- مصطفى قشنني
لم يكن ذاك الذي أعلنتُه سابقاً من خلال هذا المنبر سوى نشرة تشريح أولى لجثة كانت لا تزال تختلج، أما اليوم، وبعد أن وضعت الحرب على المقاعد أوزارها، وبعد أن تناطح الغريمان القويان حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار تناطح التيوس في حلبة مغلقة، وتبادل كل واحد منهما فضح الآخر ولعنه وتعريته حتى ظهرت عوراته للعيان، وبعد أن تسلّل في لحظة شرود حزب العدالة والتنمية إلى المشهد بمظهر الناسك المتوضئ الذي يمسك مسبحته بيمينه ويخفي خنجر خديعته و غدره بيساره، وبعد أن خصصتُ لتجار الدين مقالاً قبل ثلاثة أيام، فإنني أجزم اليوم بما كنت أظنه بالأمس فقط: السياسة في المغرب ليست مريضة، وليست في غيبوبة، وليست على فراش الإنعاش، بل هي ميتة، ميتة موتاً سريرياً تاماً، والميت كما تعلمون جميعاً لا يُنتظر منه شيء، الميت يُغسَّل ويُكفَّن ويُوارى التراب، ثم نمضي في حياتنا وكأنه لم يكن.
غير أن المفارقة السوداء، المفارقة التي تجعل من هذا البلد السعيد مختبراً فريداً في علم السياسة وعلم الاجتماع وعلم النفس المجتمعي، أن هذا الميت الذي دفناه جميعاً ها هو يقف على قدميه، بل ها هو يرقص، بل ها هو يتراقص على أنغام صناديق الاقتراع، ويفوز، ويتربع على عرش المقاعد، ويتصدّر النتائج، وكأن الموت في هذا البلد ليس نهاية بل بداية، وكأن الدفن ليس خاتمة بل تتويجاً.
تأمل معي المشهد بإمعان، تأمله كما يتأمل طبيب شرعي جثةً على طاولة التشريح، ستجد أن حزب الجرار، ذاك الذي كان من المغضوب عليه من المغاربة بسبب زلاته الخطيرة، وذاك الذي كان غارقاً في الفساد والمخدرات والشبهات حتى أذنيه، قد انتعش، انتعش كما ينتعش مريض في العناية المركزة حين تصله جرعة سخية من الصيروم ، انتعش مع فوزي لقجع الذي برع، لا في تطهير الحزب من أوضاره، بل في إنعاشه كما يُنعَش ميت بالصدمات الكهربائية ليُستنطق اسمه فقط، هذا الحزب الذي جمع حبا وتبناً من أعيان غريمه حزب الحمامة، ومن الدوماليين الكبار في مختلف الأحزاب، حيث كان لأصحاب أشكارة الكلمة المسموعة والفصل، طبعاً بعد انضمام ميسي السياسة المغربية إلى صفوفه، هذا الحزب المنخور، هذا الحزب المشبوه، هذا الحزب الذي حمل على كتفيه كل خطايا الحكومة السابقة، ها هو يحتل الرتبة الأولى، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم يأتي في المرتبة الثانية حزب التجمع الوطني للأحرار، رغم ما اقترفه في حق المغاربة من ظلم وافتراس، ورغم أنه كان شريكاً أصيلاً في كل الويلات، ثم حزب الاستقلال، حزب علال الفاسي، في المرتبة الثالثة، وكأن التاريخ يكتب نفسه بالمقلوب، وكأن الذاكرة الوطنية أصبحت قرصاً تالفاً لا يقرأ إلا الصفحات الممزقة، والأدهى من ذلك، والأمرّ من العلقم، أن نفس الأحزاب المشكِّلة للتحالف الحكومي السابق، تلك التي تسببت في الغلاء وفي تآكل القدرة الشرائية وفي تدمير الصحة والتعليم وووو، ها هي تعاود الكَرّة من جديد، لكن مع تغيير في المواقع فقط، مثل أحجار الدومينو التي تسقط لتقف من جديد، وكأن شيئاً لم يكن.
أما حزب العدالة والتنمية، صاحب العصا والتسبيح والشاشية، فقد جاء في الرتبة الرابعة، بعدد كراسي يقارب حزبي الجرار والميزان، وكأنه أراد أن يقول لنا: أنا هنا أيضاً، لم أمت، أنا أتاجر بالدين وأربح، أنا ألبس ثوب الورع وأحصد الأصوات، أنا أبيع الآخرة بثمن بخس من الدنيا، وأشتري بها مقاعد في البرلمان، فما أعظمها من صفقة، وما أخسرها من تجارة.
أقصى ما يمكن قوله، وأصدقه قولاً، أن الأحزاب التي تقترف ساديتها وسوطها على قوت المغاربة، وعلى صحتهم، وعلى تعليمهم، وعلى كرامتهم، هي الأحزاب التي تفوز في الانتخابات، وكأن الناخب المغربي قرر أن يكافئ من يصفعه، وأن يمنح الثقة لمن خانه، وأن يرفع من رصيد من سرقه، هذا ليس اختياراً سياسياً، هذا سلوك ممسوخ، هذا انتحار جماعي بطيء، هذا انقلاب في المنطق، هذا انهيار في الحس، هذا موت للسياسة بكل ما تحمله الكلمة من معنى شامل.
قلت سابقاً إنه موت للسياسة، واليوم أقول إنه أكثر من موت، إنه تحلّل كامل، إنه عفن في بنية العقل الجمعي، إنه خيانة للتاريخ، إنه إفلاس للعمل السياسي، لأن في كل دول العالم، حتى تلك التي يطلق عليها جمهوريات الموز، حتى في تلك التي يسخر منها العالم، حين تخطئ الأحزاب في حق الشعوب فإن الشعوب تعاقبها بواسطة صناديق الاقتراع، تعاقبها بالرفض، تعاقبها بالإقصاء، تعاقبها بالنسيان تعاقبها بالنبذ، إلا في هذا البلد السعيد، حيث من يقترف الغلاء، ومن يضارب في المصالح، ومن يكرّس الريع، ومن يمارس استغلال النفوذ، ومن يراكم الثروة على حساب دم الشعب، هو من يفوز، وهو من يرتقي، وهو من ينتشي، وهو من يعود إلى الحكومة من الباب الكبير، بل من الباب الذي كسره بالأمس ولم يصلحه.
إن هذه الحصيلة “الحصلة” المُخزية، هذه الكارثة، هذه المفارقة التاريخية العجيبة، محتاجة إلى أن تُدرس في أكبر المختبرات العلمية المتخصصة في علم السياسة والسوسيولوجيا وعلم النفس المجتمعي، لأنها تتجاوز حدود التحليل العادي، وتتجاوز حدود المنطق المألوف، وتتجاوز حدود الفهم البشري، إنها حالة فريدة، إنها ظاهرة نادرة، إنها كائن سياسي غريب يجب أن يوضع في أنبوب اختبار، وأن يُشرَّح تحت المجهر، وأن يُفحص بالمجسات، لعلنا نفهم كيف يمكن لشعب أن ينتخب من ينتقم منه، وكيف يمكن لجماعة أن تصوّت لمن يسرقها، وكيف يمكن لأمة أن تصفق لمن يهينها، وكيف يمكن لمواطن أن يمد يده ليضعها في يد من يقطعها.
إن ما حدث ليس انتخابات، إنه مسرحية هزلية، إنه فيلم كوميدي أسود، إنه حفل تنكّري، إنه مهرجان للأقنعة، حيث يلبس الفاسد ثوب المصلح، ويلبس الجاهل ثوب الخبير، ويلبس الخائن ثوب الوطني، ويلبس التاجر ثوب الزاهد، ويلبس الميت ثوب الحي، ثم يرقص الجميع على أنغام لا يسمعها إلا من فقد سمعه، ثم يصفق الجميع لمن لا يستحق التصفيق، ثم يهتف الجميع لمن لا يستحق الهتاف، ثم يعود الجميع إلى بيوتهم ليكتشفوا أن الجرار ما زال يجرف، وأن الحمامة ما زالت تلتقط الحبوب، وأن الميزان ما زال مائلاً، وأن المصباح ما زال ينير طريق الفساد.
والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، والسؤال الذي يجب أن يُكتب بحروف من نار على جبين كل من شارك في هذه المهزلة، هو: هل ما زلنا نسمي هذا سياسة؟ هل ما زلنا نسمي هذه الأحزاب أحزاباً؟ هل ما زلنا نسمي هذه الانتخابات انتخابات؟ أم أننا يجب أن نعترف، بشجاعة، بأن السياسة ماتت، وأن الأحزاب ماتت، وأن الانتخابات ماتت، وأننا جميعاً، نحن المغاربة، نشيع جنازة كل يوم، ثم نعود إلى بيوتنا لنستعد لجنازة الغد، وكأن الموت أصبح عادة أو قدرا مقدورا علينا، وكأن الدفن أصبح طقساً يومياً، وكأن الحياة نفسها أصبحت انتظاراً لموت آخر.
لكن، وقبل أن يُطبق هذا النعش، وقبل أن يُهال التراب على وجه السياسة إلى الأبد، دعني أهمس همسة أخيرة في أذن هذا الوطن الجريح: إن ما يموت في المغرب ليس السياسة، بل نحن الذين نصدّق أن ما يجري سياسة. السياسة لم تمت، لأنها لم تُولد بعد. ما رأيناه ليس جثة سياسة، بل قناعٌ فارغ، ثوبٌ بلا جسد، مسرحٌ بلا نص، ممثلون يتبادلون الأدوار على خشبة احترقت منذ زمن، ويظنون أنهم ما زالوا يقدمون عرضاً. السياسة الحقيقية ليست كراسي، ولا تحالفات، ولا صفقات تُعقد في الظلام ثم تُبارك في النهار. السياسة الحقيقية أن يصبح المواطن مواطناً، لا رقمياً في صندوق، ولا حجراً في لعبة دومينو، ولا متفرجاً في مسرحية يكتبها غيره ويدفع هو ثمن تذكرتها من قوته وصحته وكرامة أبنائه.
إن هذا البلد لا يحتاج إلى دفن أحزابه، بل إلى بعث إرادة شعب. لا يحتاج إلى تغيير الوجوه، بل إلى ولادة وعي. لا يحتاج إلى معجزة تنزل من السماء، بل إلى يقظة تصعد من الأرض. فالمقابر لا تُنتج حياة، والصناديق المكسورة لا تُنجب شرعية، والرقص على الجثث لا يُحيي جثة. وإذا كانت هذه الأحزاب قد فازت، فإن الفوز الحقيقي ليس ما يُعلن في القاعات المكيفة، بل ما يُصرخ به في الشوارع، وما يُكتَب على الجدران، وما يُزرَع في عقول جيل لم يتعلم بعد أن يصمت.
نعم، ماتت السياسة التي عرفناها، لكن رُبّ موتٍ يفتح باباً لولادةٍ لم نجرؤ يوماً على تخيّلها. فإما أن نبقى نُشيّع الجنائز وندفن آمالنا معها، وإما أن نرفض، ولو مرة واحدة، أن نكون حاملين للنعوش، ونقرر أن نكون نحن الذين يكتبون الفصل الأخير. وحينها فقط، لن تُدفن السياسة، بل ستُدفن هذه الأحزاب في مزبلة التاريخ، وينهض المغرب من جديد، لا على أنقاض الموتى، بل على أيادي الأحياء.








