مستقبل الجزائر والمغرب: هل حسمه الماضي؟

admin
كتاب واراء
admin3 أبريل 2025آخر تحديث : منذ يومين
مستقبل الجزائر والمغرب: هل حسمه الماضي؟
  • نزار بولحية

لماذا يفتح اليوم بعض المغاربة والجزائريين سجلات قديمة فيها الأصلي وفيها المزور؟ وما الجدوى من عودتهم إلى الوراء للزج بالتاريخ في قضايا وخلافات طارئة وحديثة العهد؟ هل الغاية من ذلك هي فتح أبواب المستقبل على مصارعها؟  أم سدها بوجه الشعبين وقفلها بالكامل؟ ربما هناك من سيقول إن ماضي البلدين واضح ومكشوف وإنه لا وجود فيه لحقائق أو أسرار ما زالت مجهولة، أو مدفونة تحت الأرض. فلماذا ينبش هؤلاء في تلك الحالة إذن، وبين الحين والآخر في تلك الملفات، ويخبطون في مرات عديدة في أوراقها وصفحاتها خبط عشواء؟
وما الذي يبحثون عنه في النهاية بالضبط؟ هل يفتش كل واحد منهم عن دليل، أو برهان يثبت أن الطرف الآخر قد استولى في ظرف معين على ما كان ملكا حصريا له؟ لكن ما الذي سيفيده ذلك الآن؟ وهل سيغير من الواقع شيئا، أو يعيد رسم الحدود التي خطها الاستعمار بشكل اعتباطي من جديد؟ هناك من يختصر وللأسف الشديد تاريخ البلدين، في كم هائل من المؤامرات والمشاحنات والصراعات الصاخبة والمحتدمة بينهما على مدى عدة حقب، حول أحقية كل واحد منهما بأراض تقع تحت سيطرة الآخر.
لكن أليس من الإجحاف الجزم بشكل تام ومطلق بأن العلاقات بين الجزائر والمغرب كانت كلها على ذلك النحو، وإنها لم تكن في مجملها إلا خرابا في خراب وظلاما في ظلام؟ ألم يكن هناك دوما، رغم الأزمات والخلافات الطارئة والظرفية التي نشبت بينهما، كثير من العلامات المضيئة، ومن الصفحات المشرقة والمشرفة، التي عكست روح التضامن والتعاون بين الشعبين حتى في أشد المحن وأقساها وفي أحلك الأوقات وأصعبها؟ من المؤكد أن ذاكرتهم ما زالت حية، لكنها تبدو في مرات كثيرة مشوشة ومغلّفة بطبقة سميكة من ندوب أحداث أليمة وحزينة، مرّوا بها. وليس معروفا إن كان هناك جزائريون أو مغاربة قد يكررون غدا فعلا شبيها بما أقدم عليه نائب فرنسي في البرلمان الأوروبي، دعا الشهر الماضي الأمريكيين، وفي خضم التوتر الأخير في العلاقات الأوروبية مع واشنطن إلى أن يعيدوا إلى بلاده تمثال الحرية، الذي أهدته لهم قبل أكثر من قرن. لكن ما الذي يمنع نائبا في البرلمان المغربي من أن يصرخ يوما في إحدى الجلسات قائلا للجزائريين: أعيدوا لنا تندوف وبشار وتلمسان ووهران التي اقتطعها الاستعمار الفرنسي منا ومنحها لكم؟ أو أن يصرخ آخر في البرلمان الجزائري قائلا للمغاربة: أعيدوا لنا جامع الكتبية الذي بناه أجدادنا الجزائريون في المدينة الحمراء؟ لقد أثار التقاطع الذي حدث بين تصريحات الروائي الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال أواخر العام الماضي في «فراننتيير ميديا» الفرنسية، وقال فيها إن»مدنا بالغرب الجزائري مثل تلمسان ووهران ومعسكر، كانت تاريخيا جزءا من المغرب، قبل أن تضمها فرنسا إلى الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية»، وأن الجزائر طلبت دعم المغرب في نضالها من أجل الاستقلال، مقابل وعد بإعادة الأراضي المقتطعة، لكنها نكثت بذلك الوعد، ما أدى إلى حرب الرمال بين البلدين في مطلع الستينيات، وتصريحات الناشط السياسي الجزائري رشيد نقاز أواخر الشهر الماضي، من خلال مقطع فيديو صوره بالقرب من جامع الكتبية بمدينة مراكش المغربية، وقال فيه إن الجزائر هي من شيدت ذلك الجامع، واصفا المسيرة الخضراء التي أطلقها المغاربة نحو الصحراء منتصف السبعينيات بالاحتلال.

الجدل حول المدى الذي يمكن أن يأخذه استخدام التاريخ من جانب بعض الوجوه المعروفة، أداة للتعبير عن آراء أو مواقف سياسية، تجاه قضايا تتعلق بالوحدة الترابية لبعض الأقطار المغاربية، في ظرف تتميز فيه البيئة الإقليمية بحساسية شديدة تجاه تلك المواضيع، وتمر فيه العلاقات بين أكبر بلدين في المنطقة بحالة توتر صامت ومقلق. ولعل نقطة الاستفهام الكبرى التي تظل عالقة وسط كل ذلك، هي تلك التي تتعلق بالهدف من وراء خروج صنصال، ثم نقاز بمثل تلك التصريحات وفي ما إذا كانت قد صدرت عنهما بشكل تلقائي وعفوي ودون تخطيط مسبق منهما أو وعي بخطورتها، أو تحسب لعواقبها وتأثيراتها؟ أم أن هناك طرفا أو جهة ما هي التي دفعتهما للظهور في مثل ذلك التوقيت بالذات وربما استدرجتهما للوقوع وبمنتهى السهولة في فخ نصبته لهما تحقيقا لهدف بعيد عما كان يدور في خاطرهما؟ إن الملاحظة التي تلفت الانتباه هنا هي، أن الرجلين لم يكونا جامعيين أو باحثين في التاريخ، فأحدهما روائي والآخر رجل أعمال دخل قبل فترة قصيرة غمار السياسة. والسؤال الذي يطرح نفسه في تلك الحالة هو ما الذي جعلهما يقحمان نفسيهما في مسائل تبدو بعيدة عن مجال اهتمامهما الأصلي أي الأدب والسياسة؟ وهنا ربما سيقول البعض وهل إن الأدب والسياسة منفصلان تماما عن التاريخ؟ ثم أليس من حق الرجلين وفي كل الحالات أن يخوضا كما يشاءان في كل المواضيع وأن يعبرا عن آرائهما ومواقفهما من شتى المسائل والقضايا، سواء كانت تدخل ضمن اختصاصهما، أو مجالات اهتمامهما المباشر، أم لا؟ ولا شك أن مثل تلك الحجة، أي حجة الحق في التعبير التي يستند إليها صنصال ونقاز تبدو مقنعة ومقبولة إلى حد بعيد، لكن ألا تبدو أيضا وفي ظل الوضع الحالي الذي تعرفه العلاقات الجزائرية المغربية، بمثابة هدية ملغومة أو مسمومة قد تؤدي فقط إلى صب مزيد من الزيت على نار الخلافات المشتعلة بينهما؟ ثم ألا تتحول حرية التعبير والحق في الحديث عن ماضي البلدين بمثل تلك الطريقة، إلى نوع من الحكم الضمني القاطع والجازم على مستقبل الشعبين بالإعدام، وتدفع قدما نحو إطالة عمر الفرقة والقطيعة بينهما، ومزيد ترسيخها وتوسيع دائرتها؟
وبلا شك أن هناك من سيرى في ذلك تهويلا وسيقول، هل أن العلاقات الجزائرية المغربية ضعيفة وواهنة إلى درجة أنها قد تتأثر بمجرد كلمات، أو تصريحات ألقيت من هذا الجانب أو من ذاك؟ لكن ماذا لو عكسنا الآية؟ وماذا لو حاولت بعض الشخصيات المغربية والجزائرية أن تخرج الآن بتصريحات أخرى، كأن نسمع فنانا أو كاتبا أو حتى سياسيا جزائريا بارزا يقول، إن الجزائر لم تطلق اسم الملك المغربي الراحل محمد الخامس على واحد من أهم شوارعها إلا عرفانا بما قدمه المغرب للثورة الجزائرية، وإنها حافظت على اسم ذلك الشارع لأنها تؤمن بالمصير المشترك للبلدين، أو أن نرى على الطرف الآخر فنانا أو كاتبا أو حتى سياسيا مغربيا بارزا يقول، إن المغرب لم يقبل بإعلان الاستقلال عن فرنسا إلا ليكون سندا وظهيرا للثورة الجزائرية، وإن حرصه على تنظيم مؤتمر طنجة في أواخر الخمسينيات كان الهدف منه هو تحقيق تلك الغاية. لا شك أن البلدين سيكونان عندئذ على أول طريق تخليص مستقبلهما من عوالق ماض لم يستحضرا منه إلا جانبه المظلم فقط.
كاتب وصحافي من تونس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.