بين الكنيسة والمسجد..عذرا “أخي في الإسلام”..؟

admin
2026-09-20T18:28:38+02:00
مقالات رئيس التحرير
adminمنذ 4 ثوانيآخر تحديث : منذ ثانية واحدة
بين الكنيسة والمسجد..عذرا “أخي في الإسلام”..؟
  • مصطفى قشنني

المشهد ليس صورة تُعلَّق على جدار، بل حُجّة تُقام على أمّة. طالبٌ إفريقي مسلم، أسودُ السحنة، سواحليُّ اللسان، يخرج من كنيسةٍ في بلاد المسلمين ويقصد مسجداً. لا يعبر شارعاً، بل يعبر ضميرنا. كل خطوة بين البابين سؤالٌ معلَّق: من أين يأتي هذا الفتى؟ وتحت أيِّ سقفٍ ينام؟ وبأيِّ حقٍّ يُترك الغريبُ غريباً في أمّة تُنادي كلَّ يومٍ أنها أمّة الرحمة؟ الطالب – وغيره كثيرون – لا يشتكي، ولا يخطب، ولا يكتب. يمشي فقط. والمشي وحده كافٍ ليكون لسان حاله أبلغ من كل خطبة. لأنه حين يمشي من الكنيسة إلى المسجد، فإنه لا يمشي على قدميه، بل يمشي على جرحٍ في جسد الأمة. الطالب يمشي، والأمة تنظر. الطالب يمشي، والأمة نائمة. الطالب يمشي، والضمير يصرخ.

هذا الطالب ليس حالةً إنسانية معزولة ، بل دليلٌ منطقي. الكنيسة لا تشترك معه في الشهادتين، ومع ذلك آوته. والمسجد يشترك معه في القبلة، ومع ذلك لم يسأله عن طعامه وملبسه ومن يأويه؟ . فإذا كانت الرحمة تُبنى على العقيدة، فلماذا سبقت الكنيسةُ المسجدَ؟ وإذا كانت الرحمة لا تحتاج إلى عقيدة، فماذا تنفع العقيدة إن لم تُنتج رحمة من “خير أمة أخرجت للناس” ..يا حسرتاه؟ هذا هو البرهان الصامت: مؤسسةٌ لا تؤمن بما نؤمن به فعلت ما ندّعي أننا خُلقنا لأجله. ونحن، الذين نملك الحق، جلسنا نُشاهد من يملك الرحمة وهو يفعل مكاننا ويقوم مقامنا. والمصيبة ليست أن الكنيسة فعلت، بل أننا لم نستحِ. المصيبة ليست أن الكنيسة سبقت، بل أننا لم نتحرّك. المصيبة أننا نعرف الحق، ونعرف أن الحق يُلزمنا، ثم نُعرض عنه كأننا لم نسمع ولم نشاهد بأمّ أعيننا.

الكنيسة فهمت شيئاً بسيطاً: الإيمان ليس خطبةً تحلّق في الهواء، بل سقفٌ فوق الرأس، وخبزٌ على المائدة، وكرسيٌّ أمام مكتب. أما نحن، فقد اختزلنا الإيمان في حركاتٍ بين أربع تكبيرات. ندخل المسجد، نصلي، نخرج، وكأن الدين وظيفةٌ أو طقوس حركية نؤديها لا حياةٌ نحملها. المسجد عندنا «محطة» لا «بيت». نمرّ فيه ولا نسكنه. نستعيره للحظةٍ ثم نعيده إلى صاحبه. أما الكنيسة فقد صارت «بيتاً» لأنها فهمت أن الدين ليس مفتاحاً للآخرة فقط، بل غطاءً للدنيا. ونحن نعرف أن الدين غطاءٌ للدنيا، لكننا نتصرف كما لو أن الدنيا ليست من اختصاص الدين. نُصلي للآخرة، ونترك الدنيا لغيرنا. ونقول: نحن نُحسن للآخرة، ونترك الإحسان في الدنيا لمن لا يؤمن بالآخرة. يا لها من قسمةٍ ظالمة ضيزى : نأخذ الجنة، ونعطي الدنيا لغيرنا ألا بئس التأويل وبئس الفهم المسطّح للدين …

الفرق بيننا وبينهم ليس في العقيدة، بل في الجوهر  أي في تعريف العبادة. نحن نفصل بين «حق الله» و«حق العبد»، ثم نُفرغ الأول من الثاني. هم لا يعرفون هذا الفصل، فجمعوا بين الاثنين الحسنيين، فصاروا أقرب إلى معنى الإسلام من كثيرٍ من المسلمين. يا لها من مفارقة: من لا يشهد أن محمداً رسول الله يتصرف كما لو أنه سمع حديثه، ومن يشهد أنه رسول الله يتصرف كما لو أنه لم يسمعه. الأول قرأ الإنجيل فوجد فيه «أطعموا جائعي»، والثاني قرأ القرآن فمرّ على «ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً» مرورَ الكرام. هذا ليس سبقاً في الإيمان، بل سبقٌ في الفهم: الكنيسة فهمت أن الإيمان يُترجم إلى أفعال ويمشي في دنيا الناس، ونحن تركناه في الحناجر لا يصل إلى الأيدي. الكنيسة فهمت أن العقيدة بلا عمل جسدٌ بلا روح، ونحن حفظنا الجسد ونسينا الروح.

ثم يأتي المُحسن. المُحسن الذي يبني مسجداً في صحراء القلوب المتصحّرة أصلا – لا أعمّم هنا-، ويضع عليه لافتة، ويبسُط السجاد الأحمر، ويستدعي الكاميرا، ويقطع الشريط، ثم يعود إلى مكتبه ليتابع حساباته. المحسن الذي يبحث عن أرضٍ رخيصة، ورخصةٍ سهلة، و قد يهرف على أراضي مستضعفين وأيتام وذوي حاجات، المحسن الذي يبني مسجداً بلا مصلّين حقيقيين. المحسن الذي يشتري الآخرة بالتقسيط، ويظن أن الحجر يُغني عن البشر. لو أن هذا المحسن مرّ بجانب الطالب الإفريقي، لما رآه. لا لأن الطالب غير موجود، بل لأن قلب المحسن اعتاد على عمىً خاص: عمى لا يُبصر إلا ما يُصوَّر. عمى لا يرى الطالب، لكنه يرى الكاميرا خلف الطالب. عمى يقيس الخير بعدد العدسات، لا بعدد الدموع. هذا العمى ليس عيباً في العين، بل في القلب. والقلب الذي اعتاد على الظلام لا يرى النور حتى لو كانت أمامه شمس ساطعة. “فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”. المحسن لا يرى الطالب، لكنه يرى المسجد. يرى الحجر، ولا يرى البشر. يرى اللافتة، ولا يرى الوجه. يرى الصورة، ولا يرى الدمعة. ثم يقول: الحمد لله، بنيت مسجداً. وكأن المسجد يُبنى للحجر، لا للناس. ثم ينام المحسن قرير العين، ويستيقظ ليبني مسجداً آخر، ويترك الطالب في الكنيسة. المسجد يُبنى، والطالب يُنسى.

والأدهى أن هذا المحسن لا يجهل الآية. يعرفها حفظاً وتجويداً. يعرف أن المسجد في السيرة النبوية الشريفة لم يكن مكاناً للصلاة فقط، بل كان بيتاً للغرباء، وملجأً للفقراء، ومنبراً للعدل، وخزانةً للغنائم، ومحكمةً للخصوم. أول ما فعله النبي “ص” حين هاجر كان المسجد: سقفٌ يجمع الناس، لا جدارٌ يفصلهم. أما اليوم، فقد صار المسجد أحياناً مجرد أثرٍ معماري يفتخرون في زخرفته و نقشه و زليجه و فسيفسائه وثرياته ، مساجد أصبحت مقرونة بأسماء أشخاص من عليّة القوم من أجل المُباهاة أكثر ما أصبحت مقرونة بالله ، مسجد يُفتح لأداء الفريضة، ثم يُغلق. والباب الذي يُفتح للصلاة ليس الباب الذي يُفتح للإنسان. والوقف الذي كان وقفاً  لله صار وقفاً على المظهر. أرضٌ تُحبس ليبقى اسمها في السجلات، لا ليبقى فيها إنسان. والمسجد الذي كان يُبنى من حجارة القلوب صار يُبنى من حجارة الحسابات. تُشترى الأرض باسم «البركة»، ثم تُستثمر باسم «الوقف»، ثم يُنتظر الأجر من الله، وكأن الله لا يرى أن الأرض التي وُقفت كانت بالأمس أرض يتيم. هذا ليس إحساناً، هذا “ماركوتينغ” هذه محاسبةٌ مقلوبة: نضع في خانة «لله» ما تبقّى من ضميرنا، ثم ننام. ونستيقظ لنبني مسجداً آخر، لا لنفتح بيتاً لهذا الطالب الإفريقي “أخونا في الله” الذي أشفقت لحاله الكنيسة وصدّه أصحاب المسجد..

وإذا أردنا تشخيص المرض بدقة ووضع الأصبع على الجرح، فهو أن المسجد عندنا صار مؤسسةً رسمية، والكنيسة عندهم مؤسسةً رسالية. الرسمي يُدار بالتعليمات، والرسالي يُدار بالوجدان. الرسمي ينتظر الميزانية، والرسالي يبحث عن المحتاج. الرسمي يفتح أبوابه في أوقات محددة، والرسالي يتركها مفتوحة. ولهذا استطاعت الكنيسة أن تكون «أمةً» عابرة للقارات الخمس، بينما تحوّل المسجد أحياناً إلى «مصلحة» محلية تُنجز معاملاتها التعبدية ثم تُغلق. لا نلوم الكنيسة على أنها أحسنت، بل نلوم أنفسنا على أننا قصّرنا و جعلنا الإحسان وظيفةَ الآخر. الأمة التي تُوكّل إحسانها إلى غيرها، لا يحق لها أن تنتظر أن تُحسن. والأمة التي تنتظر أن تُحسن، لا يحق لها أن تتحدث عن الرحمة. الأمة التي ترى الغريب في كنيسة، ثم لا تفعل شيئاً، ليست أمةً ضعيفة، بل أمةٌ ميتة. والأمة الميتة لا تُحييها المساجد ولا المآذن ولا الثريات ولا اللافتات. تُحييها الأفعال. تُحييها القلوب. تُحييها الدموع.

والحقيقة الأقسى ليست في الكنيسة ولا في المسجد، بل فيّ. أنا الذي رأيت المشهد، ووخز قلبي، ثم أكملت طريقي. أنا الذي أكتب هذه الكلمات الآن، وربما لن أستطيع  ُأن أغيّر شيئاً. أنا الذي أدّعي أن الإسلام دين الرحمة، ثم لا أُطعم طالباً واحداً في حيّي. المشهد ليس عن المحسنين فقط، بل عن كل من رأى مثل هكذا مشهد ثم صمت وابتلع لسانه. الكنيسة سبقتنا، لا لأنها أقوى، بل لأننا نائمون. ونحن لا نحتاج إلى ثورةٍ في الشوارع، بل إلى ثورةٍ في تعريف الإيمان: أن نصلي كما صلّى النبي، وأن نُطعم كما أطعم، وأن نجعل من المسجد بيتاً لا محطة، ومن الإحسان فعلاً لا صورة، ومن الأمة أمّاً لا مؤسسة. نحتاج إلى أن نفهم أن الدين ليس تذكرة إلى الجنة بل مسؤولية على الأرض. نحتاج إلى أن نرى الطالب الإفريقي لا كغريب بل كأخ. نحتاج إلى أن نفتح لهُ قلوبنا قبل أبوابنا.

هذا هو الدرس: طالبٌ خرج من كنيسة، ودخل مسجداً، ثم عاد إلى الكنيسة. بين البابين، سقطت أمةٌ لم تنتبه بعد. والضيف، بأقدامه الصغيرة، كتب شهادةً ضد مضيفه. فهل نقرأ الشهادة، أم نُغلق الباب مرة أخرى؟

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.