظروف ما. ويبقى اهم انجاز حصل إثر الهجوم على مركز بورد ومقر الحاكم الفرنسي، الاستيلاء على ذخيرة حربية قدرت بأطنان من القرطاس فضلا عن قنابل يدوية، قبل تحرير السجناء ومنهم “شتاتو الحاج عبد القادر الهراسي”. علما أن ما حصل بمركز “بورد” من هجوم تم بواسطة ابناء قبيلة كًزناية عن دواوير مجاورة واخرى عن اولاد علي بن عيسى التابعة لتيزي وسلي، عبر معارك عدة ب”مثلث الموت”، في مقدمتها معركة بورد ثم معركة غابة بلوطة ثم معركة بوزينب الخ.
وكانت كًزناية المنفتحة مجاليا على الحسيمة شمالا وتازة جنوبا، قد اندفعت لمساعدة جيش التحرير عبر توفير حاجياته من مؤونة وايواء، ومن ثمة ما كانت عليه القبيلة من وحدة ولحمة وصمود تاريخي، علما انها فقدت ازيد من خمسمائة شهيد من ابنائها في معركتها ضد المستعمر، وأنها كانت وجهة اولى لاتصالات قيادة جيش التحرير لتكوين فرق قتال بكل من تزي وسلي وبورد واكنول. عندما تم الاتصال بعدد من رجالاتها من قبيل عمر ابرقي، محمد العجوري، عبد العزيز الدوائري، عمر شطاطو وغيرهم. وأن معارك القبيلة بمثلث الموت اعتمدت فضلا عن سلاح باخرة “دينا” وغنائم الميدان، على ثقة هؤلاء في النفس وايمانهم القوي ومعرفتهم الدقيقة ببيئتهم المحلية فضلا عن الخصوصية الثقافية والعمل بتوجيهات القادة، دون نسيان اسلوب حرب العصابات المكتسب لديهم كعقيدة قتال عن حرب الريف. بعض فقط من ملحمة “مثلث الموت” هذه التي بحاجة لمزيد تعريف وتوثيق وتدقيق وانصات ونصوص وصورة وأشرطة وأعمال فنية توثيقية، تنويرا للناشئة وإغناء لخزانة البلاد التاريخية والسمعية البصرية، وعيا بما تختزنه ملحمة مثلث الموت من رمزيو ذاكرة، جامعة بين عبق ماض ووطن وقصص قيادات وعمل ميداني وآخر سري، فضلا عن وقائع أمكنة وتماسات حدود اسبانية فرنسية زمن مغرب الحماية، وتاريخ جريح وكفاح مرير كان بأثر في استقلال المغرب واسترجاعه لحريته وسيادته.
جدير بالذكر ختاما أن “مثلث الموت” الذي شهد انطلاق شرارة عمليات جيش التحرير بالمنطقة، حضي مطلع شهر يوليوز من سنة 1956 بزيارة تاريخية للسلطان محمد الخامس، الذي حل بتازة قادما من الرباط عبر القطار، ومن تازة الى اكنول ثم صوب مركز “بورد”، حيث استقبل من طرف افراد جيش التحرير برئاسة المجاهد “الحاج عبد العزيز اقضاض الدوائري” فضلا عن الساكنة المجاورة. وكان من جملة ما زار من مواقع مشيا على الاقدام بين المجاهدين، دار الحاكم الفرنسي “تادي” بالجبل المطل من أعلى، متأملا رحمه الله مسرورا بما اصاب مرافق هذه الاقامة الاستعمارية من خراب إثر عمليات جيش التحرير، سائلا عن شهداء المنطقة واسمائهم وقبورهم التي زارها وفاء منه لأرواحهم وتضحياتهم وعملهم البطولي الذي عجل برحيل المستعمر. وكان من جملة عطفه بعد رجوعه من زيارته، أمره بانشاء قرى نموذجية بمراكز “مثلث الموت” ومنها “بورد”، وتوزيع بيوتها بعد بنائها على عائلات شهداء ملحمة الاستقلال عرفانا لهذه الربوع المجاهدة من قبيلة كزناية وما أسدته من تضحيات لفائدة الوطن.
رئيس مركز ابن بري للأبحاث وحماية التراث









