جيل اليأس.. عندما يسبح المراهقون نحو السراب..

admin
2026-07-30T23:49:03+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin30 يوليو 2026آخر تحديث : منذ 22 ساعة
جيل اليأس.. عندما يسبح المراهقون نحو السراب..
  • مصطفى قشنني

في مشاهد تتجاوز حدود الخيال وتفوق ما تستطيع السينما تصويره وإلتقاطه، يتحول البحر الأبيض المتوسط إلى ساحة عبثية يتنافس فيها المراهقون مع الموت، كأنهم يشاركون في أولمبياد اليأس. إنه مشهد مأساوي كوميدي في آن واحد، حيث يتحول الأطفال والفتيات إلى سباحين محترفين يجتازون مسافات بحرية شاسعة لا يستطيع قطعها إلا المدربون الأولمبيون، لكنهم يفعلون ذلك ليس بحثاً عن ميدالية ذهبية، بل عن حياة كريمة يعتقدون أنها تنتظرهم خلف الأسلاك الشائكة التي تحيط بسبتة المحتلة.

ما يحدث في هذه البقعة الجغرافية العجيبة التي تبدو كأنها قطعة من أوروبا التصقت بطريق الخطأ بالقارة الأفريقية، ليس مجرد أزمة هجرة عابرة، بل هو مرآة تعكس أعمق تناقضات عصرنا. فبينما تتحدث حكومة عزيز أخنوش عن النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة، يسبح أبناؤنا وبناتنا في مياه البحر نحو مدينة لا تبعد عن سواحلنا سوى بضعة كيلومترات، لكنها تبدو بعيدة كبعد السماء عن الأرض في مخيالهم المحطم.

إنه جيل اليأس بامتياز، جيل ولد في عصر يتم فيه الاحتفال بكل مؤشر اقتصادي معتدل، بينما يعجز عن توفير  الكرامة أو فرصة عمل محترمة. جيل يرى أباه يعمل أربعين سنة في وظيفة متواضعة لينتهي به المطاف بمعاش تقاعدي لا يكفي حتى لشراء الدواء، بينما يشاهد في التلفاز خطباء السياسة يتحدثون عن الإقلاع الاقتصادي والنهضة الشاملة. هذا الجيل الذي قرر أن يسبح عكس التيار، ليس نحو المجهول، بل نحو حقيقة يعرفها جيداً: أن الفردوس الأوروبي قد يكون مجرد وهم، لكن الجحيم الأفريقي أصبح حقيقة واقعة.

اللافت في هذه الموجات المتتالية من الهجرة غير النظامية هو تحولها إلى ظاهرة جماعية منظمة، وكأنها عرس جماعي للموت، أو رحلة حج نحو مذبح الأمل الزائف. فلم يعد الأمر مجرد محاولات فردية يائسة، بل أصبح أشبه بحركة اجتماعية عفوية تنتظم عبر مجموعات مغلقة على تطبيقات التواصل الاجتماعي، حيث يتبادل المراهقون النصائح حول أفضل نقاط العبور وتوقيتات السباحة، وكأنهم يخططون لنزهة شاطئية وليس لمغامرة الموت المحققة. وهنا تكمن المفارقة الأعظم: في عصر التكنولوجيا والاتصالات الفورية، يستخدم الشباب أحدث وسائل التواصل لتنظيم أقدم وسيلة للهجرة، وكأنهم يعيدون اختراع العجلة، لكن هذه المرة العجلة تغرق وتتعطل في البحر .

تلك الفتاتان المغربيتان اللتان صورتهما كاميرات الهواتف وهما تصلان إلى شاطئ سبتة سباحة، وقد بدا عليهما الإرهاق والإعياء، تختزلان في صورتهما قصة جيل كامل. إنهما تسبحان وربما تفكران في دروس السباحة التي لم يأخذاها أبداً، أو في المعلم الذي لم يعلمهما كيف يواجهان الأمواج العاتية. لكن الحياة علمتهما ما لم تعلمهما المدارس: كيف يسبحان نحو السراب بأذرع مرتجفة وقلوب تخفق بالأمل والخوف معاً.

المشهد في الجانب الإسباني لا يقل عبثية ومأساة. فمدينة سبتة المحتلة، التي تبدو من الجو كأنها جوهرة أوروبية في وسط بحر من الفقر الأفريقي، تستقبل آلاف المهاجرين فتتحول إلى جحيم مكتظ. مراكز الإيواء تفيض عن آخرها، وتصبح المدينة نفسها سجناً مكشوفاً لمن نجحوا في الوصول إليها. إنها ساخرة القدر الأعظم: يهرب الشباب من بلدانهم بحثاً عن الحرية، ليجدوا أنفسهم في مدينة لا تختلف كثيراً عن سجن مكتظ، لكن مع فرق بسيط أن جدرانه مبنية من اليأس الأوروبي بدلاً من اليأس الأفريقي.

ما يثير الدهشة والحيرة معاً هو تحول المغامرة من السباحة إلى التحليق بالمظلات الشراعية، وكأن الشباب قد قرروا أن البحر لم يعد كافياً لتحدي الموت، فراحوا يتحدون الجاذبية الأرضية نفسها. العديد منهم لقوا حتفهم في هذه المحاولة، وكأن السماء نفسها رفضت أن تكون شريكاً في هذه الرحلة الجنونية. المشهد هنا يشبه إلى حد كبير أسطورة إيكاروس، لكن مع فارق بسيط: إيكاروس سقط لأنه اقترب من الشمس، أما هؤلاء فيسقطون لأنهم ابتعدوا عن أرضهم، وحاولوا الوصول إلى شمس أوروبا التي لا تشرق إلا على القلة المحظوظة.

إنه واقع مقلق يفضح كل الخطابات التنموية، ويكشف هشاشة المشاريع الاجتماعية التي تتبناها الحكومة. فالأرقام التي تتحدث عن النمو الاقتصادي تتعارض تماماً مع أرقام المهاجرين الذين يغادرون البلاد بحثاً عن حياة أفضل. وكأن هناك مغربان يسيران بسرعتين: مغرب الإحصائيات الرسمية الذي يتقدم بخطى ثابتة نحو الحداثة، ومغرب الشوارع الخلفية حيث يخطط المراهقون لسباقهم المحفوف بالمخاطر نحو أوروبا. بين هذين المغربين هوة سحيقة لا تستطيع أي أرقام رسمية أن تجسرها، ولا أي خطاب سياسي أن يملأها.

ما يحتاجه هذا الجيل ليس مجرد وعود تنموية أو مشاريع استثمارية، بل إعادة بناء للعلاقة بين الدولة والمواطن، بحيث تصبح الدولة مكاناً يمكن العيش فيه بكرامة، وليس مجرد نقطة عبور نحو مكان آخر. الشباب الذين يسبحون نحو سبتة لا يبحثون عن الرفاهية الفائقة، بل عن أبسط مقومات الحياة الكريمة: عمل يوفر لقمة العيش، ومستقبل يمكن التخطيط له، وأمل يمكن التمسك به. عندما يفقد الشباب الأمل في بلدهم، يصبح البحر خياراً، والموت في عرضه مغامرة تستحق المخاطرة.

الحل ليس في تشديد المراقبة الحدودية أو زيادة دوريات الإنقاذ، بل في معالجة الأسباب الجذرية التي تدفع الشباب إلى هذه المغامرات المحفوفة بالمخاطر. إنها معادلة بسيطة يفهمها حتى الأطفال الذين يسبحون نحو سبتة: عندما تصبح الحياة في بلدك مستحيلة، يصبح المستحيل في بلد آخر ممكناً. والحكومات التي تعجز عن توفير الحد الأدنى من الكرامة لشبابها، لن تستطيع مهما شددت حراساتها أن تمنعهم من البحث عنها بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو الحياة نفسها.

نعم، تظل هذه المشاهد الإنسانية المأساوية، التي تجمع بين السباحة والطيران، بين اليأس والأمل، بين الموت والحياة، هي الترجمة الحقيقية لواقع جيل كامل وجد نفسه عالقاً بين أرض لا تحتضنه وبحر لا يرحمه وسماء لا ترحمه أيضاً. إنها قصة جيل اليأس، الذي لم يجد أمامه سوى خيارين: إما أن يغرق في بحر اليأس، أو أن يسبح في بحر الأمل المزيف. ولكل منا أن يسأل نفسه: ماذا كنا سنفعل لو كنا مكانهم؟

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.