سقوط الإنسانية من جزيرة إيبستين إلى أوهام الحرب أترامبية الكبرى

admin
2026-03-09T21:14:38+01:00
مقالات رئيس التحرير
admin9 مارس 2026آخر تحديث : منذ 3 أشهر
سقوط الإنسانية من جزيرة إيبستين إلى أوهام الحرب أترامبية الكبرى
  • مصطفى قشنني

ليس ثمة ما هو أكثر هولاً من أن تعيش في زمن تتساقط فيه الأقنعة عن وجوه كانت تحتكر لنفسها حق تعريف الخير والشر، وتوزيع صكوك الأخلاق على العالم. في تداعي الأحداث المتسارع، حيث تتصادم الفضائح مع الرصاص، يتجلى لنا وجه العالم العاري؛ ذلك الوجه الذي أتقن فن إدارة الإبصار، وطمس معالم الحقيقة تحت أضواء الكاميرات المتجولة. إنها حقاً عظمة السيناريو وهول الإخراج، ذلك التحول البهلواني المذهل من مشهدية الجنس الأسود والابتزاز السياسي في جزيرة إيبستين، إلى مشهدية الموت والدمار تحت قصف صواريخ “الدفاع عن النفس” و”الأمن الإقليمي”. إنها ليست مجرد صدفة زمنية، بل هي فلسفة متقنة لتحويل الانتباه، وإعادة تدوير الذهول الجمعي للبشرية. وسواء كنا إزاء التعتيم على ملف إيبستين، ذلك الملف الذي يفضح تورط النخبة العالمية في أبشع صور الاتجار بالبشر واستغلال الأطفال، أو كنا إزاء التعبئة الإعلامية والسياسية لشن حرب جديدة على إيران بدعوى حماية الأمن الدولي، فإن النتيجة واحدة، والخيط الناظم واحد: لقد أصبح النظام العالمي أقرب إلى مسرح للعرائس، تتحرك دماه بأيدي قذرة، في غياب أي رقيب أو محاسب، وتحت أنظار مؤسسات دولية تحولت إلى تماثيل شمعية تبتسم في وجوه ضحايا يُذبحون.

كان العالم مشدوهًا، يتابع فصول مسلسل الجريمة المنظمة الذي كشف عن خيوط تمتد من أقبية الشهوة إلى قاعات القرار. كان الفضول الإنساني يترقب لحظة انكشاف القناع عن الوجوه الحقيقية التي كانت تضحك على الضحايا تحت ستار النفوذ والمال. كانت الوثائق المتسربة تعد بزلزال أخلاقي وسياسي، قد يعيد تشكيل مفهوم العدالة، ويدكّ حصون الإفلات من العقاب التي بناها نبلاء العالم الجديد على جماجم الأبرياء. لكن، وكأن خيوط اللعبة ارتجفت، فجأة، وبأمرٍ آلي، تحولت الكاميرات باتجاه الشرق الأوسط. يا له من مشهد مدهش! لقد تحول المخرج العالمي من تصوير فيلم الإثارة النفسية “أصدقاء إيبستين”، إلى فيلم الملحمة الحربية “الخير المطلق ينتصر على الشر المطلق”. لقد تغيرت المفردات، وتبدلت الأدوار. ففي لحظة، تحول المجرمون المتهمون بالاتجار بالبشر واستغلال الأطفال، إلى حراس أمن مزعومين للعالم. وتحولت الفضائح الأخلاقية إلى هموم وجودية بشأن تخصيب الأورانيوم وانتاج القنبلة النووية،وكأن السردية الكبرى تهمس في آذان الجماهير: “لا تنظروا إلى تحت أقدامنا حيث تغرق سفينة القيم، انظروا إلى الأفق حيث يلوح شبح الخطر القادم من الشرق”.

إن تحويل البوصلة من جزيرة اللورد إيبستين إلى سماء طهران، ليس مجرد خبر عاجل يزيح آخر. إنه تجسيد حي لنظرية “التوهيم السياسي”، حيث يتم خلق عواصف خارجية بهدف إغراق السفينة التي تتسرب منها المياه من أسفل. فبينما ينتظر العالم كشف أسماء الذين تعاونوا مع شبكة الجنس العالمية، تندلع حرب بالوكالة، أو تهديدات نووية وهمية، لتعيد تشكيل التحالفات وتذيب الغضب الشعبي في بوتقة الوطنية المزيفة والخوف من الآخر. إن السخرية الكونية تبلغ ذروتها عندما نرى أن من يتهم إيران بالسعي نحو الهيمنة والقنابل الذرية، هو نفس الكيان الذي يمتلك ترسانة نووية هائلة وغير خاضعة لرقابة دولية، وهو نفس التحالف الذي صنع داعش وغذى الصراع الطائفي ليجعل من المنطقة جحيماً لا يطاق. إنهم يتحدثون عن “حماية الأمن الإقليمي” بينما أيديهم لا تزال ملطخة بدماء الأطفال في غزة واليمن ولبنان، وفي الوقت الذي تكشف فيه وثائق إيبستين عن تواطؤ أجهزة استخبارات كاملة في ابتزاز القادة وصناعة القرار.

إن المشهدية المتكاملة التي تجمع بين فضيحة إيبستين والتهديد بإشعال المنطقة، ليست مجرد صدفة، بل هي انعكاس لحالة مرضية تستوطن بنية النظام الدولي نفسه. فالأمر لم يعد مجرد فضائح أخلاقية طارئة يمكن احتواؤها، ولا حتى صراعات جيوسياسية عابرة يمكن تسويتها. لقد تحول الأمر إلى فلسفة وجودية تتساءل: من الذي يحدد معايير الإنسانية اليوم؟ من هو المخول له أن يتحدث باسم الضمير العالمي، بينما يده اليمنى توقع على عقود أسلحة تدمر مدناً بأكملها، ويده اليسرى تخفي أدلة إدانة أصدقائه في جرائم غسل أموال واغتصاب قاصرين؟ نحن هنا أمام نظرية متقنة لـ”إدارة الأزمات عبر هندسة الفوضى الخلاقة”. فالمشكلة ليست في وجود مجرمين أو أنظمة فاسدة، فذلك جزء من المعادلة. المشكلة الحقيقية هي في القدرة الفائقة على تحويل الأنظار وتجديد الشرعية. فعندما تصبح جرائم إيبستين مجرد “خبر قديم” طواه النسيان تحت وقع انفجارات الحرب الجديدة، يكون الجاني قد حقق هدفه الأسمى: محو الذاكرة الجماعية، وخلق واقع جديد تُكتب قواعده على أنقاض الحقيقة.

إن المؤسسات التي خرجت من رحم الحرب العالمية الثانية، تلك التي كانت حلماً إنسانياً ببناء نظام يمنع تكرار الكوابيس، ها هي اليوم تتحول إلى كوابيس بذاتها. الأمم المتحدة، التي كان يفترض بها أن تكون صوت العقل الجامع، أصبحت مجرد آلة تصويت يديرها المحور الغربي وفق مزاجه. ومجلس الأمن، ذلك المجلس الذي يحمل في اسمه وعداً بالأمان للبشرية، تحول إلى نادٍ حصري لأصحاب الفيتو، حيث يمارسون حق النقض ليس دفاعاً عن العدالة، بل دفاعاً عن مصالحهم وحلفائهم مهما بلغت جرائمهم. وعندما يتعلق الأمر بالقضايا العربية والإسلامية، يسقط القناع تماماً، وتتجلى الازدواجية في أبهى صورها: قتل الفلسطينيين هو “دفاع عن النفس”، ومقاومة الاحتلال هي “إرهاب”، وامتلاك إيران برنامجاً نووياً مدنياً هو “تهديد للعالم”، بينما الترسانة النووية الإسرائيلية غير الخاضعة لأي رقابة هي “حاجة أمنية مشروعة”. لقد وصل بنا الحال إلى نقطة أصبحت فيها المحكمة الجنائية الدولية، التي يفترض أن تملأ الدنيا صراخاً إذا ما انتهكت دولة صغيرة حقوق إنسان، تكتفي بإصدار بيانات استنكار حين تُسوى أحياء بأكملها بالأرض في غزة. والمجلس الأوروبي لحقوق الإنسان، الذي يرفع شعارات الحرية والمساواة، يجد ألف عذر ليتغاضى عن تواطؤ حكوماته في برنامج إيبستين للإباحة الجنسية، لأن المتورطين ليسوا مجرمين عاديين، بل شخصيات نافذة تتحكم في الاقتصاد والإعلام والقرار السياسي.

إنها ليست مجرد ازدواجية معايير، بل هي انهيار كامل لمنظومة القيم التي بيعت للعالم على أنها الحضارة الغربية المتفوقة. لقد انكشف الآن أن ما كان يسمى “القيم العالمية” هو مجرد غطاء لمصالح ضيقة، وأن “حقوق الإنسان” أصبحت ورقة ضغط تمتهن يومياً، تستخدم ضد الخصوم وتُعلَّق على الرف حين يتعلق الأمر بالأصدقاء. وهذا يقودنا إلى سؤال جوهري: إذا كانت المؤسسات التي بُنيت لتحمي الإنسان من وحشية السلطة قد سقطت في وحشية السلطة نفسها، فأين يبقى الإنسان؟ وأين يذهب ليشتكي حين يكون المشتكى به هو القاضي نفسه؟ لقد تحول النظام العالمي إلى كيان فاسد لأن من يديرونه هم أناس فاسدون حتى النخاع. فاسدون ليس فقط بالمعنى الأخلاقي، رغم أن علاقة إيبستين بقادة الفكر والسياسة في الغرب كشفت عن فساد أخلاقي لا حدود له. بل فاسدون بالمعنى السياسي والوجودي: يمارسون الفساد وهم يخطبون في منابر الإصلاح، يسرقون ثروات الشعوب وهم يتحدثون عن الشفافية، يدمرون الدول وهم يرفعون شعارات الديمقراطية، يقتلون الأطفال وهم يتباكون على حقوق الإنسان. إنه فساد مزدوج: فساد الفعل نفسه، ثم فساد الخطاب الذي يغطي على هذا الفعل.

وهكذا، يظل العالم يدور في فلك هذه الثنائية: بين فضائح الداخل وأوهام التهديدات الخارجية. وبينما يبحث المحققون عن وثائق إيبستين في أقبية نيويورك، تنهمر القنابل الذكية على المدن المأهولة. وفي النهاية، يدفع الثمن دائماً من هم خارج دائرة الضوء: الضحايا الصغار في جزيرة الشيطان، والضحايا الصغار تحت الأنقاض في غزة وبيروت ودمشق واليمن . إنها معادلة إنسانية مروعة، حيث تُصنع الحروب لتغطي على الجرائم، وتُخلق الأزمات لتبرر التحالفات. في هذه اللحظة التاريخية الدقيقة، حيث تتكشف الفضائح وتتساقط الأقنعة، لم يعد ممكناً لأحد في العالم العربي والإسلامي أن ينتظر الخلاص من هذه المؤسسات التي خانته. لقد أثبتت التجارب أن الأمم المتحدة لن تحمي الفلسطيني من الرصاصة الإسرائيلية، وأن المجلس الأوروبي لن يحمي المسلم من وصمة الإرهاب، وأن المحكمة الجنائية الدولية لن تحمي العربي من سرقة ثرواته. إنها دروس قاسية، لكنها ضرورية: النظام العالمي الحالي ليس فقط غير قادر على تحقيق العدالة، بل هو في حقيقته آلة لإنتاج الظلم وتكريسه، ولله الأمر من قبل ومن بد.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.