نفّذ المستخدمون والمستخدمات، إلى جانب الأطر العاملة بالمحافظة العقارية بوجدة، الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، وقفة احتجاجية امتدت من الساعة العاشرة صباحاً إلى الثانية عشرة زوالاً، رفعوا خلالها شعارات تنديدية عبّروا من خلالها عن استمرار حالة الاحتقان، في محطة جديدة من البرنامج النضالي الذي يؤطره المكتب المحلي للنقابة الوطنية للمحافظة العقارية بوجدة.
وتأتي هذه الخطوة في سياق احتجاجي متواصل، سبق أن أعلن عنه المكتب المحلي في بلاغ صادر بتاريخ 2 أكتوبر 2026، تضمّن برنامجاً نضالياً شمل عدداً من المحطات الاحتجاجية، من بينها وقفات أيام 8 و13 و15 و20 و22 أكتوبر الجاري، وذلك بهدف لفت انتباه الجهات المسؤولة إلى المطالب المطروحة والدفع نحو إيجاد حلول عملية للمشاكل التي تقول الشغيلة إنها لا تزال قائمة.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد تنفيذ المحطة الرابعة من هذا البرنامج، هو:
ما الجدوى من استمرار الأشكال الاحتجاجية السلمية والراقية إذا ظلت الأوضاع على حالها، ولم تقابلها استجابة ملموسة من الجهات المعنية؟
إن تنفيذ المحطات الاحتجاجية تباعاً، دون تسجيل انفراج واضح في الوضع القائم، يضع العلاقة بين الإدارة والشغيلة أمام اختبار حقيقي، ويثير تساؤلات مشروعة بشأن مدى فعالية قنوات الحوار المعتمدة في معالجة الخلافات المهنية والاجتماعية داخل المؤسسة.
فمن المفترض أن تشكل الوقفات الاحتجاجية السلمية رسالة تنبيه وفرصة لإعادة فتح قنوات التواصل، والوقوف على أسباب التوتر، والبحث عن حلول متوافق بشأنها. لكن حين تتكرر هذه المحطات دون أن يشعر المعنيون بوجود تقدم ملموس، فإن ذلك قد يعمّق الإحساس بالتجاهل، ويضعف الثقة في إمكانية معالجة الملفات المطروحة بالوسائل الحوارية وحدها.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي تستحق أجوبة واضحة: لماذا لا يتم التفاعل بالجدية المطلوبة مع الأشكال النضالية السلمية التي تخوضها الشغيلة؟ ولماذا لا تتحول هذه الاحتجاجات إلى مناسبة لفتح نقاش مسؤول حول المطالب المطروحة، بدل ترك الوضع يتجه نحو مزيد من الاحتقان؟
وهل يتعلق الأمر بغياب الإرادة في معالجة الملفات، أم بوجود تعثرات إدارية تستدعي توضيحاً للرأي العام المهني؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني إصدار أحكام مسبقة على مواقف المسؤولين، بقدر ما يعكس الحاجة إلى توضيح أسباب استمرار الوضع، وتحديد مكامن الخلل، والانتقال من تبادل المواقف إلى البحث عن حلول قابلة للتنفيذ.
ومن الزوايا التي تستدعي نقاشاً أوسع، طبيعة المؤسسة العمومية المعنية، باعتبار أن الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية تضطلع بمهام حيوية، وتحقق موارد مالية مهمة من الخدمات التي تقدمها في إطار اختصاصاتها.
وهنا يبرز تساؤل جوهري:
كيف يمكن الحديث عن الحكامة الجيدة والنجاعة في التدبير وتطوير الخدمات، دون إيلاء الأهمية اللازمة للأوضاع المهنية والاجتماعية للموارد البشرية التي تشكل إحدى الركائز الأساسية لاستمرارية المرفق العمومي؟
فالحكامة الجيدة لا ينبغي أن تقتصر على المؤشرات المالية، أو تحديث المساطر، أو تحسين جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين، بل يفترض أن تشمل أيضاً الإنصات إلى المستخدمين، وتوفير ظروف عمل ملائمة، وتعزيز العدالة المهنية، والتفاعل المسؤول مع المطالب المشروعة والمثبتة.
كما أن تحقيق نتائج مالية مهمة لا يعني، في حد ذاته، أن جميع الإشكالات المهنية قد تمت معالجتها، لكنه يفتح المجال أمام مساءلة مؤسساتية مشروعة حول أولويات التدبير، ومدى التوازن بين الأداء الاقتصادي والاجتماعي، وكيفية توظيف الإمكانات المتاحة في تحسين بيئة العمل والارتقاء بأوضاع العاملين.
ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب ليس وضع الأداء المالي للمؤسسة في مواجهة حقوق الشغيلة، وإنما التأكيد على أن النجاعة الاقتصادية والاجتماعية ينبغي أن تسيرا في اتجاه متكامل، لأن المؤسسة القوية ليست فقط تلك التي تحقق النتائج، بل أيضاً تلك التي تنجح في بناء مناخ مهني سليم، قائم على الثقة والتحفيز والإنصاف.
إن استمرار الاحتجاجات يفرض كذلك التساؤل عن طبيعة الملفات المطروحة، ومدى وضوح المسؤوليات بشأنها، وما إذا كانت قد حظيت بالمعالجة اللازمة على المستويات الإدارية المختصة.
فهل جرى الاستماع إلى المطالب التي يرفعها المكتب النقابي المحلي؟
وهل تم تحديد آجال واضحة لمعالجتها؟
وإذا كانت هناك إكراهات تحول دون الاستجابة لبعض المطالب، فلماذا لا يتم توضيحها للشغيلة بكل شفافية، مع تقديم بدائل واقعية ومواعيد محددة للتنفيذ؟
إن غياب التواصل الواضح، إن ثبت، قد يترك المجال أمام تراكم التأويلات وتنامي الشعور بعدم الإنصاف، في حين أن التواصل المؤسساتي المسؤول من شأنه أن يوضح ما يمكن إنجازه فوراً، وما يتطلب وقتاً أو مساطر خاصة، وما قد تعترضه صعوبات موضوعية.
ومن ثم، فإن معالجة الوضع لا تستوجب بالضرورة الاستجابة الفورية لكل مطلب دون دراسة، لكنها تقتضي التعامل معه بجدية، وتقديم أجوبة معللة، وإشراك ممثلي الشغيلة في البحث عن الحلول، عوض ترك الملفات معلقة دون أفق زمني واضح.
إن تمسك الشغيلة بالأشكال الاحتجاجية السلمية يعكس، من وجهة نظر نقابية، رغبة في إيصال صوتها والضغط من أجل معالجة مطالبها عبر وسائل منظمة ومؤطرة. غير أن استمرار الوضع دون انفراج ملموس يطرح احتمال الانتقال إلى أشكال نضالية أكثر تصعيداً، وفق ما قد يقرره المكتب النقابي في إطار برنامجه النضالي.
وفي هذا السياق، فإن المسؤولية تقتضي التحرك قبل الوصول إلى مرحلة أكثر تعقيداً، لأن الوقاية من الاحتقان تظل أقل كلفة من تدبير تداعياته بعد تفاقمه.
فهل تنتظر الجهات المسؤولة اتساع رقعة الاحتجاجات حتى تتحرك؟ ولماذا لا يتم استثمار المحطات النضالية الحالية باعتبارها فرصة لتدارك الوضع وفتح حوار جاد ومسؤول؟ أليس من الأجدى معالجة أسباب الخلاف في بدايتها، بدل تركها تتراكم إلى أن تصبح أكثر صعوبة؟
إن هذه الأسئلة لا تستهدف التصعيد في حد ذاته، وإنما تدعو إلى استباقه من خلال مبادرات عملية تعيد الثقة إلى الحوار الاجتماعي، وتؤكد أن الاحتجاج السلمي ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة للتعبير عن مطالب تنتظر الإنصات والتفاعل.
كما أن استمرار الاحتقان قد تكون له انعكاسات على المناخ الاجتماعي داخل المؤسسة، وعلى معنويات العاملين، وعلى جودة التواصل بين مختلف الأطراف. لذلك، فإن الحفاظ على استقرار المرفق العمومي يقتضي معالجة الأسباب التي تهدد هذا الاستقرار، وليس الاكتفاء بتدبير مظاهرها الظاهرة.
أمام هذا الوضع، يبدو أن المدخل الأكثر واقعية لتجاوز حالة الاحتقان يتمثل في فتح حوار جاد بين الإدارة وممثلي الشغيلة، على أساس جدول أعمال واضح، ومطالب محددة، والتزامات قابلة للتتبع والتقييم.
ويقتضي ذلك الاستماع إلى مختلف وجهات النظر، وتحديد الملفات ذات الأولوية، والتمييز بين المطالب التي يمكن الاستجابة لها في المدى القريب وتلك التي تحتاج إلى معالجة مؤسساتية أوسع، مع وضع آجال معقولة للتنفيذ وإخبار المعنيين بمستجدات كل ملف.
كما أن المسؤولية الاجتماعية للمؤسسة تقتضي ألا يظل الحوار مجرد إجراء شكلي أو مناسبة لتبادل المواقف، بل ينبغي أن يتحول إلى آلية فعالة لإنتاج الحلول، وتجاوز الخلافات، وترسيخ الثقة بين الإدارة والعاملين.
وفي المقابل، فإن توثيق المطالب وتوضيحها، وتقديم المعطيات المرتبطة بها، واعتماد خطاب مسؤول، من شأنه أن يساعد على تهيئة الظروف الملائمة لمعالجة الخلافات على أساس الوقائع والمصلحة المهنية المشتركة.
إن تنفيذ المحطة الرابعة من البرنامج النضالي بالمحافظة العقارية بوجدة، في ظل استمرار الوضع دون انفراج ملموس، يعيد طرح سؤال جوهري حول حدود فعالية الاحتجاج السلمي عندما لا يقابله تفاعل واضح، وحول مسؤولية مختلف الأطراف في منع انتقال الخلاف من مرحلة المطالب إلى مرحلة التصعيد.
فبين شغيلة تؤكد تمسكها بحقوقها وكرامتها، ونقابة تواصل برنامجها الاحتجاجي، وإدارة مطالبة بتوضيح موقفها والتفاعل مع المطالب المطروحة، تظل الحاجة ملحة إلى مبادرة مسؤولة تعيد الاعتبار للحوار الاجتماعي وتضع حداً لاستمرار حالة التوتر.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في احتواء الوقفات الاحتجاجية أو انتظار انتهاء البرنامج النضالي، بل في معالجة الأسباب التي دفعت إلى الاحتجاج، وتقديم أجوبة واضحة عن الملفات العالقة، وربط الحوار بالتزامات عملية يمكن قياس نتائجها.
فإذا كانت الحكامة الجيدة تعني الشفافية والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن من مقتضياتها أيضاً الإنصات إلى الموارد البشرية، والتفاعل مع انشغالاتها، وتدبير الخلافات المهنية بروح المسؤولية والإنصاف.
ويبقى السؤال الذي ينتظر جواباً عملياً:
هل تبادر الجهات المسؤولة إلى فتح صفحة جديدة من الحوار الجاد لمعالجة المطالب المطروحة، أم أن استمرار الوضع على حاله سيدفع الشغيلة إلى البحث عن أشكال نضالية أكثر تصعيداً؟
إن الإجابة لن تكون في التصريحات أو الوعود العامة، بل في الإجراءات الملموسة التي تعيد الثقة، وتصون الكرامة، وتؤكد أن استقرار المؤسسة وجودة أدائها لا ينفصلان عن احترام العاملين فيها والاستجابة المسؤولة لمطالبهم.










