بين الأبراج الناطحة والدهاليز الغائرة للأرقام .. المغرب يتذيّل حرية التعبير في العالم.. ما السبب؟

admin
2026-08-31T13:41:12+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin31 أغسطس 2026آخر تحديث : منذ 12 ساعة
بين الأبراج الناطحة والدهاليز الغائرة للأرقام .. المغرب يتذيّل حرية التعبير في العالم.. ما السبب؟
  • مصطفى قشنني

خرج علينا مُؤخرا  “مؤشر الازدهار العالمي” ليكشف حقيقةً مُرةً بطعم الألم والحسرة : المغرب يحتل المرتبة 76 عالمياً، لكنه يتألق كالشمس في ركيزة “تماسك الأسر” محتلاً المرتبة 36، بينما يترنح في ركيزة “حرية المعارضة والتعبير” في قعر العالم عند المرتبة 108، وكأننا أمام لوحة فنية سوريالية لسالفادور دالي: أسرةٌ متماسكةٌ كالخرسانة المسلحة، تجلس في غرفةٍ أنيقة، لكن نوافذها تُطِلُّ على سجنٍ واسع، بين “الازدهار الاقتصادي” المُبهر و المُقنع و”الحرية” الخافتة الشبه متلاشية، يقف المغربي حائراً: أيُّ وهمٍ هذا الذي نعيشه؟ وأيُّ خيطٍ رفيعٍ يفصل بين برج شامخ، وزنزانةِ ” تدوينة السطر الواحد” التي تتربص بكل كلمة وقد تعصف بك إن خرجت على السطر؟ إنها فجوةٌ كالفجوة بين عناق الأم وزفير السجان، بين دفء البيت وصفعة الشارع، وكأننا نحتفل بعرسٍ وهمي، بينما ندفن في سراديب الليل كل ما يجعلنا بشراً، إنها تلك اللحظة التي تدرك فيها أنك تملك كل شيءٍ إلا الحق في أن تقول إنك تملك شيئاً، حين يُعلن التقرير أننا نزدهر، لكن قلوبنا ترتعش من برد الخوف، وألسنتنا تتعثر في زوايا الحروف، وأعيننا تنظر إلى البرج الشامخ فلا ترى سوى ظله الطويل الذي يخنق كل كلمةٍ طليقة، وكأن الازدهار هنا ليس حالةً يعيشها الإنسان، بل مشروعاً هندسياً يُقام على أنقاض الروح، يُزيّن الواجهة بالرخام والزجاج الصقيل، بينما تُبنى الطوابق السفلية من الخوف والرُّهاب، وهنا يبرز السؤال الفلسفي الأكثر إيلاماً: هل يمكن لشعبٍ – أيّ شعب – أن يزدهر مادياً بينما تتآكل حرياته كملحٍ يذوب في ماءٍ راكد؟ أم أن هذا الازدهار مجرد سرابٍ يظهر في الصحراء، يلمع للحظاتٍ ثم يختفي خلف كثبان الرقابة، تاركاً خلفه عطشاً أكبر من كل الآبار التي حفرناها، إن المغرب اليوم يشبه تلك الشخصية الكوميدية التي ترتدي بدلةً غالية الثمن لكنها تنسى أن تخلع بيجامتها من تحتها، يبدو أنيقاً في الصور الرسمية ، لكنه يفضح نفسه في كل حركةٍ بسيطة، في كل تغريدةٍ تُحذف، في كل أغنيةٍ تُمنع، في كل مقالٍ يُراقب، في كل صحفيٍ يُحاكم، وكأننا نعيش في دولةٍ بنيت على سرابٍ من الكلام، بينما الحقيقة تتسرب من تحت الأبواب المغلقة كالماء في سفينةٍ مثقوبة، وهذا التناقض ليس مجرد رقمٍ في جدولٍ إحصائي، بل هو مرآةٌ تعكس أزمةً وجوديةً تعصف بنا، أزمةُ هويةٍ بين الشرق والغرب، بين الأصالة والحداثة، بين القيم الدينية ومتطلبات العصر، لكن المفارقة الأكبر أننا نحل هذه الأزمة بطريقةٍ عبقرية في غبائها: نأخذ من الحداثة أبراجها وملاعبها وطاقاتها الشمسية، ونترك روحها النقدية وحرياتها، ونأخذ من التقاليد تماسك أسرنا وقيمنا، ونترك مرونتها وقدرتها على التطور، فنصبح كائناتٍ هجينة، نصفنا ينتمي إلى القرن الحادي والعشرين في الأجساد، والنصف الآخر ينتمي إلى العصور الوسطى في العقول، وهذه الفجوة بين المغرب الاقتصادي ومغرب الحريات ليست مجرد خللٍ في التخطيط، بل فلسفةٌ في الحوكمة تقوم على مبدأ “أطعمهم خبزاً ولكن اسلبهم رأياً إذا كانوا يختلفون معك “، وكأن الحكومات تعتقد أن المعدة الممتلئة كفيلةٌ بإسكات العقول، لكن التاريخ يعلمنا أن المعدة إذا امتلأت، والروح إذا جاعت، فإن ردّ  الفعل  سيكون أقوى من كل المعالم التي شيّدناها و الأبراج التي بنيناها في تقارير المؤسسات والهيآت الحقوقية الدولية، وكما قال الفيلسوف ساخراً: “الإنسان لا يعيش على الخبز وحده، لكنه يعيش حتماً على الغضب إذا منعته من الكلام”، ونحن اليوم نعيش في زمنٍ أصبحت فيه حرية التعبير سلعةً نادرةً تُمنح كهديةٍ ثمينة لمن يدفع ثمنها من كرامته، حيث تحولت الصحافة من مهنةٍ نبيلة تبحث عن الحقيقة، إلى مهنةٍ خطيرة تبحث عن مخرجٍ – من دون صداع الرأس -، وأصبحت الأغاني الشبابية تُراقب وكأنها وثائقُ سريةٌ ، وتغريدةٌ عابرة – إذا لم تُعجب – قد تكلف صاحبها السجن وغراماتٍ ماليةٍ خيالية، وكأن الكلمة في بلادنا وقعها أقوى من الرصاص، هذا الواقع المرير يقودنا إلى تساؤلٍ أعمق: هل تماسك الأسر الذي نفتخر به هو حقاً ميزةٌ إيجابية، أم أنه مجرد رد فعلٍ طبيعي على الفشل في توفير بيئةٍ آمنة وحرة للأبناء – مجرّد سؤال -، حين تُخنق الحريات، يلجأ الفرد إلى أسرته كملاذٍ أخير، كقلعةٍ تحصنه من وحشية الشارع وقسوة المُضطهدين لحريته – كيفما كان نوعهم -، لكن هذا الملاذ يتحول مع الوقت إلى سجنٍ مصغر، ففي شبه غياب الحريات العامة، تصبح الأسرة مؤسسةً مغلقة، تُكرس العزلة وتُنتج أفراداً مُنكفئين على ذواتهم وغير قادرين على التفاعل مع مجتمعهم ومحيطهم، مواطنين سلبيين يكتفون بدفء بيوتهم ويتناسون برد الشارع، وهذه الظاهرة ليست غريبةً على المجتمعات المنغلقة، فالقمع يزدهر حين يعزل الأفراد في جزرٍ عائليةٍ صغيرة، حيث لا يلتقون إلا في طقوسٍ شكلية، وحيث يُشاع الخوف بدلاً من أن يُشاع الوعي، وحيث يُزرع الصمت كقيمةٍ وطنية، هنا أستذكر تلك النكتة الساخرة التي تتناقلها الألسنة في المجالس الخاصة: “في فلسفة المنع، تبني برجاً شاهقاً، لكن ممنوع أن تكتب عن ارتفاعه، تزرع غابةً من الألواح الشمسية، لكن ممنوع أن تشير إلى ظلها، تصنع ثرواتٍ طائلة، لكن ممنوع أن تسأل من أين أتت”، إنها كوميديا الموقف ذاتها التي تجعل الضحك يختلط بالدموع، كتلك المسرحيات العبثية لصمويل بيكيت حيث يصرخ الممثلون بأعلى أصواتهم لكن الجمهور لا يسمع، والمغرب اليوم يعيش تناقضا – بحسب التقرير أعلاه – يطرح أكثر من علامة إستفهام، نبني الملاعب الفخمة، لكن صافرات الجماهير تخنقها المساطر القانونية، نُضيء المدن بالأضواء المبهرة للطاقات المتجددة، لكن ظلال الرقابة تطارد كل فكرةٍ جديدة مُقلقة، ونُطلق الوعود التنموية كالفراشات في الربيع، لكن رياح القمع تحطم أجنحتها قبل أن تطير، وفي هذا السياق، لا يمكننا إلا أن نقارن وضعنا بوضع دول الخليج التي تراجعت في ركيزة الأسرة نتيجة الرفاهية المفرطة ونمط العيش المتغير، هناك ينهار التماسك الأسري بسبب الثراء، وهنا تتدبدب الحريات بسبب الفقر السياسي، وكأن القدر يلعب بنا ويحولنا إلى نكتةً سوداء: حين تملك المال تفقد العائلة، وحين تملك العائلة تفقد الحرية، لكن المغرب، وببراعةٍ فريدةٍ في التناقض، جمع بين فقر الحريات وغنى التنمية ، ليصنع مزيجاً هجينا من التقدم والتراجع في نفس الوقت، إنه نموذجٌ فريدٌ من “الازدهار ” الذي لا يسمن ولا يغني من جوع أمام متطلبات الواقع، نموذج أشبه بمرضٍ عضالٍ يُخفي أعراضه خلف جرعاتٍ مسكنة من المشاريع الكبرى، المشكلة ليست في غياب الرؤية، بل في وجود رؤيةٍ غير ثاقبة تنظر إلى الإنسان كأداةٍ لا كغاية، كمتلقٍ سلبيٍ للخدمات لا كفاعلٍ إيجابيٍ في دينامية المجتمع، وحين ننظر إلى الدول التي تعاني من انهيارٍ كامل في تماسك الأسر مثل اليمن والصومال، التي تحتل مراتب متأخرة بسبب الحروب والأزمات، نجد أنفسنا أمام وجهين لعملةٍ واحدة، هناك ينهار المجتمع ككل بسبب الصراعات المسلحة، وهنا يخفت ُالإنساني فينا بسبب الصراعات الخفية بين الأنا والواقع الشرس، كلاهما يفضي إلى حضيضٍ مقلق، لكن حضيضنا مختلف، إنه حضيضُ القلوب الخائفة والألسنة المقيدة، حضيضُ الإبداع الذي يتعفن ويتحلّل في درجٍ مهمل، ولعل أشد ما يوجع القلب أننا ندفع ثمن هذا الوضع أضعافاً مضاعفة، في مستقبل أجيالنا، فطفلٌ ينشأ في بيئةٍ تخنق الحوار، يكبر ليكون إما منافقاً يردد ما يُقال له، أو منسحباً لا يعبأ بما يجري، والنتيجة هي مجتمعٌ من الأقنعة، كلٌ يخفي حقيقته خلف قناعٍ من الصمت أو التكيف، وفي هذا المجتمع، تصبح كل الكلمات مشبوهة، وكل الأفعال خاضعة للتأويل، وكل النجاحات مشروطة بالولاء لا بالكفاءة، وهذا ليس ازدهاراً، بل هو تحنيطٌ بطيءٌ لروح الأمة، وكأننا نضع أرواحنا في متاحف السياسة لنُعرضها كتحفٍ  فنية نادرةٍ لا تتحرك ولا تتحدث ولا تعترض، وفي خضم هذا العبث، يبرز صوت العقل صارخاً: ما الفائدة من بناء ملاعب وأبراجٍ شاهقة إذا كان المواطن لا يملك حق التعبير عن رأيه دون خوف، أو النقد البناء دون عقاب؟ ما الجدوى من الاستثمار في الطاقات المتجددة إذا كانت طاقات المجتمع البشري تُستنزف في قمع الإبداع وتجفيف منابع الفكر؟ وكأننا نُضيء الشوارع بالكهرباء، ونطفئ عقولنا بالظلام، وكأننا نبني محطاتٍ للطاقة النظيفة، ونُلوّث مشهدنا الثقافي بأبخرة القمع، هذه المفارقة ليست مجرد خطأٍ تقني أو تقصيرٍ مؤسساتي، بل هي خيارٌ فلسفيٌ واضح، فلسفةٌ تضع الاقتصاد كغايةٍ واحدة، وتُهمش ما هو إنساني ( حرية)، وتُقدس الأرقام الإحصائية ، وكأننا في سباقٍ مع دول العالم لنُثبت أننا نبني ولا نبالي، نزدهر ولا نهتم، نتقدم ولا نلتفت، حتى إذا التفتنا، نجد أنفسنا وحدنا في زحام الأرقام، نبحث عن دفء الكلمة فلا نجد، نبحث عن صدق الصحافة فلا نجد، نبحث عن حلم الشباب فيتصاعد كدخانٍ من غرفة مغلقة، وهذا هو جوهر المأساة: أن تكون في موقع القوة الاقتصادية، لكنك في موقع الضعف الإنساني، أن تشيد المدن الذكية، ولكن تسكن عقولاً جامدة متحجّرة، أن تجمع الثروات، ولكن تفتقر إلى كنوز الحرية، كأنك تبني قصراً من الكريستال، وتغلق أبوابه على أنفاسك، تختنق وأنت تنظر مُنبهرا مُنتشيا إلى جمال ما بنيت، إن هذا التناقض، وهذا العبث، وهذه السخافات الفلسفية التي نحياها، ليست مجرد أرقام في تقريرٍ دولي، بل هي حياةٌ يوميةٌ يعيشها الكثيرين، إنها صرخةُ الأم التي تهمس في أذن طفلها: لا تتكلم عالياً يا بني، الجدران لها آذان، إنها نظرةُ الصحفي إلى ورقة بيضاء وقد تحولت إلى سجنٍ أمام عينيه، إنها حلمُ الشاب الذي يريد أن يغني فيتحول صوته إلى همسٍ يخافه، وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إيلاماً: إلى متى سنستمر في هذا التنكر لأنفسنا؟ والحقيقة أن الحرية بمفهومها المتعدد في شبه تراجع مستمر، وصلت إلى الحضيض أو الحيط، ( هذا ليس قولي وإنما قول التقارير الدولية ) حيث أصبح السطر الواحد ضمن تدوينة تكلفته السجن الثقيل والغرامات، وحيث أصبح المقال الصحفي المهني الناقد جريمةً يُعاقب عليها القانون ليس قانون الصحافة طبعا، بل القانون الجنائي، وحيث تحولت الأغاني الشبابية في الكثير من الأحيان إلى تهديدٍ يقهر الفرح، حتى الفرح أصبح ممنوعاً إن لم يكن في إطارٍ مسموح به، إنه زمنٌ أصبحت فيه الحرية كالسراب، كلما اقتربت منه ابتعد، وكلما بحثت عنه ضاع، فهل آن الأوان لنفيق من غيبوبة التناقض؟ هل آن الأوان لنرفع الصوت عالياً، ليس بالصراخ، بل بالكلمة الصادقة، بالفن الحر، بالصحافة النزيهة، بالإبداع غير المقيد، هل آن الأوان لنعي أن الازدهار الحقيقي لا يُقاس بالأبراج والملاعب و التيجيفي و الطرق السيارة..وحدها ، بل بحرية الإنسان في أن يكون نفسه، في أن يقول ما يعتقد، في أن يكتب ما يشعر، في أن يحلم كما يشاء – طبعا في إطار مسؤول ومُحترم للقانون و للمؤسسات -، دون خوفٍ من ظلٍ طويل، أو سجنٍ ينتظر، أو غرامةٍ تنتزع، إنها معركتنا جميعاً، معركة الكلمة ضد الصمت، معركة الضوء ضد الظل، فإما أن نزدهر بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وإما أن نبقى في وهم الازدهارفقط، نسقي حدائقنا ونترك قلوبنا تيبس، نبني الطرق ونترك الأفكار في دهاليز التيه تَهيمُ.. لا نريد مغربا بسرعتين كما عبر عن ذلك جلالة الملك نريد مغربَ السرعة الواحدة القصوى في التنمية الإقتصادية و الإجتماعية كما في مجال الحقوق والحريات. “وفي ذلك فليتنافس المتنافسون “..

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.