يا للهول .. فوزي لقجع يُفجّر قنبلة من عيار 280 مليار درهم من دون أن تُحدث صدى أو دويّ يُذكر..؟

admin
2026-09-22T00:30:40+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin22 سبتمبر 2026آخر تحديث : منذ 20 ساعة
 يا للهول .. فوزي لقجع يُفجّر قنبلة من عيار 280 مليار درهم من دون أن تُحدث صدى أو دويّ يُذكر..؟
  • مصطفى قشنني

ثمة أرقام لا تُقاس بقيمتها الحسابية الفلكية فحسب، بل بثقلها الرمزي وقدرتها على تفجير الأسئلة المكبوتة الكبرى. مائتان وثمانون مليار درهم. هذا الرقم الذي قيل إنه خُصّص لدعم القدرة الشرائية خلال خمس سنوات، ليس مجرد رقم في ميزانية، بل هو مرآة نرى فيها صورة الحكومة بأكملها. صورة حكومة تنفق بسخاء وتنتظر النتائج عبثًا. حكومة تُغدق المال على شعوبها فلا ترى إلا الجفاف والتصحر في حقول العيش الكريم. لكن السؤال الأعمق ليس: أين ذهبت الأموال؟ بل: لماذا لا نرى أثرها؟ ولماذا يتحول الإنفاق العمومي إلى طقس بلا روح، إلى عبادة بلا إله، إلى حركة بلا بركة؟

في قلب هذا السؤال – الذي شهد به شاهد منهم وهو الوزير المنتذب في المالية فوزي لقجع – تكمن مفارقة كبرى وعجيبة أيضا: الحكومة تنفق أكثر مما ينبغي، والشعب يعاني أكثر مما ينبغي. الفجوة بينهما ليست فجوة أرقام، بل فجوة معنى. إنها الفجوة بين حكومة تظن أن الإنفاق هو الحل، وشعب يدرك أن الإنفاق بلا رؤية هو جزء من المشكلة. بين حكومة تُصر على أن المال يحل كل شيء، وشعب يكتشف أن المال بلا حَوكَمة هو مجرد سراب. هنا يتحول السؤال الاقتصادي إلى سؤال فلسفي: ما جدوى الفعل إذا لم يترك أثرًا؟ وما قيمة القول إذا لم يصدقه الواقع؟

إن الدولة الحديثة، أي دولة، تشرعن وجودها عبر عقد اجتماعي ضمني: تدفع الضرائب، فتتلقى الخدمات. تتنازل عن جزء من حريتك، فتحصل على الأمن والعدالة. لكن ماذا يحدث عندما يختل هذا العقد؟ عندما تدفع الضرائب فلا ترى الخدمات؟ عندما تتنازل عن حريتك فلا تحصل على الأمن ( أقصد الأمن بمفهومه المتعدّد)؟ هنا يتحول العقد الاجتماعي إلى عقد إذعان. يتحول المواطن من شريك إلى رعية. وتتحول السياسة من فن تدبير الشأن العام إلى فن تدبير الغياب.

المائتان وثمانون مليار درهم ليست مجرد مبلغ. إنها تجسيد لهذا الخلل. إنها دليل على أن حكومة عزيز أخنوش كانت تنفق بلا حساب، لا لأنها كريمة، بل لأنها غارقة في عجزها عن التخطيط. تنفق لأنها لا تعرف كيف تستثمر. تنفق لأنها لا تعرف كيف تصل إلى الفئات المستهدفة. تنفق لأنها لا تعرف كيف تُحاسب. تنفق لأنها لا تعرف كيف تُقيّم. تنفق لأنها لا تعرف كيف تُفكر. وهنا تكمن المأساة: حكومة تنفق بلا تفكير، وشعب ينتظر بلا أمل.

لنتأمل في المفارقة الكبرى: الحكومة تقول إنها تدعم القدرة الشرائية (لا أحد يشكّ في ذلك )، لكن القدرة الشرائية تتراجع. تقول إنها تحمي الفئات الهشة، لكن الفئات الهشة تتوسع. تقول إنها تدعم المواد الأساسية، لكن أسعار المواد الأساسية ترتفع بشكل صاروخي. تقول إنها تحسن الخدمات، لكن الخدمات تتراجع وتتدهور. تقول إنها تحقق التنمية، لكن التنمية تتعثر وتتقهقر. تقول إنها توزع الثروة، لكن الثروة تتركز وتتمركز. تقول إنها تحارب الفقر، لكن الفقر يزداد مؤشّره بشكل تصاعدي مخيف. تقول إنها تبني الدولة الاجتماعية، لكن الدولة الاجتماعية تبتعد عن المبتغى.

السؤال الأعمق: لماذا لا نرى أثر هذه الأموال؟ الجواب ليس تقنيًا فقط، بل هو جواب فلسفي عميق. الأموال لا تترك أثرًا لأنها في غالبها لا تُصرف وفق منطق الأولويات، بل وفق منطق المحاصصة. لا تُصرف وفق منطق الحاجات، بل وفق منطق الولاءات. لا تُصرف وفق منطق الكفاءة، بل وفق منطق الزبونية. لا تُصرف وفق منطق الشفافية، بل وفق منطق الغموض. لا تُصرف وفق منطق النتائج، بل وفق منطق الإعلانات. لا تُصرف وفق منطق العدالة، بل وفق منطق القرب من مراكز القرار. هنا يتحول الإنفاق العمومي من أداة للتنمية إلى أداة للتحكم. من وسيلة لتحقيق العدالة إلى وسيلة لإعادة إنتاج الامتيازات وأشكال الريع. من آلية لتوزيع الثروة إلى آلية لتركيزها.

لكن المال ليس مجرد وسيلة. المال هو تعبير عن إرادة. عن اختيار. عن أولوية. عن قيمة. عن رؤية. عندما ينفق المال بلا أثر، فهذا يعني أن الإرادة غائبة. أن الاختيار عشوائي. أن الأولوية غائبة. أن القيمة معدومة. أن الرؤية غائبة. أن الحكومة غائبة. هنا يتحول السؤال من: أين ذهبت الأموال؟ إلى: أين ذهبت الحكومة؟ أين ذهبت الإرادة؟ أين ذهبت الرؤية؟ أين ذهبت المسؤولية؟ أين ذهب العقد الاجتماعي؟ أين ذهب المواطن؟ أين ذهبت العدالة؟ أين ذهب المستقبل؟

إن هذا المبلغ الضخم ليس مجرد رقم. إنه اختبار للحكومة التي نودعها. اختبار لقدرتها على التخطيط. اختبار لقدرتها على التنفيذ. اختبار لقدرتها على التقييم. اختبار لقدرتها على المحاسبة. اختبار لقدرتها على العدالة. اختبار لقدرتها على الوفاء بالوعود. اختبار لقدرتها على بناء الثقة. اختبار لقدرتها على إعادة إنتاج نفسها كحكومة. لكن النتيجة، حتى الآن، مخيبة. النتيجة هي الغياب. الغياب في كل مكان. غياب الأثر. غياب الثقة. غياب الأمل. غياب المستقبل.

لكن السؤال الأصعب: هل نحن أمام فشل عرضي أم أمام فشل بنيوي؟ هل نحن أمام خلل تقني يمكن إصلاحه، أم أمام خلل في التصور نفسه؟ هل نحن أمام أزمة تدبير، أم أمام أزمة عقل؟ إذا كان الجواب هو الثاني، فالمشكلة ليست في الأرقام، بل في العقول. ليست في الميزانيات، بل في الرؤى. ليست في الآليات، بل في الإرادات. هنا يصبح الإصلاح ليس مجرد تغيير للسياسات، بل تغيير للعقلية. تغيير للثقافة. تغيير للنموذج. تغيير للعقد الاجتماعي..

إن المائتين والثمانين مليار درهم ليست سوى عينة. عينة من إنفاق أكبر. من ميزانية أضخم. من اقتصاد أوسع. لكنها عينة دالة. دالة على أن المشكلة ليست في الكم، بل في الكيف. ليست في المال، بل في إدارته. ليست في الإنفاق، بل في التخطيط. ليست في التوزيع، بل في العدالة. ليست في الدعم، بل في الاستهداف. ليست في الحكومة، بل فيمن يسيّر هذه الحكومة.

أحيانا تطفو على سطح دماغي مثل هكذا أسئلة: ما معنى الحكومة إذا لم تحم مواطنيها؟ ما معنى السيادة إذا لم تحقق الرفاه؟ ما معنى الاستقلال إذا لم يحقق الكرامة؟ ما معنى التنمية إذا لم تصل إلى الناس؟ ما معنى الديمقراطية إذا لم تحقق المساءلة؟ ما معنى المواطنة إذا لم تحقق الحقوق؟ ما معنى العقد الاجتماعي إذا لم يحقق العدالة؟ هذه الأسئلة ليست أسئلة نظرية. إنها أسئلة وجودية. أسئلة تمس جوهر الدولة. جوهر الشرعية. جوهر المشروعية. جوهر الوجود برمّته.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.