- عبد اللطيف مجدوب
تعد مقولة “الحق يعلو ولا يُعلى عليه” من المبادئ الأخلاقية التي قامت عليها القوانين الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، لكن الواقع الجيوسياسي الراهن يطرح سؤالاً صادماً: هل أضحت القوة هي التي تصنع الحق؟ إن المتأمل في المشهد العالمي يجد أن لغة السلاح والتوسع باتت تطغى على لغة الدبلوماسية والقانون.
صعود اليمين وتجار الحروب: عودة “الأنا” الوطنية
يشهد العالم تحولاً جذرياً في المزاج السياسي، حيث تراجعت قيم العولمة والتعاون الدولي لصالح التيارات اليمينية والشعبوية. هذه التيارات تعلي من شأن القوة الصلبة وترى في المؤسسات الدولية عائقاً أمام مصالحها القومية الضيقة.
* نجم تجار الحروب: مع زيادة التوترات، انتعش دور “تجار الحروب”؛ فالمجمع الصناعي العسكري في الدول الكبرى بات يوجه السياسات الخارجية لضمان استمرار الصراعات التي تدر الأرباح، مما جعل البقاء للأقوى تسليحاً وليس للأكثر التزاماً بالمواثيق.
الثورة التكنولوجية: القوة في ثوبها الرقمي
لم تعد القوة تقاس بعدد الجنود، بل بمدى التطور التكنولوجي الذي جعل “الحق” لمن يمتلك التكنولوجيا الأسرع والأنظمة الأذكى.
* طائرات الدرون: غيرت المسيرات مفهوم السيادة؛ إذ تتيح للدول القوية استهداف عمق الدول الأخرى دون تكلفة بشرية، مما جعل قرار الحرب “سهلاً” ومستهتراً بالحدود الدولية.
* الأسلحة السيبرانية: باتت القدرة على شل البنى التحتية للدول سلاحاً يفرض واقعاً جديداً، حيث يُنتزع “الحق” عبر لوحات المفاتيح والقرصنة قبل الميدان.
شهية التوسع وقانون الغاب
فتحت التدخلات الأمريكية في شؤون فنزويلا ومحاولات فرض الأنظمة شهية قوى أخرى للتوسع الجغرافي. نرى اليوم الصين تتحرك بحزم في بحر الصين الجنوبي، وقوى أخرى تسعى لفرض الأمر الواقع.
* التهديدات المباشرة: تعيش دول في أمريكا اللاتينية وآسيا، وبالأخص إيران، تحت وطأة تهديدات أمريكية مستمرة، مما يكرس منطق “الترهيب” كبديل عن الحوار الدولي.
اقتفاء “النموذج الأمريكي” في ضمان الأمن
أخطر ما يواجه العالم اليوم هو تحول السياسة الأمريكية إلى “كتالوج” تقتفي أثره دول أخرى لشرعنة تدخلاتها. لم يعد مفهوم “الأمن القومي” يتوقف عند الحدود، بل أصبح مبرراً لاختراق سيادة الآخرين.
* إسرائيل كنموذج: تتبنى إسرائيل سياسة “الأمن الاستباقي” مقتدية بالنهج الأمريكي؛ فهي تمنح لنفسها الحق في التدخل العسكري في لبنان وسوريا والصومال وإيران، بحجة حماية أمنها. هذا الاقتفاء حوّل العالم إلى ساحة مستباحة للقوى القادرة تكنولوجياً، حيث يتم استبدال “الحق القانوني” بـ “الضرورة الأمنية” المفصلة على مقاس الأقوياء ،
هل العالم ذاهب إلى “قانون الغاب”؟
إن استنساخ هذه السياسات وتعميمها ينذر بعودة البشرية إلى “قانون الغاب”، حيث القوي يحدد القواعد والضعيف عليه الانصياع. غياب الرادع الدولي جعل من “القوة” المصدر الوحيد للشرعية، وما يراه القوي “أمناً” يراه الضعيف “احتلالاً وعدواناً”.
الحاجة الماسة لإعادة هيكلة الأمم المتحدة
أمام هذا التغول للقوة، باتت الأمم المتحدة بشكلها الحالي عاجزة ومشلولة، وهي بحاجة ماسة إلى إعادة هيكلة جذرية:
* تجاوز هيمنة القوى الكبرى: يجب إنهاء احتكار “الفيتو” الذي يُستخدم غالباً لحماية المعتدين.
* مواكبة العصر: وضع قوانين دولية صارمة تجرم الحروب السيبرانية واستخدام الدرون خارج نطاق الدفاع الشرعي الحقيقي.
* تفعيل العدالة: لكي لا تبقى القوة هي صانعة الحق، يجب أن تخضع جميع الدول، دون استثناء، لسلطة القانون الدولي.
وكخاتمة، يمكن القول إن القوة دون أخلاق هي طغيان، والقانون دون قوة تحميه هو عجز. إن التحدي الراهن هو إعادة الاعتبار لـ “قوة الحق” في وجه “حق القوة”، قبل أن ينزلق العالم تماماً إلى صراع لا يُبقي ولا يذر.








