- مصطفى قشنني
في مشهد يثير التأمل والدهشة والشفقة ، وقف محبو الحيوانات – الضالة على وجه الخصوص – أمام قبة البرلمان المغربي يرفعون لافتاتهم ويطلقون شعاراتهم، ليس احتجاجاً سلميا على ترتيبنا المقلق في “مؤشر الازدهار العالمي”، ولا على بطالة تحاصر الشباب، ولا على أزمة سكن تطحن الطبقات الفقيرة، بل احتجاجاً على قانون يجرم إطعام القطط والكلاب الضالة في الشوارع. إنه لحظة فارقة في مسار المجتمع المغربي، لحظة تختبر فيها أولوياتنا كجماعة بشرية، وتكشف عن مدى التحول الذي أصاب وعينا الجمعي، حين أصبحنا نخوض معارك حقوقية للحيوانات في الوقت الذي تظل فيه حقوق الإنسان في وضع شبه مقلق بحسب تقارير مؤسسات وهيآت دولية .
لا يخطئ المرء حين يرى في هذه الوقفة السلمية، التي تخللتها صرخات ومطالب، مرآة صادقة لحالة فريدة من “التخمة الحقوقية” التي نعيشها. إنها تخمة ليست من قبيل الوفرة والغنى، بل من قبيل التضخم والانتفاخ الذي يفقد الأشياء قيمتها الحقيقية. وكأننا بعد أن أُشبعنا بالمطالب الحقوقية الإنسانية، ولم نعد نجد ما نتمسك به، تحولنا إلى البحث عن حقوق جديدة، حتى وإن تعلق الأمر بكائنات لا تملك من آليات المطالبة سوى مواءٍ أو نباحٍ لا يفقه معنى القانون. إنها تخمة تذكرنا بتلك النفوس التي تشبع من الطعام، فتبحث عن شهوات جديدة – حتى لو كانت شاذة – ، متناسية أن الجوع الحقيقي في أي مجتمع إنساني هو جوع الروح للمعنى، وجوع المجتمع للعدالة، وجوع الإنسان للكرامة التي لا تتجزأ.
وقفوا أمام البرلمان، محتجين على تجريم إطعام الحيوانات، وكأن ما يجري في الشوارع من مآسي إنسانية لا يستحق وقفة سلمية، وكأن آلاف الأطفال الذين يتسولون في الشوارع، وشباناً يعانون من البطالة والهشاشة والهدر المدرسي، ليسوا أولى بهذه الوقفات المباركة. إنها سخرية القدر أن ندافع عن حق الحيوان في الأكل، بينما يتسول الإنسان، وأن نطالب بملاجئ للقطط والكلاب، بينما تخلو مدننا من مأوى لائقة – إلا ناذرا – للمشردين والمعتوهين وذوي العاهات. أليست هذه علامة على خلل جوهري في منظومتنا الأخلاقية، حين تتسع عواطفنا للحيوانات، وتضيق بالبشر، وحين تنشط جمعياتنا في حماية القطط والكلاب، وتنام جمعيات حقوق الإنسان على وسائدها نوم العسل؟
ولعل أكثر ما يبعث على السخرية، هو ذلك السؤال الذي رفعته المحتجات: “من سيتكفل بإطعام هذه الحيوانات في حال منع المواطنين من ذلك؟” سؤال مشروع، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن مفارقة عميقة: هناك ميزانية مخصصة للحيوانات الضالة، كما أكدن، ولكننا لا نعرف إن كانت هناك ميزانية تكفي لإطعام طفل واحد متسول و جائع في في قارعة الطريق. أليس هذا مؤشراً على أن أولوياتنا أصبحت أقرب إلى المضحك منها إلى المبكي؟ أن نخصص أموالاً عامة للحيوانات، بينما تئن المدارس العمومية من نقص التجهيزات، وتغص المستشفيات بمرضى لا يجدون الدواء، كأننا نعيش في عالم معكوس، حيث يحتاج الحيوان إلى ميزانية، والإنسان إلى دعاء.
لا يقتصر الأمر على السخرية فحسب، بل يتجاوزها إلى إشكالية أخلاقية أعمق. حين نسمع المحتجين يطالبون بمراقبة الملاجئ، وفتح أبواب التبني، وتوفير اللقاحات للحيوانات، نتساءل: أين تلك المطالب عندما يتعلق الأمر بالإنسان؟ أليس من واجبنا أن نطالب بمراقبة المؤسسات الإيوائية للإنسان، وفتح أبواب التبني للأطفال اليتامى، وتوفير العلاج اللائق للمواطنين الفقراء؟ إن التزامنا الأخلاقي بالإنسان يجب أن يكون أكثر إلحاحاً، لأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يملك وعياً بمعاناته، وقدرة على التعبير عنها، لكن وعيه هذا يبدو غير كافٍ إذا ظل صوته ضائعاً في زحام المطالب الحقوقية التي تشبه موضة تلبس ثم تخلع.
هناك من قد يقول إن الدفاع عن الحيوانات ليس انتقاصاً من الدفاع عن الإنسان، وإن القيم الإنسانية واحدة، وإن التعاطف مع الحيوان يعكس رقي الأخلاق الإنسانية. وهذا صحيح، لكنه ليس مطلقاً. فالإنسان ليس مجرد كائن بيولوجي، بل هو كائن أخلاقي واجتماعي وسياسي، حقوقه متشابكة ومترابطة، ولا يمكن تجزئتها. إن حق الإنسان في العيش الكريم، في الغذاء والمأوى والصحة والتعليم، يجب أن يكون مقدماً على أي حق آخر، ليس لأن الحيوانات أقل قيمة، بل لأن المسؤولية تجاه الإنسان هي مسؤولية مباشرة وفورية، في حين أن مسؤوليتنا تجاه الحيوانات تظل وسيطة، تتحدد عبر المؤسسات والقوانين التي تصنعها البشرية.
إن الشتاء على الأبواب، كما ذكرت إحدى المحتجات، لكنه شتاء قاسٍ ليس فقط على الحيوانات الضالة، بل وعلى آلاف البشر الذين سيمضون لياليهم الطويلة في العراء، تحت قسوة البرد، وليس لهم من دافئ سوى أكوام القمامة أو زوايا الأرصفة. أليس هؤلاء أولى برحمتنا وشفقتنا وإنسانيتنا ؟ أليس من الأجدى أن نحول هذه الحماسة الحقوقية إلى مشاريع إنسانية حقيقية، تبدأ بتوفير مأوى للإنسان، ثم تمتد لتشمل الحيوان، لأن الإنسان هو أساس الحضارة، وبصلاحه تصلح المجتمعات، وبفساده تفسد حتى علاقتها بالحيوانات.
ربما تكون هذه الوقفة الاحتجاجية إشارة إلى حالة من الركود الحقوقي، أو إلى نوع من الفراغ القاتل الذي أصاب الكثير من الحركات الحقوقية التقليدية، فبحثت عن متنفس في قضايا جانبية، أو ربما هي مؤشر إلى أن مجتمعنا بدأ يعيش جيلا جديدا من الحقوق أو بوضوح أكثر مرحلة ما بعد الحقوق، حيث أصبحت القضايا الإنسانية الكبرى وكأنها محسومة، بينما في الحقيقة هي لم تزل عالقة في دهاليز التنفيذ، أو متناثرة في بطون القوانين. لكن السخرية الأعمق هي أن نرى أنفسنا ننشغل بالتفاصيل بينما تهدم الأصول، وأن نضخم الأصوات لصالح الحيوانات بينما تختنق أصوات البشر.
بصوت هادئ أقول: ليس المطلوب التوقف عن الدفاع عن الحيوانات، ولا نبذ تلك المشاعر النبيلة التي تحرك محبيها، وإنما المطلوب هو إعادة ترتيب الأولويات، وإدراك أن الحقوق الإنسانية ليست تخمة يمكن التخلص منها بالانصراف إلى غيرها، بل هي جوهر وجودنا الأخلاقي والسياسي. وإذا كنا قد أصبنا بتخمة الحقوق، فلنعد النظر في هذه التخمة، ولنطرح على أنفسنا سؤالاً مصيرياً: هل نحن حقاً مدافعون عن الحقوق، أم أننا نسعى وراء إشباع عاطفي سريع، نجد فيه متعة آنية، بينما تظل الجراح الإنسانية العميقة تنزف في صمت؟ أليس الأجدر بنا أن نوقف هذه التخمة التي تملأ بطوننا بالشعارات، وتفرغ قلوبنا من معاني العدالة الحقيقية، لنعود إلى جوهر الإنسانية، حيث الإنسان أولاً وأخيراً، وبعده تأتي بقية الكائنات في سياق متوازن، لا يفقدنا بوصَلتنا الأخلاقية ولا يشتت أولوياتنا الإنسانية.









فاطمة الزهراء جامعيةمنذ 45 دقيقة
طرح يشفي الغليل مقالاتك تصيب اهدافها حد التخوم. في زمن صحافة المرقة والحبة..
تحياتي ايها القلم النظيف تحية شموخ وتقدير دكتور
ع.الله العيونمنذ 49 دقيقة
مقال كغيره من مقالاتك الرائعة والتي اصبحت مدمنا عليها..اعلام في قمة الجدية والمسؤولية تحياتي لكم استاذي
ع.العياشي تاوريرتمنذ 51 دقيقة
ما احوجنا إلى مثل هذه المقالات الراقية جدا جدا والتي تطرح ما يهم المواطنين وما يتناغم مع قضاياهم المصيرية بوريكت دكتور وكثر الله من امثلك ومن حملة اقلام جريئين يحدون حدوك
reda_TL@hotmail.comمنذ ساعة واحدة
احنا الي خاصنا حقوقيين يدافعوا علينا من رمي الجيفة واوساخ الحوت والدجاج على عتبات المنازل بدعوى انها اكل القطط والكلاب وفي الحقيقة يتخلصون من الازبال بدل مسافة الى المطارح
رشيد بشيريمنذ ساعة واحدة
استادي العزيز لا تتصور مدى استمتاعي بهدا المقال
الله يوفقك ويخليك لينا