- مصطفى قشنني
في لحظة تاريخية تليق بأعظم متاحف العالم، استعاد المغرب من فرنسا تسعة أسنان ديناصورات من العصر الطباشيري، تلك الكائنات التي هيمنت على الأرض ملايين السنين ثم انهارت تحت وطأة تغيّر المناخ واصطدام النيازك، لتتحول إلى مستحاثات تدرسها الأجيال القادمة بدهشة وفضول. لكن السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يطرح نفسه بقوة، بينما نحتفل بعودة هذه الأسنان المتحجرة إلى أرض الوطن، هو: متى سنستعيد نحن أيضاً ديناصوراتنا الحديثة، تلك الكائنات الغريبة التي لا تزال تجثم على صدر المشهد السياسي والإداري المغربي، متجاوزة كل قوانين الطبيعة والبيولوجيا والتطور، عابثة بكل منطق زمني أو عمراني أو دستوري؟ متى نبعث بهؤلاء السادة الذين تجاوز الكثير منهم سن الثمانين ، إلى متاحف التاريخ حيث يكون مكانهم الطبيعي، ليكونوا رهن الدراسات الأركيولوجية والعلمية، أو لتحنيطهم على الأقل، كي نستفيد من خبراتهم المتراكمة حين تدعو الحاجة إلى ذلك، دون أن يعيقوا عجلة الحياة ويتحولوا إلى مستحاثات متحركة تعيق التنمية وتستهلك الأوكسجين الوطني بجرعات عالية؟
إن المأساة العميقة التي نعيشها، والتي تتجاوز بكثير قضية أسنان الديناصورات المستعادة، هي أننا أصبحنا نملك، في بلادنا، فصيلة نادرة من الكائنات السياسية والإدارية التي رفضت، بإرادة صلبة وعزيمة فولاذية، الخضوع لقانون التقاعد أو حتى الموت الطبيعي. هذه الكائنات، التي يمكن أن نطلق عليها علمياً اسم “الديناصورات السياسية والإدارية المغربية”، تمتلك قدرة خارقة على التكيف مع أي نظام، وأي دستور، وأي متغير، وأي حزب، وأي منصب، وكأنها كائنات أسطورية تخرج من عنق الزجاجة السياسي كلما تغيرت الظروف، لتعيد إنتاج نفسها بأشكال متجددة، لكنها في العمق تظل تلك الكائنات البدائية التي تعتقد أن الزمن توقف عند حقبة الخمسينيات أو الستينيات من القرن الماضي.
وهنا يستحضرني المشهد حكاية ذلك الوزير الفرنسي في عهد الرئيس شارل ديغول، ذلك الرجل الذي كان يحسب على نفسه أن كل الأمور لا تقوم لها قائمة من دونه، وأن مؤسسات الدولة ستتهاوى إن هو غادر منصبه، وأن العقل المدبر للجمهورية الخامسة يكمن في جمجمته هو فقط. ذات يوم، وبينما كان هذا الوزير يزكي نفسه ويعظم مكانته في حضرة الرئيس، اصطحبه ديغول في سيارته السيتروين إلى إحدى المقابر في ضاحية باريس، حيث يقبع عظماء التاريخ الفرنسي تحت التراب. وهناك، وقف ديغول أمام قبور أولئك الأموات وقال ببرود فلسفي قاطع: “انظر إلى هؤلاء، كان كل واحد منهم يظن أن فرنسا لا تستطيع العيش بدونه، لكنها عاشت، وستعيش، وسارت الأمور، وستسير. الموتى العظماء هنا كانوا يظنون ما تظنه أنت، ومع ذلك فإن فرنسا تسير، وسرت، وستسير بدونهم جميعاً”. تلك الكلمات التي قالها ديغول، وهو أحد أعظم رجال الدولة في التاريخ الحديث، تحمل في طياتها حكمة بالغة القسوة، لكنها ضرورية لأي أمة تريد الخروج من دائرة التقديس العمياء للأفراد، مهما كان حجم إسهامهم أو طول مدة بقائهم.
فما بالنا بأمة مثل المغرب، تعجّ بمئات بل آلاف من هؤلاء “الضروريين للغاية” الذين يستحيل تخيل مؤسساتهم من دونهم، رغم أن كثيراً منهم لم يقدموا ما يبرر كل هذه القداسة، لكنهم أتقنوا فن البقاء والتمديد المتعدد والتموضع والالتصاق بالكراسي كما يلتصق المحار بالصخور في أعماق البحار، غير مبالين بتيارات التغيير التي تجتاح العالم، ولا زلازل التحولات التي تهزّ الأرض تحت أقدامهم. إنهم يشبهون تلك المستحاثات التي نعيدها اليوم إلى المغرب، لكن مع فارق جوهري، فالمستحاثات الحجرية نعرف أنها أموات، أما المستحاثات البشرية في مؤسساتنا، فهي كائنات نصف ميتة نصف حية، تعيش على التغذية بالمناصب، وتتنفس الشعارات، وتتكاثر بالوصايا والنفوذ، وتتمسك بالكرسي كما يتمسك الغريق بقشة، وكأن الكرسي نفسه هو الضمانة الوحيدة لوجودها البيولوجي والمعنوي.
تأمل معي هذه الظاهرة من منظور فلسفي عميق: كيف يمكن لمجتمع أن يتطور، بينما تقود مؤسساته كائنات تجاوزت سن التقاعد بأكثر من عشرين سنة في بعض الحالات، ولا تزال تمسك بزمام الأمور وكأنها في ريعان شبابها؟ كيف يمكن لاقتصاد أن يزدهر، وقراراته الاستراتيجية تصدر عن عقول تشكلت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ولا تعرف عن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر سوى ما تسمعه في النشرات الإخبارية؟ كيف يمكن لتعليم أن يتطور، وهو تحت وصاية من عاشوا عصر كراسات الفهد والكوسموس والألواح الخشبية، ولم يفتحوا تطبيقاً تعليمياً واحداً في حياتهم؟ إنها مفارقة تاريخية أن تكون الدولة التي تستعيد أسنان ديناصورات من العصر الطباشيري لدراستها علمياً، هي نفسها الدولة التي تحتضن ديناصورات إدارية وسياسية في قلب مؤسساتها، لا لدراستها، بل لتكريس وجودها وتخليد هيمنتها.
الأكثر إيلاماً في هذه الظاهرة ليس مجرد تجاوز السنوات، بل الفلسفة الكامنة وراء هذا التمسك بالمناصب، تلك الفلسفة التي تعتبر أن الخبرة مرادفة للطول في العمر، وأن الحكمة مرتبطة حتماً بشيب الشعر، وأن التجديد ليس سوى مرادف للتهور وعدم النضج. إنها فلسفة تحول المؤسسة الوطنية إلى نادٍ مغلق للمسنين، يظنون أنهم وحدهم من يملكون مفاتيح الحلول، وأن الأجيال الجديدة ليست أهلاً للحكم أو الإدارة، لأنها لم تكتوِ بنار التجارب القديمة، وكأن التجارب لا تورث، وكأن التاريخ لا يُعلّم، وكأن الكفاءة لا يمكن أن توجد في الأعمار الشابة. وهذا بالضبط ما حذر منه ديغول في حكمته الساخرة، فالذين في المقابر كانوا أيضاً يظنون أنهم وحدهم أصحاب المعرفة والكفاءة، لكن الحياة أثبتت أن الأمور تستمر، وأن المؤسسات تتحمل، وأن الدماء الجديدة تصل إلى حيث توقفت الدماء القديمة، بل تتجاوزها غالباً.
إن استمرار هذه الديناصورات الإدارية والسياسية في مواقعها ليس مجرد احتلال للكراسي، بل هو احتلال للعقول والقلوب، وتكريس لنمط من التفكير يعتبر أن التغيير عدوٌ للاستقرار، وأن القديم هو الأصلح، وأن الجديد مشبوه حتى تثبت براءته. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية، فالأمر لا يتعلق بفرد هنا أو هناك، بل بمنظومة كاملة ترفض التجديد، وتحتكر الفرص، وتُقصي الشباب، وتقنع الجميع بأن لا حل إلا من خلال نفس الوجوه التي ظلت تردد ذات الشعارات لعقود، دون أن تقدم جديداً، ودون أن تنجز طفرات، ودون أن تترك بصمة تذكر. إنها ديكتاتورية الجمود باسم الاستمرارية، واستبداد الشيخوخة تحت ذريعة الحكمة، ووصاية الماضي على الحاضر والمستقبل.
وإذا أردنا أن نكون صريحين مع أنفسنا، فإننا بحاجة إلى ثورة ثقافية عميقة تعيد تعريف مفهوم القيادة في بلادنا، وتجعل من العمر مجرد رقم، ومن الكفاءة والإبداع والابتكار معايير حقيقية للترشح للمناصب، وليس فقط سنوات الخدمة أو عدد المرات التي تم فيها إعادة الانتخاب. نحتاج إلى قانون يحترم الشيخوخة ويقدر الخبرة، لكنه في الوقت نفسه يحمي الوطن من خطر تحوله إلى دار للمسنين السياسيين والإداريين، حيث يحكمنا من لا يستطيعون قيادة أنفسهم، فكيف بقيادة دولة تتطلع إلى الريادة الإقليمية والدولية؟ نحتاج إلى جرأة أخلاقية لتقول لمن تجاوزوا سن العطاء بأعوام مديدة: شكراً لكم على ما قدمتم، لكن الوطن بحاجة إلى أيدٍ جديدة، وعقول متجددة، وأرواح تتوق للمستقبل، وليس إلى ماضٍ مجيد لكنه أصبح ثقيلاً على صدورنا.
إن استعادة أسنان الديناصورات حدث علمي وثقافي مهم، لكنه يظل مجرد مستحاثات جامدة لا تؤثر في حياتنا اليومية، بينما استعادة قرارنا الوطني من قبضة الديناصورات السياسية والإدارية هو المشروع الأكبر والأهم، لأنه يتعلق بمستقبلنا ومستقبل أبنائنا وأجيالنا القادمة. إننا في حاجة ماسة إلى مشروع وطني للتقاعد الإجباري، لا يقل أهمية عن المشاريع الكبرى التي نقوم بها في مجالات البنية التحتية والطاقات المتجددة، لأن أخطر أنواع الفقر ليس فقر المال أو الموارد، بل فقر الأفكار وتجمد العقول وتحجر النفوس وتكريس الاحتكار العمري للمناصب الاستراتيجية.








Rositaمنذ 21 ساعة
مت المؤكد أن الوطن لا يُبنى فقط بذكريات الماضي، بل بأيدٍ جديدة وعقول متجددة وطموح للمستقبل.
القيادة ليست بالسن، القيادة بالكفاءة والإبداع.
نقدر خبرة من سبقونا ونشكرهم على ما قدموا، لكن حان الوقت لدماء جديدة ورؤية جديدة.
حتى نلحق بركب الدول المتقدمة، نحتاج إلى من يؤمن بالغد الأفضل