مهرجان الراي للشرق..مهرجان يُقام كي لا يُلغى ..وتُقصى فيه وجدة عن وجدة..

admin
2025-07-11T01:20:07+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin11 يوليو 2025آخر تحديث : منذ 11 شهر
مهرجان الراي للشرق..مهرجان يُقام كي لا يُلغى ..وتُقصى فيه وجدة عن وجدة..
  • مصطفى قشنني

في مدينةٍ تليق بها الموسيقى كما تليق بها الشمس الشرقية، يُقام مهرجان فن الراي كمن يحتفل دون أن يعرف سبب الاحتفال. مهرجان بدأ بخطأ الأصل، وانطلق دون سؤالٍ تأسيسي يُفكّك المعنى ويُعيد تشكيل التصوّر. وجدة، مدينة الراي، لا تبدو حاضرةً في مهرجان يُفترض أن يكون صورتها، سرديّتها، وتوقيعها الفني الأصيل. بدلًا من ذلك، تتحوّل الفعالية إلى مناسبة موسيقية بلا هوية، وتُدار بلغةٍ من الارتجال تعبث باسم الفن ولا تحترم أثره.

ليس في الأمر حنينٌ إلى أيامٍ كانت، ولا نرجسيّة فنية تغضب حين لا تُستدعى، بل في الأمر مسألة تنظيمية وثقافية كبرى: حين يغيب المعنى، يُصبح الفعل مجرّد تكرارٍ يُقام سنويًا كي لا يُلغى، لا كي يُحتفى به. فالمهرجان، بصيغته الراهنة، لا يُقدّم رسالةً فنية متماسكة، ولا يُنتج خطابًا ثقافيًا يُراكم، بل يكتفي بالتواجد المؤقت في الروزنامة الموسيقية، كمن يريد أن يثبت أنه “ما زال هنا”، دون أن يسأل نفسه: ولأي غاية؟

تتداخل الألوان الموسيقية، وتختلط الأنماط، وتُستدعى أسماءٌ لا تنتمي للسياق، فيصبح الجمهور أمام مزيج لا يُقنع ولا يُمتع، بل يُربك ويُسطّح. الراي، الذي كان يومًا مرآةً للهمّ الشعبي وسردًا للوجدان المغاربي، يُقدَّم كفقرة ضمن برنامجٍ لا يعرف لماذا اختار هذا الصوت دون غيره. يغيب التفسير، وتغيب الخلفية، وتُدمج الفنون كما لو أنَّ كلّ شيء قابل للتجميع، ولا فرق بين الراي والراب، ولا بين الهوية والانفعال.

وإذا تجاوزنا حدود المنصة، نجد أنفسنا أمام معضلة أعمق: من يُدير الفعل الثقافي؟ من يُخطّط، من يُنسّق، من يُشرك؟ الإجابة ليست في دفتر التنظيم، بل في طريقة التواصل: دائرة مغلقة، تحكمها الولاءات، ويُفتح باب المشاركة فقط لمن يحمل بطاقة القرب، لا بطاقة الكفاءة. يُقصى الإعلام المحلي، وتُهمّش الأصوات الفكرية، ويُدار المهرجان كما لو كان مناسبةً خاصة لأصحاب القرار، لا مساحةً عامة للفنانين والمبدعين والجمهور.

الارتجال ليس تفصيلاً، بل جوهر الإشكال. غياب الجدولة الدقيقة، تغيير الفقرات دون مبرّر، اختيار الفضاءات بلا رؤية فنية أو هندسة ثقافية، كلّ ذلك لا يحدث صدفةً، بل لأنّ الأسئلة الكبيرة لم تُطرح أصلًا. لم تُبْنَ فلسفة للمهرجان، ولم تُعرّف غاياته، فبقيت كلّ دورة تحاول فقط أن تُقام، لا أن تُعبّر.

وإنْ كان الفن هو الوسيلة الأصدق للتعبير، فإنّ المهرجانات هي الطريقة المؤسساتية لتحويل الفن إلى تجربة جماعية ذات أثر أو احتفالية كما عبّر عن ذالك عبد الكريم برشيد. وما يحدث في وجدة هو العكس: يُختصر الفن في حفلة، يُفرَّغ المهرجان من مضمونه، وتُفقد المدينة فرصتها في أن تستثمر ثقافيًا، سياحيًا، وجماليًا. لا فضاءات تُهيّأ لتستقبل الزائر كأنه يدخل ذاكرة مدينة، ولا ترويج إعلامي يعكس وجدة كعاصمة للراي، ولا صورة بصرية تقول: هذا المهرجان هو نحن.

يبقى السؤال مفتوحًا، كمشهدٍ لا يُغلق: كيف نُقيم مهرجانًا لا نعرف لماذا نُقيمه؟ وكيف نحمي فنًا لا نُجيد تقديمه؟ وكيف نُسوّق مدينةً لا نُشركها في احتفالها؟ الإجابات لا تُطلب من المنصة، بل من العقل المُفكّر خلفها. ومن دون فلسفة، سيظل الفن يُغنّى بلا معنى، ويُحتفل به كفعلٍ خاوٍ، يُقام كي لا يُلغى، لا كي يُكتب.

هذه الكلمة ليست رفضًا، بل رجاءٌ في أن يُراجع القائمون أنفسهم، ويُعيد المهرجان تعريف نفسه لا بالجمهور الذي يحضره، بل بالروح التي يجب أن تحمله. ففن الراي يستحق أكثر من ديكور صوتي، ووجدة تستحق أكثر من مناسبة. تستحق مشروعًا ثقافيًا يُدار بالعقل، ويُنظّم بالإحساس، ويُحتفل به كأنّه وجهها الحقيقي، لا قناعها العابر.

وكل مهرجان وأنتم…

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.