صح النوم.. في تأبين ساعة العذاب وهزيمة توقيت ماما فرنسا..

admin
2026-06-26T01:47:23+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin26 يونيو 2026آخر تحديث : منذ 12 ساعة
صح النوم.. في تأبين ساعة العذاب وهزيمة توقيت ماما فرنسا..
  • مصطفى قشنني

في لحظة تاريخية لا تقل أهمية عن لحظة إعلان الاستقلال، وإن كانت أقلّ منها ضجيجاً وأعلى منها غفوةً، أعلن عزيز أخنوش، رئيس الحكومة ، أن عقارب الساعة في المملكة ستعود إلى أصلها الفطري، إلى توقيت غرينيتش، إلى الساعة التي خلق الله عليها المغاربة قبل أن يفتعلها بيان حكومي في أكتوبر من عام 2018. لم يكن القرار وليد لحظة عتاب مع الذات، ولا استيقاظاً ضميرياً مفاجئاً في الدقيقة التسعين من عمر حكومة يعتبرها البعض “فاشلة بإمتياز” بل جاء -حسب ما صرح به رئيس الحكومة- “استجابة لمطالب المواطنين”، وهي جملة فضفاضة تحمل في طياتها من السخرية ما يعادل ما تحمله ساعة إضافية من دقائق التعب والعنت. إنها لحظة فلسفية بامتياز، تلك التي يعترف فيها رئيس الحكومة بأنه كان مخطئاً، وفي  أن الساعة الإضافية التي دافع عنها حتى رمت بظلالها على كل شيء، كانت غير قانونية، وكأن لسانه اعترف بما لم تعترف به حكومته طيلة سنوات العذاب الزمني.

أيّ ماء جرى تحت الجسر حتى يصل بنا الحال إلى هذا الانقلاب الزمني العجيب؟ إنه ماء الفشل الذريع، ماء الانتخابات المقبلة الذي يجرّ مراكب النجاة لمن يملك شراعاً، ها هو أخنوش يكتشف فجأة أن الساعة القانونية هي الحل، بعد أن كانت الدراسة العلمية التي بُنيت عليها الساعة الإضافية هي الدليل الأوحد الذي لا يقبل الجدل، إنها القناعة السياسية التي تتشكل تحت وطأة “البلوكاج” الشعبي، وتحت رائحة اقتراع الخريف، حيث تتبخر الدراسات العلمية كما يتبخر الندى تحت شمس القرار الشعبي الجارف. لقد كان أخنوش في لحظة شروده العجيبة هذه أشبه برجل أيقظته كوابيس مواطنيه، فأسرع يقلب الوسادة ويعيد عقارب الساعة إلى وضعها الطبيعي، وكأنه يمسح عرق جبينه بعد كابوس طويل، متناسياً أنه هو من كرّس هذا الكابوس بيديه وأطال في تأمينه بكل ما أوتي من قوة قانونية وتبريرات علمية واهية.

ولماذا الآن وليس في بداية حكومته المشؤومة على المغرب؟ هنا يكمن السؤال الأكثر عمقاً، والأكثر إيلاماً للعقل المغربي الجمعي، لماذا لم يُقدِم على هذه الخطوة السيادية منذ البداية؟ لماذا انتظر حتى هرم المغاربة تحت وطأة ساعة زائفة وهم يجرون خلف أوهام التنمية الاقتصادية التي لا تتحقق بزيادة ساعة أو نقصانها؟ الجواب يأتي مع رياح الحملات الانتخابية التي لا تعرف ساعة قانونية ولا توقيتاً بيولوجياً، إنها رياح تدفع المرء إلى التبرؤ من ماضيه كي يضمن مستقبله، أخنوش يريد أن يبيع للمغاربة “ساعة نوم إضافية” مقابل أصواتهم، وكأنه يمنحهم هبة السماء بعد أن سلَبهم إياها لسنوات، ثم يتفاجأ بأنهم ابتهجوا لهذا الإجراء وكأنه عيد وطني، وكأن ساعة نوم إضافية تكفي لتعويض سنوات من الإرهاق الزمني والخلل البيولوجي الذي زرعه في أجسادهم.

أما عن “الدراسة العلمية” التي تبخرت بقدرة قادر، فلقد قيل لنا إن زيادة الساعة كانت في صالح الاقتصاد الوطني والطاقة، وفي صالح الشركات العابرة للقارات وخاصة الفرنسية منها، ذهب البعض إلى أن المدير العام لشركة رينو هو من طالب بهذا التوقيت لتتناغم مصانعه مع أوروبا، وكأن المملكة أصبحت ضيعة تابعة لجدول إنتاج سيارات فرنسية، ولكن مع رحيل غصن عن المشهد، وتغير المعادلات الاقتصادية، تبخرت الحاجة إلى الساعة، وسيعود المواطن المغربي ليتمتع بنومه وكأن الاقتصاد الوطني كان مرهوناً بفارق ساعتين بين الدار البيضاء وباريس، وكأن كل الدراسات التي بُنيت عليها تلك الساعة الإضافية كانت مجرد أكذوبة كبرى تساقطت كأوراق الخريف أمام أول ريح سياسية عاتية، فيا للعجب! كيف نبني اقتصاداً على عقارب ساعة، ثم نهدمه بعقارب ساعة أخرى، وكأننا نلعب بالناتج المحلي الإجمالي كما يلعب الأطفال بالرمل على شاطئ البحر.

إنها لحظة ساخرة بإمتياز، تفضح تناقضات السلطة، أخنوش اليوم يعترف بأن الساعة التي دافع عنها كانت غير قانونية، وكأن لسانه انفلت منه ليكشف ما كان يخفيه عن المغاربة طوال هذه السنوات، إنه يعترف بأن الحكومة كانت تعيش خارج القانون طيلة فترة التوقيت الصيفي، فكيف يتماهى مع قانون ثم يعلن بعد سنوات أنه كان غير قانوني؟ هل هذه هي اللعبة السياسية التي يتقنها رجال الدولة؟ أم أن الأمر مجرد “زلة لسان” مباركة كشفت الحقيقة التي كنا نعرفها دون أن نصرّح بها، أن كل شيء في هذه الحكومة مبني على وهم، وأن الساعة الإضافية لم تكن سوى رمز لاستتباع سياسي وثقافي لفرنسا أكثر مما كانت مشروعاً وطنياً.

صح النوم أيها المغاربة! نعم، سيزيد نومكم ساعة، وستشعرون بأن الشروق والغروب يعودان إلى نصابهما الطبيعي، ولكن اسألوا أنفسكم: كم ساعة من العمر ضاعت بسبب هذه الساعة الزائفة؟ كم طفلاً تأخر عن مدرسته؟ كم موظفاً أصيب بالاكتئاب بسبب خلل الساعة البيولوجية؟ كم فلاحاً ضلّلته عقارب الساعة في مواسم الزرع والحصاد؟ هذه ليست مجرد ساعة، هذه فلسفة حكم بأكملها، هذه نظرة الدولة للمواطن كمتلقٍ سلبي لا يملك من أمره شيئاً، يُنظّم وقته وفق مزاج الحكومة وعلاقاتها الدولية، ثم فجأة، وبقدرة قادر، تعود الأمور إلى نصابها القانوني، وكأننا في فيلم كوميدي أخرجه مخرج عبثي لا يهمه من المنطق سوى أن يضحك الجمهور على تناقضات البطل.

إننا نحتفل اليوم ليس بعودة الساعة القانونية فحسب، بل بتراجع السلطة أمام حكمة الشارع، نحتفل باعتراف ضمني بأن المغاربة كانوا على حق طوال الوقت، وأن دراسات الحكومة كانت مجرد غطاء لتلميع قرار “الفرانكفونية” الزمني، إن أخنوش اليوم يقدم لنا درساً في القيادة المرتجلة، يعلن قراراً ثم يتراجع عنه، يبني دراسة ثم يهدمها، يتشدق بالقانون ثم يعترف بأنه كان خارج القانون، وكأن الحكم مجرد نزهة في حديقة السياسة، نلتقط فيها ما يعجبنا ونرمي ما لا يعجبنا دون أدنى اعتبار للثوابت أو المبادئ، إنها لحظة يانعة من لحظات العبث السياسي التي تجعل المرء يتساءل: هل نحن في دولة تحكمها المؤسسات أم تحكمها المزاجية الشخصية والمحسوبيات الدولية؟

صح النوم، لقد حررنا عقاربنا من دكتاتورية “غرينيتش+1” التي كانت أشبه بجبار فرعوني يفرض علينا أن نستيقظ قبل شروق الشمس كي نرضي المصالح الفرنسية ونخدم أجندة الشركات العابرة للقارات، أما الآن ونحن نستعد للعودة إلى القانون، فلننام قريري العين، ولكن لا تنسوا أيها النيام الأعزاء، أن الساعة التي أضاعوها من أعمارنا لا يمكن لأي مرسوم حكومي أن يعيدها، وأن الدقائق التي سرقت من نومنا وهدوئنا وتوازننا البيولوجي ذهبت إلى غير رجعة، وكأننا في سباق مع الزمن الذي يضحك علينا من خلف الستار، وكأننا في مسرحية عبثية يلعب فيها الحكام دور الأطباء الذين يمرضونك ثم يعالجونك، ويضيعون وقتك ثم يهدونك ساعة نوم إضافية، وكأنهم يمنحونك هبة من فضلهم بعد أن سلَبوك إياها بغير حق، وهذه هي الكوميديا السوداء التي نعيشها جميعاً في المغرب اليوم؛ نضحك حتى لا نبكي على زمن ضاع هباءً تحت وطأة قرار فوقي لا يعرف من القانون سوى اسمه، ومن العلم سوى مبرراته، ومن المواطن سوى صوته في صندوق الاقتراع كل خمس سنوات، فصح النوم أيها المغاربة، صح النوم في ساعة قانونية أتت متأخرة كما يأتي الصبح بعد ليل طويل من التيه الزمني، ولكن لا تسألوا عن غد، فالغد قد يحمل ساعة جديدة لا نعلم من أي توقيت ستكون، ومن أي دولة ستستورد عقاربها.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.