- مصطفى قشنني
هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تُقاس بالتواريخ، بل بالارتجافات. لحظات لا يُكتب لها أن تمر، لأنها تُغلق على الحلق مثل غصة، وترفض أن تنزل. ومن هذه اللحظات، ذلك المشهد الذي احتضنته قاعة رسمية في الرباط، حين استقبلت فاطمة الزهراء المنصوري، المكلفة بتشكيل الحكومة، وفداً عن حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، يضم محمود عرشان، الرجل الذي يحمل في اسمه ثقل درب مولاي الشريف، وصرير أبوابه الحديدية، وأنفاس المعتقلين الذين لم يعودوا. لم يكن استقبالاً. كان اعترافاً. اعتراف بأن الدولة لا تنسى أبناءها، حتى إذا كانوا جلادين. بل إنها تحتفي بهم، وتفتح لهم الأبواب التي أغلقتها في وجه ضحاياهم.
الجلاد لا يعود ليطلب الغفران. الجلاد يعود ليطلب الشرعية. يعود ليقول للتاريخ: أنا هنا، لم أمت، لم أُحاسَب، ولم أُنسَ. يعود ليجلس في مقعد المفاوض، وكأن التعذيب كان مجرد محطة في مسار مهني، وكأن الزنازين كانت مكاتب إدارية، وكأن الدم الذي سال في درب مولاي الشريف وفي غيره من المعتقلات السرية كان مجرد حبر على أوراق تحقيق. ترى، ماذا جاء هذا الرجل يفاوض؟ هل جاء يطلب وزارة؟ هل جاء يطلب نصف حقيبة؟ أم جاء يطلب ما هو أخطر: أن تُطوى صفحته السوداء بابتسامة رسمية، وأن يُمنح غفراناً سياسياً لم يمنحه له الضحايا ولا التاريخ؟ إن الجلاد لا يبحث عن منصب، بل يبحث عن شرعية متآكلة يحاول أن يرمّمها تحت قبة المؤسسات. وهذا هو جوهر الخطر: أن يصبح التعذيب قابلاً للتفاوض، وأن يصبح الجاني شريكاً في القرار. لقد اختار الحزب الذي ينتمي إليه أن يستدعي مؤسسه الأول ليرافق ابنه عبد الصمد في هذا المشهد، وكأن العائلة تؤسّس لحزب على أنقاض الذاكرة الوطنية. لكن القراءة الأعمق تكشف أن الاستدعاء ليس خطأً بروتوكولياً، بل تمرين لقابلية الدولة على إعادة إدماج رموز القمع في المجال العمومي؛ اختبار للخط الأحمر، وللحدود التي يمكن أن تصل إليها سياسة الإفلات من العقاب.
لكن الذاكرة لا تسكن القاعات الرسمية. الذاكرة تسكن في مكتب محامٍ متواضع، أو في زاوية مقهى “باليما” بالرباط. هناك، في سنة 1998، كنت أجريتُ حواراً مطوّلا مع صديق مناضل تقدمي، محامٍ رحل قبل أن يرى العدالة تتحقق. حدثني كثيراً عن أشكال وألوان وأصناف التعذيب الذي تسبب له فيه هذا الجلاد وغيره من الجلادين. لم يكن يتحدث بصوت مرتفع، بل بصوت منخفض، كمن يخشى أن تسمعه الجدران، أو كمن يخاف أن تعود إليه الذاكرة فتأخذه إلى درب مولاي الشريف مرة أخرى. كان يضع يده على جبينه وهو يروي. قال لي يا أخي: “التعذيب لا ينتهي حين يتوقف الجلاد، بل يبدأ حين تظن أنك نجوت”. وحين سألته: هل سامحته؟ قال: “المسامحة حق الضحية، لكن العدالة حق المجتمع. وأنا لا أستطيع أن أسامح باسم كل من مات تحت التعذيب، ولا باسم كل من فقد عقله، ولا باسم كل من خرج من السجن وهو يحمل جثة روحه على كتفيه”. رحل صديقي الأستاذ أحمد بنجلون زعيم اليساريين الحقيقيين وليس المتملقين المنبطحين أمام بريق المال و لذة الكراسي، مات وبقي الجلاد. رحل المدافع عن الضحايا، وبقي الجلاد الذي دافع عن القمع. وها هو اليوم يجلس في قاعة استقبال، بينما صديقي لا يملك إلا قبراً وذاكرة محترمة.
ولم أكن أنا ببعيد عن هذا الألم. في أعقاب أحداث الدار البيضاء سنة 2003، اعتُقلت ظلماً، ووجدت نفسي وجهاً لوجه أمام آلة قمع لا ترى فيّ مواطناً، بل خصماً. ولو لم يقف الأستاذ أحمد بنجلون – وغيره من فطاحلة المحامين في المغرب -، إلى جانبي، لما كنت أكتب هذه الكلمات اليوم وربما كنت في تعداد المفقودين. دافع عني بشراسة واستماتة، بلا خوف، بلا حساب، لا يخشى في الحق لومة لائم. كان يدافع عني كأنه يدافع عن قضية وطن، لا عن قضية فرد. كان يواجه الآلة الأمنية والقضائية، لا ليبرئني فقط، بل ليبرئ معنى العدالة نفسها من عار الاعتقال التعسفي الذي لحقني. كان يعرف أن القانون لا يحمي الضعيف حين تصبح الدولة خصماً، لكنه اختار أن يكون درعي أنا الضعيف أمام الدولة، دون ضجيج، ودون منّة، ودون أن ينتظر منصباً أو حصانة أو صورة في صحيفة. وهنا أسأل: كيف تكافئ الدولة أحمد بنجلون؟ وكيف تكافئ محمود عرشان؟ الأول دافع عن الضحايا فبقي في ظل النسيان، والثاني عذّب الضحايا فاستُقبل في مقر المفاوضات. أليس هذا انقلاباً في ميزان القيم؟ أليس هذا اعترافاً بأن الدولة ما زالت تحتفظ بولائها لمن أدار زنازينها، لا لمن دافع عن سجناءها؟
كان صديقي الراحل يقول لي: “إذا رأيت الجلاد يمشي في الشارع، لا تسأله لماذا فعلت، بل اسأل الدولة لماذا سمحت له أن يمشي”. كان يعرف أن التعذيب ليس فعل فرد، بل منظومة. كان يعرف أن الجلاد ليس شخصاً، بل وظيفة. وحين تُستدعى هذه الوظيفة اليوم، فهذا يعني أن المناخ العام لا يزال يحتاج إليها؛ لا بالضرورة في غرف التعذيب، بل في غرف المفاوضات. هناك، حيث تُبنى التحالفات، وحيث تُدار اللعبة السياسية، يصبح الجلاد ورقة يمكن استخدامها. وهذه هي الفضيحة الكبرى: أن يصبح الجلاد قابلاً للتوظيف السياسي بعد أن كان قابلاً للتوظيف القمعي.
لطالما راهن المغرب الرسمي، بعد هيئة الإنصاف والمصالحة، على خطاب المصالحة وعدم التكرار. لكن المصالحة الحقيقية ليست طيّ الصفحة، بل قراءتها كاملة، بكل سطورها الدامية. إنها ليست نسياناً، ولا إعادة اعتبار سياسي لمن ارتبطت أسماؤهم بانتهاكات جسيمة، ولا طيّاً لصفحة الماضي دون كشف كامل للحقيقة وتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية. وقد وثقت هيئة الإنصاف والمصالحة هذه الانتهاكات الجسيمة: الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والاختفاء القسري. وأصدرت توصياتها الاستراتيجية التي من أهم معالمها عدم الإفلات من العقاب، وإصلاحات سياسية ومؤسساتية، وجبر الضرر الفردي والجماعي، وحفظ الذاكرة، وضمانات عدم التكرار. لكن أمام هذا السلوك الفج ، يبدو وكأن من أراد هذا الإستقبال وكأنه يتنتقم من الذاكرة. بدل أن يحاسب، بدا وكأنه يكافئ. وبدل أن يعتذر، بدا وكأنه يستفز. وحين يُستقبل الجلاد في مقر رسمي، فالرسالة ليست بريئة: الضحايا لم ينتصروا، والجلادون لم يُهزموا، والمصالحة لا زالت أبوبها مفتوحة وصفحاتها السوداء لم تغلق. إن درب مولاي الشريف لم يكن مجرد مكان عابر في التاريخ، بل كانت جزءاً من منظومة قمع استهدفت المعارضين السياسيين والنقابيين والمناضلين الديمقراطيين واليساريين وغيرهم. ومن عَذّبَ فيها لا يحق له أن يطلب شرعية، ومن دافع عن ضحاياها لا يحق لنا أن ننساه.
إننا لا نطلب إعدام أحد، ولا نستجدي سجناً لأحد. فقط نطلب تطبيق القانون، واحترام التوصيات، والاعتراف بالحقيقة. نطلب أن تكون الذاكرة حقاً لا منّة، وأن تكون العدالة قاعدة لا استثناء. وحين يغيب هذا كله، يتحول الاستقبال إلى تتويج لسياسة الإفلات من العقاب، وإلى استفزاز صارخ للضحايا وعائلاتهم ولكل القوى الديمقراطية والحقوقية التي ناضلت، ولا تزال، من أجل الحقيقة والعدالة وعدم الإفلات من العقاب.وحين يعود الجلاد إلى قاعة الاستقبال، فإن الديمقراطية تخرج من الباب الخلفي. لكنها ستعود، لأن الضحايا لا يموتون مرتين.








