- رسبريس
بعد المقال الذي نشرناه قبل أيام من خلال هذا المنبر، والذي كان له وقعا في نفوس ساكنة مدينة وجدة وإشادة من طرف الغيورين الشرفاء ، لم نتوقف عند حدود ردود الفعل الانفعالية، بل تابعنا بعمق ما يروج في وسائل التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى ما يشبه “البرلمان الموازي” لتفريغ غضب عارم راكمه المواطن الوجدي خلال السنوات الأخيرة. وما يثير الانتباه حقاً، أن المدينة اليوم لم تعد تعاني من نقص في اللوجستيك أو التجهيزات الأمنية، كما كان الحال في مراحل سابقة. وجدة تتوفر على ترسانة معتبرة من السيارات الأمنية الحديثة والدراجات النارية المجهزة، ومئات العناصر الأمنية الذين يفترض أنهم قادرون على فرض النظام. لكن المفارقة المؤلمة أن كل هذه الإمكانيات تتبخر كالسراب أمام موجة الفوضى العارمة التي تجتاح الشارع الوجدي.
المشكلة إذن ليست في العتاد، وليست في عدد الرجال. المشكلة أعمق بكثير، إنها مشكلة رؤية، ومشكلة خطط أمنية غائبة أو عاجزة، ومشكلة بعد نظر جعل مدينة حدودية بحساسيتها الاستراتيجية تتحول إلى مرتع مفتوح للفوضى والجريمة بمختلف أنواعها. نحن هنا لا نرمي الاتهامات جزافاً، ولا نتحامل على أحد، بل ننقل بصوت مرتفع ما يتدفق علينا من عشرات الشكايات والصراخات من مواطنين أصبحوا يعيشون في حالة خوف دائم. سرقات بالدراجات النارية تحدث في وضح النهار، وأمام أعين المارة، دون أن يجرؤ أحد على التدخل، والأدهى أن الجناة يفلتون بفعلتهم دون أن يطالهم رادع. مواطنون يتعرضون للعنف الجسدي والاعتداء بالسلاح الأبيض، والضحايا غالباً ما يكونون من كبار السن أو النساء أو العمال البسطاء الذين لا يجدون من يحميهم.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من المسؤول عن هذه الأوضاع اللاأمنية ؟ الواقع أن الأنظار تتجه مباشرة إلى والي أمن وجدة، ذلك الرجل الذي نعترف بصراحة أننا كإعلاميين لا نعرف اسمه بالمرة، وهو أمر مخجل بحد ذاته أن يدير رجل أمن مدينة كبرى وجهة بأكملها ويبقى مجهول الهوية بالنسبة لمن يتابعون الشأن المحلي. إنه يتصدر منصبه من خلال “برجه المخملي”، بعيداً عن هموم الناس، لا ينزل إلى الشارع، لا يستمع، لا يبادر، وكأنه موظف بسيط يؤدي مهام إدارية جوفاء بدلاً من أن يكون قائداً ميدانياً يشعر بآلام المواطن الذي خلق الأمن من أجله.
إن والي الأمن هذا ، يبدو أنه اختار الانكفاء على نفسه، واكتفى بتدبير ملفات مكتبه، متناسياً أن مدينة وجدة ليست مجرد أرقام في تقارير داخلية. إنها مدينة تعيش على وقع معاناة يومية، مدينة حدودية تتعامل مع تحديات استثنائية، مدينة كان يجب أن تكون نموذجاً في الحزم والردع والانتشار الذكي. لكن ما يحدث هو العكس تماماً: غياب للخطط الاستباقية، تراخٍ في المقاربة الميدانية، وانقطاع تام عن الفاعلين المحليين الذين يمكن أن يشكلوا عيوناً ساهرة تساعد الأمن في أداء مهامه.
ونحن نؤكد مرة أخرى، ما ننشره ليس مجرد رأي، بل هو انعكاس لصراخات متصاعدة بشكل خطير على منصات التواصل الاجتماعي، تلك الصرخات التي باتت تشبه صرخات استغاثة أكثر من كونها مجرد انتقادات عابرة. المواطن الوجدي يريد حلاً، يريد أن يشعر بأن هناك من يسمعه، أن هناك من يتحرك. إنه يرى بأم عينيه التوفر الأمني النظري، لكنه لا يلمس أي أثر له على أرض الواقع. سيارات أمنية مركونة، دراجات نارية أمنية لا ترى إلا في المناسبات، وعناصر أمنية موزعة بشكل لا يتناسب مع حجم الخطر الحقيقي.
ما ينقص مدينة مثل وجدة اليوم ليس طوق نجاة عابر، بل تدخل جذري وحازم من قبل السيد عبد اللطيف الحموشي المشهود له بالصرامة والمسؤولية والإقتدار لمراجعة شاملة للرؤية الأمنية بوجدة والجهة. التي تحتاج إلى قائد أمني حقيقي، لا إلى “والي قابع في برجه ” لا يخرج إلى العموم إلا كل (16ماي) ليدافع عن حصيلته بالأرقام الجاهزة في خطاب سنوي. الأمن قضية جوهرية تهم الجميع، ومن المستحيل نجاح أي خطة أمنية دون مقاربة تشاركية حقيقية مع فعاليات المجتمع المدني، ورجال التعليم، وأئمة المساجد، والمنتخبين، وحتى مع المواطن البسيط الذي يريد أن يكون عوناً وليس مجرد متفرج. لكن من سيفعل ذلك، ما دام القائد الأول للأمن بالمدينة اختار العزلة واستحكم في برجه العاجي، لا يعرف الناس ولا يعرفونه، ولا يبالي بصرخاتهم التي تتصاعد كالنار في الهشيم. السؤال الذي يبقى معلقاً: متى تتحرك القيادة العليا للأمن الوطني لإعادة الاعتبار لمدينة كانت وستبقى عنواناً للصبر والتسامح، قبل أن تتحول إلى رمز للفوضى والخوف؟









