لا بدّ من تسمية الأشياء بأسمائها. يفرض ذلك الاعتراف بسقوط مشروع جزائري يقوم على إقامة كيان سياسي في الصحراء المغربيّة التي خرج منها المستعمر الإسباني في تشرين الثاني – نوفمبر 1975. ليس صدور القرار الرقم 2797 عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة سوى ترجمة قانونية، على أعلى مستوى دولي، لسقوط هذا المشروع الذي نشأ في مرحلة الحرب الباردة.
الآن،مع صدور قرار ذي طابع تاريخي عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يؤكّد السيادة المغربيّة على الصحراء وأن طرح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب في العام 2007″ “في أساس” أي مفاوضات مستقبلية، لا يزال السؤال المطروح ذاته منذ خمسين عاما. السؤال هو الآتي: ما الذي تريده الجزائر التي تشنّ منذ نصف قرن حرب استنزاف بالواسطة على المغرب من خلال تورطها المباشر في قضيّة الصحراء؟ الأهمّ من ذلك كلّه، ما الذي ستفعله الجزائر ردّا على السقوط المدوي لمشروعها؟
سيعتمد الكثير على قدرة النظام الجزائري على تطوير نفسه من جهة وعلى خروجه، من عقدة أنّ الجزائر هي الدولة الأقوى بين دول شمال إفريقيا من جهة أخرى. يتخيّل النظام الجزائري أن من حق الدولة التي يتحكّم بها أن تكون مطلة على المحيط الأطلسي وليس فقط على البحر المتوسط مثلها مثل المغرب الذي لديه واجهة متوسطية وأخرى أطلسية. بكلام أوضح، تعتبر الجزائر، كنظام تتحكّم به، في واقع الحال، مجموعة عسكريّة، منذ استقلال البلد في العام 1962، أنّ من حقها إعادة رسم خريطة شمال إفريقيا بما يناسبها.
أكثر من ذلك، يعتقد النظام الجزائري أنّ لديه شرعيّة “ثوريّة” تسمح له بإنشاء كيان سياسي يكون تحت سيطرته في الصحراء الغربيّة، أي الصحراء المغربيّة. عمل في هذا الاتجاه من دون أن يأخذ في الاعتبار أنّ للمغرب أيضا مصالحه في تلك الأرض التي اسمها الساقية الحمراء ووادي الذهب، خصوصا أن عشائر الصحراء أدت في الماضي البيعة أمام ملك المغرب. يظلّ أفضل مثال على طبيعة العلاقة بين مواطني الصحراء والعرش المغربي أن والد الراحل محمد عبد العزيز الذي عينه الجزائريون رئيسا لما سمّي “الجمهوريّة الصحراويّة” كان ضابط صف في الجيش الملكي المغربي وكان يقيم قريبا من بني ملال في سلسلة جبال الأطلس المغربيّة. وصف الملك الحسن الثاني في أحد مؤتمراته الصحافيّة “الجمهورية الصحراوية” بـ”الجمهوريّة الفضائية” التي لا وجود لها على أرض الواقع.
كانت العلاقة التاريخية بين عشائر الصحراء والعرش المغربي كافية كي تنجح “المسيرة الخضراء” التي قام بها نحو 350 ألف مغربي قبل نصف قرن بالتمام والكمال. لو لم تكن مثل هذه العلاقة، بين العرش وأهل الصحراء، قائمة وثابتة وذات جذور عميقة في الوقت ذاته، لما نجحت المسيرة السلميّة تلك ولما رُفع العلم المغربي في مدينة العيون بمجرّد إنزال العلم الإسباني، علم الدولة التي كانت تستعمر الصحراء. كان أقلّ ما يمكن للنظام الجزائري عمله وقتذاك، في عهد هواري بومدين، المباركة للمغرب باستعادة أقاليمه الصحراوية من المستعمر الإسباني. تجاهل بومدين كلّيا الدور الذي لعبه المغرب ملكا وشعبا في دعم الثورة الجزائرية في مواجهة الاستعمار الفرنسي.
تغيّر العالم وتغيّرت منطقة شمال إفريقيا ولم يتغيّر سلوك النظام الجزائري الذي خسر رهاناته في المواجهة مع المغرب. بدأ ذلك بخسارته الحرب على أرض الصحراء التي عرف المغرب كيف يحصنّها ويمنع التسلّل إليها. حصل ذلك ابتداء من العام 1984 بعدما نجح المغرب في بناء سلسلة من التحصينات، سمّيت “الجدران”. جعلت الجدران قواته المسلّحة قادرة على حماية الصحراء من هجمات مفاجئة كانت تتعرّض لها بين حين وآخر. صارت الصحراء آمنة منذ العام 1985 عندما قام الحسن الثاني بجولته الأولى فيها في شهر آذار – مارس من ذلك العام.
كما قال الملك محمّد السادس، ما بعد قرار مجلس الأمن الذي صدر في 31 تشرين الأول – أكتوبر 2025، ليس كما قبله. التحدي الأكبر سيكون أمام النظام الجزائري وتعاطيه مع الواقع كما هو بعيدا عن وهم الدولة التي تستطيع الهيمنة على دول المنطقة القريبة منها وعلى دول إفريقية.
الأهمّ من ذلك كلّه، أن قرار مجلس الأمن في شأن الصحراء كان واضحا في ما يخص الطرح المغربي والسيادة. كان القرار بصياغة أميركيّة حاول الجزائريون تعديلها بشكل مباشر أو بواسطة روسيا. يشكّل القرار فرصة للجزائر كي تحسّن بالفعل علاقاتها بواشنطن، وهو تحسّن سعت إليه في السنوات القليلة الماضية في ضوء التدهور الذي تعاني منه علاقاتها بفرنسا.
لم يعد سرّا أنّ قرار مجلس الأمن تحوّل امتحانا للنظام الجزائري وتحدّيا له، بل هو مناسبة كي يثبت هذا النظام أنّ في استطاعته الاعتراف بالواقع الشمال إفريقي الجديد بدل العيش في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته وشعاراته البالية التي لم يستفد منها المواطن الجزائري في شيء.
كلّ ما في الأمر أنّ المغرب لم يسدّ يوما الصحراء في وجه الجزائر. ليس ما يمنع التفاوض في شأن ممرّ للجزائر إلى الأطلسي عبر الصحراء المغربيّة. يكون ذلك عبر التفاوض المباشر بين الطرفين اللذين تواجها في الصحراء، أي بين المغرب والجزائر لا أكثر ولا أقلّ.
يبقى أمر واحد في غاية الأهمّية لا بد من التنّبه إليه. هذا الأمر هو محاولة معرفة المغرب الذي قام بـ”المسيرة الخضراء” قبل نصف قرن. تكمن إحدى المشاكل التي عانى منها النظام الجزائري في رفضه الدائم لمعرفة ما هو المغرب وما سرّ صموده. سرّ الصمود المغربي ليس في كون الصحراء قضية إجماع وطني فحسب بل هو أيضا في تلك العلاقة بين العرش والشعب، العلاقة التي ترمز إلى وحدة المملكة وتعبّر عنها قبل أي شيء آخر.
خيرالله خيرالله








