- مصطفى قشنني
في ردهات السلطة المغربية إبان زمان كان يطلق عليه سنوات الجمر والرصاص، كان إدريس البصري يُشبه أمير صغير. وزير الداخلية الذي صارت وزارته بقدرة قادر “أم الوزارات”، كأنما الوزارات الأخرى بنات غير شرعيات من زيجات عابرة. الرجل الذي كان يملك مفاتيح وأقفال المملكة بأسرها، كان الملك الراحل الحسن الثاني يراه عينه اليمنى قبل اليسرى، كان عينه التي لا تنام، بل كان يراه النظارة التي يرى بها كل شيء في بلاد المغرب الأقصى وأكثر من ذلك كان السيف المُسلط على رقاب العباد . ثم ماذا؟ تحول الرجل فجأة إلى ظل يتيم، يُحرم من جواز سفره كما يُحرم الطفل من لعبة عيد ميلاده، ليموت في منفاه الإضطراري، كطائر بأجنحة مكسورة، كجواز سفر بلا تأشيرة. نعم كان إدريس البصري في ذروة سلطته يوزع الحرمان كالماء، يمنح جوازات السفر لمن يشاء، ويسحبها ممن يشاء، يفتح السجون لمن يشاء، ويغلقها على من يشاء، كان هو القانون، وهو التنفيذ، وهو القضاء، وهو الدولة وهو كل شيء. لكنه نسي أن السلطة التي تمنحك القدرة على حرمان الآخرين، هي نفسها السلطة التي ستُستخدم ضدك يوماً ما، لأن السلطة لا تعرف الولاء، ولا تعرف الجميل، ولا تعرف الماضي، السلطة تعرف فقط الحاضر، تعرف فقط من يمسك بها الآن وليس غدا .
بينما ننتقل بسلاسة درامية ساخرة إلى عصر “النقيب” محمد زيان، أول وزير لحقوق الإنسان، الرجل الذي حمل راية الدفاع عن الآخرين ثم أصبح قضية تحتاج إلى من يدافع عنها، ذلك النقيب الليبرالي الذي تحول من محامي الدولة إلى سجينها، والآن في زنزانته بسجن العرجات قرب الرباط، تسربت إلينا معلومات تفيد بمنعه من شراء الحليب والبيض من دكان السجن، وكأن الدنيا تقول له: “أنت الذي كنت توزع الحقوق، الآن سنمنعك حتى من حقك في وجبة فطور تليق بك كإنسان وليس كوزير حقوق إنسان سابق”.
وهنا تتحول السلطة إلى ذلك الوحش الجائع الذي لا يشبع إلا بأكل رغبات الآخرين، ويتحول الحرمان إلى لغتها الأم، التي لا تتكلم غيرها
من هنا، نطرح السؤال الفلسفي الأعمق: لماذا السلطة لا تستطيع أن تعيش دون حرمان؟ لماذا كلما ازدادت السلطة ازداد الحرمان؟ ربما لأن السلطة، في تعريفها الأكثر بدائية، هي القدرة على التحكم في الموارد، والموارد محدودة، لذا فالتحكم فيها يعني حرمان الآخرين منها. لكن السلطة في المغرب، وفي العديد من الأنظمة الشبيهة، تتجاوز هذا التعريف الاقتصادي البسيط، لتتحول إلى فلسفة وجودية، حيث الحرمان ليس وسيلة، بل هو غاية في حد ذاته، هو الطريقة التي تؤكد بها السلطة وجودها، هي لغتها الأم، وهي هويتها الوحيدة. فالسلطة التي لا تحرم هي سلطة غير موجودة، وكأنها تحتاج إلى حرمان الآخرين لتشعر بأنها حية، وكأنها مصاصة دماء تتغذى على حرمان ضحاياها. وهنا نجد تشابهاً مع فلسفة نيتشه عن الإرادة إلى القوة، حيث القوة لا تعني فقط السيطرة، بل تعني أيضاً القدرة على الإيلام، لأن الإيلام هو دليل القوة، هو البرهان على أنك تتحكم في الآخرين، وأنهم ليسوا أحراراً، وأن حياتهم ليست ملكاً لهم، بل هي رهن بإشارتك. وفي هذا السياق، يصبح الحرمان أداة معرفية، وسيلة لتعليم الآخرين درساً لا ينسى: أنك لست شيئاً، وأن ما كنت تملكه لم يكن ملكاً لك، وأن كل شيء يمكن أن يُسحب في أي لحظة، وأن الكرامة التي كنت تظن أنك تملكها كانت مجرد هبة من السلطة، وهبات السلطة قابلة للإسترداد و الإلغاء في أي وقت.
أيها السادة، هذه ليست مجرد قصتين متوازيتين، بل هي موسيقى تناقضية يعزفها الزمن المغربي على أوتار متنافرة. من سخرية القدر أن يكون الرجل الذي أصبح يُطلق عليه “شيخ المعتقلين المغاربة” الآن هو نفسه الذي يُمنع من أبسط حقوق السجين، وكأن السجن يحكي حكايته بشكل مقلوب، أو كأن الأقدار تمارس رياضة القفز على الحواجز بين الماضي والحاضر، لتخبرنا أن التاريخ لا يتكرر فقط، بل إنه يمرح مع ضحاياه بسخرية لا نهائية.
هناك فلسفة عميقة في هذا التشابه، إنها فلسفة “الدائرة المفرغة” حيث يبدأ الإنسان قوياً وينتهي ضعيفاً، ويبدأ وزيراً وينتهي سجيناً، ويبدأ كمن يملك الحياة وينتهي كمن يُمنع من جوازها. إنها رحلة العجب العجيبة التي يخوضها كل من يظن أن السلطة لا تنفد، وأن النفوذ أبدي، البصري الذي كان “الكل في الكل” تحول إلى “لا شيء”، ومحمد زيان الذي كان يكتب مضامين الدستور بيده، أصبح يقرأه خلف القضبان، بل ويقرأ في عينيه مرآة ماضيه الذي كان يحلم بالتغيير، وهو الآن يدفع ثمن أحلامه من جيبه الخاص، ولكن الجيب فارغ هذه المرة لأن ثمن البيض والحليب في دكان السجن أغلى من بعض القضايا التي دافع عنها.
لا نستطيع أن نمر بسرعة على هذه السخرية التاريخية دون أن نلتفت إلى عنصر كوميدي ساخر يتمثل في تحولات الأدوار: البصري الذي كان يوزع جوازات السفر، يُحرم من جواز سفره. والنقيب الذي كان يوزع الوعود، يُحرم من البيض والحليب. كلاهما ضحايا نظام أحدهما كان يُديره والآخر أصبح يُعارضه، ولكن النتيجة واحدة: الحرمان. وما أجمل أن تقول الأقدار لرجل بقوة البصري: “أنت الذي كنت تتحكم في حدود الدولة، الآن حدودك تنتهي عند بوابة المنفى”. وأن تقول للنقيب زيان: “أنت الذي كنت تنادي بحقوق المعتقلين، الآن صرت واحداً منهم لكن مع اختلاف بسيط، أنت لا تصل حتى إلى علبة حليب”.
لكن، دعونا نتأمل المشهد من زاوية أوسع، إنها لعبة “الكارما السياسية” التي نادراً ما تخطئ. فالسلطة في المغرب، كالرمال المتحركة، من يقف عليها بقوة يغرق بسرعة، ومن يمشي بحذر قد يسقط أيضاً، لكن السخرية تأتي في لحظة الإسقاط نفسها، عندما يتحول البطل إلى ضحية، وصانع القرار إلى متلقٍ للأوامر. وهنا نجد أن الحرمان ليس مجرد عقوبة، بل هو جزء من منهجية الدولة في التعامل مع من خرج عن السرب، حتى لو كان هو الذي كان يقود السرب بالأمس. البصري كان يعرف أسرار ودهاليز السلطة، وكان شاهداً على لحظات ضعفها وقوتها، لكنه نسي أن الأسرار في المغرب مثل الألعاب النارية، لحظة انفجارها تحرق من أطلقها أولاً.
أما محمد زيان، الشيخ الذي أصبح رمزاً للمعتقلين المغاربة، فيبدو أن قصة اعتقاله تحمل في طياتها سخرية من الدرجة الأولى. كان وزيراً لحقوق الإنسان في حكومة عبد اللطيف الفيلالي أي الحكومة التي سبقت حكومة التناوب، كان المفترض أن يكون صوت الضمير، لكنه تحول إلى قضية، ومن قضية إلى أسطورة، ومن أسطورة إلى سجين يتربع الآن على عرش “شيخ المعتقلين”. وإذا كان البصري قد توفي في منفاه – الباريسي – خارج البلاد، فإن زيان يعيش منفاه داخل سجن العرجات، والأغرب أن كليهما عاشا تجربة الحرمان، لكن الأول حُرم من جواز سفر، والثاني يُحرم من حقه في الشراء من دكان السجن. هل هناك فرق حقاً بين من يُمنع من السفر ومن يُمنع من الشراء؟ كلاهما حرمان، لكن الأول حرمان من الخارج، والثاني حرمان من الداخل، وفي النهاية كلاهما حرمان من الإنسانية.
النقطة الأكثر فلسفية هنا هي مسألة الزمن. الزمن الذي يمر، والأمس الذي يصبح اليوم، واليوم الذي سيكون غداً. ما أشبه اليوم بالأمس، كما يقول المثل العربي القديم، وهذا التشابه ليس سطحياً، بل هو بنيوي في تكوين السلطة المغربية التي تعيد إنتاج نفسها بنفس الآليات، تارة باسم “سنوات الرصاص” وتارة باسم “التناوب التوافقي”، ولكن النهاية واحدة: من يصعد إلى القمة قد يهوي، ومن يهوي قد يجد نفسه تحت الأرض مباشرة.
وهنا نصل إلى عنصر الخيال الواسع، وهو أن نتخيل مشهداً درامياً يجمع البصري وزيان في عالم افتراضي. البصري يحاول شرح قواعد اللعبة لزيان: “أيها النقيب، أنت لا تعرف شيئاً عن الحرمان، أنا حُرمت من جواز سفري، وفاتني حفل زفاف ابنتي …”. فيجيب زيان: “وأنت يا السي إدريس، لا تعرف شيئاً عن الحرمان الحقيقي، أنا حُرمت من البيض الطازج، وتخيل أن تكون سجيناً وترى الآخرين يشترون حليبهم بينما أنت تنظر مثل طفل يشاهد الحلوى من خلف الزجاج”. ثم يتفقان على أن الحرمان ملة واحدة، بغض النظر عن شكله، لأن جوهره هو انتهاك للإرادة، وتذكير بأنه لا أحد فوق القانون، حتى أولئك الذين كانوا يكتبونه.
لكن السخرية الأكبر أن البصري كان قوياً بما يكفي لتغيير القوانين، لكنه لم يستطع تغيير حظه، ومحمد زيان كان وزيرا لحقوق الإنسان، لكنه لم يستطع ضمان الحق لنفسه عندما حان دوره. وكأن الحياة تقول لهما: “أنتما كنتما تعتقدان أنكما تملكان الدفة، ولكن الدفة هي التي كانت تملككما”. هذه الفكرة تذكرنا بنظرية “السلطة كالسيف” التي تقول: من يمسك السيف يعتقد أنه يتحكم به، لكنه في الحقيقة عبد له، لأنه لا يستطيع أن يتركه دون أن يتعرض للطعن.
ومن الطريف أن نتخيل لو كان البصري يعيش اليوم ورأى ما آل إليه حال زيان، كان سيضحك ضحكة المقهورين الذين يرون غيرهم يمر بنفس محنتهم، ثم سيبكي لأن الأقدار تكرر نفسها، لكن مع اختلاف الأدوات. في زمن البصري كانت أدوات الحرمان هي جوازات السفر والإقامة الجبرية، وفي زمن زيان أصبحت أدوات الحرمان أكثر تفاهة: البيض والحليب والجبن. أهكذا تطورت الدولة؟ من منع السفر إلى منع الأكل؟ أم أن هذه هي لعبة السلطة الجديدة التي تريد أن تقول: “نحن لا نمنعكم من الخروج، فقط نمنعكم من الأكل والشرب حتى تموتوا جوعاً وقهرا في الداخل”؟ هنا نجد فكرة كوميدية سوداء: أن تكون سجيناً وتحرم من شراء الحليب، يعني أن الدولة تريد أن تحولك إلى نباتي قهري، لكنها تنسى أن النباتيين أيضاً يأكلون.
وبالعودة إلى السؤال الفلسفي الكبير: ما الذي يجعل الحرمان أكثر إيلاماً؟ هل هو الحرمان من الحرية، أم الحرمان من الكرامة، أم الحرمان من البيض والحليب؟ ربما يكون الحرمان من الكرامة هو الأقسى، لأن جواز السفر يمكن تعويضه، والبيض يمكن استبداله، لكن الكرامة عندما تسقط، تصبح مثل المرآة المكسورة، لن تعود كما كانت أبداً. البصري فقد كرامته في المنفى، وزيان يفقد كرامته في السجن، وكلاهما دفع ثمن اللعبة السياسية التي لا تعترف بالجميل ولا تذكر الماضي. إنها لعبة العروش المغربية، حيث كل عرش له ثمن، وكل سقوط له قصة، وكل حرمان له فلسفته الخاصة.
وإذا أردنا الخروج من دائرة المغرب إلى الأفق الإنساني الأوسع، نجد أن هذه اللعبة ليست حصراً على نظام سياسي معين، بل هي سمة أساسية للسلطة في كل مكان، لأن السلطة، بأي شكل من أشكالها، تحتاج إلى الحرمان لتثبت وجودها، وتحتاج إلى الخوف لتثبت قوتها، وتحتاج إلى التهديد لتثبت هيمنتها. وكما قال مكيافيلي، من الأفضل أن يُخاف الأمير من أن يُحب، لأن الخوف أداة فعالة للسيطرة، والخوف لا يأتي إلا من خلال التذكير الدائم بإمكانية الحرمان، من خلال جعل الناس يشعرون بأن كل شيء يمكن أن يُسلب منهم في أي لحظة، من خلال إبقائهم في حالة من القلق الدائم، لأن القلق هو الذي يجعلهم يطيعون، هو الذي يجعلهم لا يفكرون في التمرد، هو الذي يجعلهم يركزون على البقاء بدلاً من التفكير في التغيير. وهكذا، يصبح الحرمان ليس مجرد عقوبة، بل هو أداة حكم، وسيلة لتثبيت النظام، طريقة لجعل الناس يعرفون مكانهم، لأن من يعرف أنه يمكن حرمانه من جواز سفره في أي لحظة، سيفكر مرتين قبل أن يعترض، ومن يعرف أنه يمكن حرمانه من حليبه في أي لحظة، سيكون أكثر خضوعاً، وأقل تمرداً.
وهنا نصل إلى النقطة الأكثر عمقاً في هذه الفلسفة: أن الحرمان، في جوهره، ليس فقداناً، بل هو اكتشاف، اكتشاف للذات، اكتشاف للحدود، اكتشاف للحقيقة. عندما يُحرم الإنسان من جواز سفره، يكتشف أن وطنه ليس مجرد أرض، بل هو إحساس بالانتماء، وعندما يُحرم من الحليب، يكتشف أن الطعام ليس مجرد غذاء، بل هو كرامة، وعندما يُحرم من حريته، يكتشف أن الحرية ليست مجرد حق، بل هي جوهر الإنسانية. وهكذا، يصبح الحرمان مدرسة قاسية، مدرسة تعلّم الإنسان ما كان يجهله عن نفسه، ما كان يجهله عن قيمته، ما كان يجهله عن معنى الحياة. الحرمان، هو الحقيقة الأبدية التي لا تتغير، هو الدرس الذي يتكرر مع كل جيل، مع كل وزير، مع كل نقيب، مع كل من يظن أنه استثناء من هذه القاعدة الكونية. إنها قاعدة تقول: كل شيء زائل، وكل عيش طيب مؤقت، وكل سلطة وهم، وكل جواز سفر مؤجل، وكل حليب مسموح به اليوم قد يُمنع غداً، لأن الحرمان هو الثابت الوحيد في متغيرات الحياة.
نعم، هذه القصة ليست مجرد سرد لأحداث، بل هي تأمل في طبيعة السلطة القائمة على نظام “الامتنان والعقاب”. فمن يشكر يكافأ، ومن يعاند يعاقب، لكن العقاب يأتي على شكل حرمان من أبسط الأشياء، وهنا تبرز فكرة أن الحرمان ليس عقوبة جسدية، بل عقوبة نفسية، لأنها تجعل الشخص يشعر بأنه أصبح غير مرغوب فيه، ليس فقط في المجتمع، بل حتى في متجر السجن. ويبدو أن الزمن المغربي يعيد إنتاج نفسه بشكل مدهش، وكأنه فيلم يعاد عرضه ولكن ببطل مختلف، أو كأنه مسرحية هزلية حيث الأدوار تتغير لكن النص يبقى نفسه: من كان بالأمس وزيراً قوياً، قد يصبح غداً سجيناً ضعيفاً، ومن كان سجيناً بالأمس، قد يصبح وزيراً غداً. هذه الدورة العجيبة هي ما تجعل السياسة المغربية أشبه برقصة السامبا، حركاتها متناغمة لكنها قد تنتهي فجأة. هكذا هي الدنيا، كما قال الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرندي في رثاء الأندلس: “لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغترّ بطيب العيش انسان”، فالإنسان مهما بلغ من سلطان، يبقى أسيراً للزمن الذي لا يرحم قوياً ولا ضعيفا وهكذا دواليك فمن سره زمن ساءته أزمان..وصدق الله العظم القائل في سورة العلق: “كلاّ إن الإنسان ليطغى أن رآه إستغنى”…








