- مصطفى قشنني
في خضمّ تتزاحم فيه الأصوات وتتصارع فيه قوى النفوذ، وتتداخل فيه السلطات وتتشابك المصالح، ويصبح فيه كل شيء قابلاً للمساومة والتفاوض، يبقى القضاء هو الحصن الأخير، والخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه، والمساحة المقدسة التي يجب أن تظل عصية على كل أشكال التأثير، مهما كان مصدرها، ومهما كان حجمها، ومهما كانت حساسيات من يحاول النفاذ إليها، ومهما كانت مكانة من يسعى إلى توجيهها. إن ما ينطبق على ضغط الشارع، ينطبق تماماً على ضغط الصحافة ووسائل الإعلام، وعلى ضغط المؤسسات الدولية، وعلى كل كيان أو جهة تحاول أن تهمس في أذن القاضي أو تشير عليه أو توجهه، وكأن القضاء ليس سلطة مستقلة، بل أداة قاصرة قابلة للتوجيه والتحريك والإملاء، وكأن القاضي ليس حامياً للقانون، بل مترجماً لإرادات خارجية تتخفى وراء أقنعة مختلفة.
إن الدول الديمقراطية الحقة، تلك التي تؤمن بفصل السلطات وتوازنها، وتدرك أن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع ولا مجرد خطابات سياسية، تعتبر القضاء خطاً أحمر لا يمكن الاقتراب منه، لا بالضغط ولا بالإغراء، ولا بالتهديد ولا بالترغيب، ولا بالوعيد ولا بضجيج الشارع ولا بزخم الإعلام، ولا بتدخل المؤسسات الدولية ولا بتوجيهاتها. القاضي في هذه الدول لا يسمع إلا صوت القانون، لا يرى إلا وجه العدالة، لا ينحاز إلا للحق مجرداً من كل الاعتبارات الخارجية. إنه لا ينتظر توجيهات من أحد، ولا يستشير رأي الصحف، ولا يلتفت إلى حملات الإعلام، ولا يصغي إلى إملاءات المؤسسات الدولية، لأنه يعلم أنه ليس تابعاً لأي سلطة، وأن مسؤوليته الأخلاقية والقانونية لا تقبل القسمة، وأن حكمه يجب أن يصدر عن قناعة داخلية بحتة، وليس عن تأثير خارجي مهما بدا مشروعاً أو مقنعاً، ومهما كانت الأدوات التي يستخدمها هذا التأثير، ومهما كانت النوايا التي يختبئ وراءها.
إن القضاء في جوهره الفلسفي العميق، ليس مجرد مؤسسة من مؤسسات الدولة، ولا مجرد سلطة من السلطات التقليدية الثلاث، بل هو الضمير الحي للأمة، والبوصلة التي توجه المجتمع نحو العدالة، والميزان الذي يزن به الحقوق والواجبات دون محاباة أو انحياز. القاضي الحقيقي هو ذلك الكائن الذي يسمو بنفسه فوق كل الاعتبارات الدنيوية، فوق كل الأهواء والانحيازات، فوق كل الضغوط الاجتماعية والسياسية والإعلامية والدولية، ليصبح كمرآة صافية تعكس الحقيقة المجردة دون تشويه، وكجبل شامخ لا يتزعزع أمام العواصف، وكصوت لا يعلو عليه أي صوت آخر في قاعة المحكمة. إنه ينظر فقط إلى الوقائع كما هي، ويطبق عليها النصوص القانونية كما وُضعت، ثم يصدر حكمه وفق ما يراه مناسباً لتلك الوقائع، وكأنه يؤدي شعيرة دينية مقدسة لا تحتمل الدنس أو المزايدة، وكأنه يمارس أسمى أنواع العبادة الإنسانية، وهي عبادة العدالة والحقيقة.
وهنا تكمن العظمة الحقيقية للقضاء المستقل، حين نرى نماذج تاريخية ومعاصرة تثبت أنه لا شيء يعلو على القانون، ولا أحد فوق المساءلة، مهما عظمت مكانته، ومهما كانت إنجازاته، ومهما كانت الخدمات التي قدمها لوطنه أو لقضيته أو لأمته. إن متابعة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في قضايا فساد، رغم ما يقدمه من خدمات تعتبر غير مسبوقة للكيان الصهيوني، ورغم ما يمتلكه من نفوذ سياسي وإعلامي هائل، ورغم ما يمكن أن يثيره هذا التحرك من ردود فعل داخلية وخارجية، هي أبلغ دليل على أن القضاء لا ينظر إلى الإنجازات السياسية ولا إلى الماضي المجيد، ولا يستمع إلى حملات التأييد ولا إلى أصوات الشارع، بل ينظر إلى الوقائع والأدلة، ويطبق القانون بكل تجرد ومسؤولية، وكأن المتهم ليس رئيس وزراء، بل مواطن عادي لا فرق بينه وبين أي إنسان آخر. هذا هو القضاء الذي يستحق الاحترام، وهذا هو الاستقلال الذي يجعله سلطة حقيقية، لا مجرد أداة في أيدي السلطة التنفيذية أو التشريعية، ولا مجرد صدى للشارع أو للإعلام.
وكذلك الحال مع ما حدث للرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، حين سُجن وأدين في قضايا فساد، رغم ما كان يمتلكه من نفوذ وعلاقات وقدرة على التأثير في الإعلام والرأي العام، ورغم ما كان يتمتع به من حصانة سياسية وأصدقاء في مراكز القوة في الداخل والخارج. القضاء الفرنسي لم يتردد، ولم يستشر الشارع، ولم ينظر إلى ما يريده الجمهور، ولم يأبه بحملات التأييد أو المعارضة، ولم يلتفت إلى ضغط الصحافة أو تهديداتها، بل نظر إلى القانون فقط، وطبق العقوبة التي يستحقها، وكأنه يرسل رسالة واضحة إلى العالم أجمع: أن لا أحد فوق القانون، وأن القضاء لا يعرف لا الكبار ولا الصغار، لا الأصدقاء ولا الأعداء، لا الأقوياء ولا الضعفاء، ولا من يملك ظهراً قوياً ولا من لا يملك سوى حقه العاري. إنه يذكرنا بأن جوهر العدالة هو العمى المتعمد عن كل ما ليس حقاً، والصم المتعمد عن كل ما ليس قانوناً.
وفي السياق ذاته، وبعيداً عن قضايا الفساد الفردية، نرى كيف أن القضاء في بعض الدول العريقة في مؤسساتها، كالولايات المتحدة، يتصدى لقرارات الرئيس نفسه، حين تتجاوز حدود الدستور أو تتعارض مع القوانين النافذة. كما حدث مع قرارات ترامب المتعلقة بتجميد التأشيرات ومنع الهجرة من عشرات الدول، حيث أصدر القضاء أحكاماً أوقفت هذه القرارات، ليس لأنه مع أو ضد الهجرة، ولا لأنه يؤيد سياسة دون أخرى، ولا لأنه يستمع إلى صوت الشارع المؤيد أو المعارض، بل لأنها تخالف الدستور والقوانين، ولأن السلطة التنفيذية ليست فوق القانون، ولأن القضاء هو الحارس الأمين للدستور وللحقوق والحريات التي يكفلها. القاضي الذي يوقف قراراً رئاسياً لا ينتظر توجيهات من أحد، ولا يستشير الإعلام ولا المؤسسات الدولية، ولا يخضع لضغط المحكمة العليا ولا يخشى غضبة الرئيس، بل يصدر حكمه انطلاقاً من فهمه العميق للقانون، ومن إيمانه الراسخ بأن القضاء هو الضمانة الوحيدة لحماية الديمقراطية من طغيان السلطة أو طغيان الجماهير، وأن استقلاليته هي الثمن الذي تدفعه الدولة للحفاظ على شرعيتها.
القضاء القوي المستقل هو الذي لا ينتظر التعليمات، ولا يستمع إلى التوجيهات، ولا يصغي إلى النصائح، ولا يخضع للضغوط، مهما كان مصدرها، ومهما كانت الوسائل التي تمارس بها. إنه كالجبل الشامخ الذي لا يتزعزع أمام العواصف، كالنور الذي لا يخفت أمام الظلام، كالصوت الذي لا يعلو عليه أي صوت آخر في قاعة المحكمة، كالميزان الإلهي الذي لا يميل مع الريح ولا يتأثر بالزلازل. إنه السلطة التي تحفظ التوازن بين السلطات، وتحمي الحقوق، وتصون الحريات، وتضمن أن القانون هو الحاكم الوحيد في المجتمع، وأن العدالة هي الغاية الأسمى التي يسعى إليها، وأن المساواة أمامه هي الضمانة الوحيدة لديمقراطية حقيقية. وإذا غاب هذا القضاء، إذا ضعف هذا الاستقلال، إذا أصبح القاضي يستمع إلى الشارع قبل أن يستمع إلى القانون، أو يصغي إلى الإعلام قبل أن يصغي إلى ضميره، أو يخضع للمؤسسات الدولية قبل أن يخضع لدستوره، فإننا سنفقد الضمانة الأخيرة للعدالة، ونهدم أساس الدولة القانونية ولبناتها، ونعود إلى القهقري إلى عصور الفوضى والظلم، إلى عصر الكهف والغابة، حيث القوي يأكل الضعيف، وحيث لا عدالة إلا بقدر ما تملك من قوة، وحيث لا حق إلا بقدر ما تستطيع من نفوذ، وحيث لا قانون إلا بقدر ما ترضى عنه السلطة أو الجماهير أو بالأحرى القبيلة.
إن العالم اليوم يشهد تراجعاً مقلقاً في استقلالية القضاء في كثير من البقاع، حيث أصبحت الأحكام تصدر أحياناً وفقاً لمزاج الشارع، أو وفقاً لاتجاهات الإعلام، أو وفقاً لإملاءات المؤسسات الدولية، وكأن القاضي قد تنازل عن سلطته الأخلاقية، وكأنه أصبح مجرد قارئ نصوص، أو آلة لتلاوة العقوبات التي يفرضها الآخرون، أو مترجماً لإرادات خارجة عن نطاق القانون. وهذا التراجع ليس مجرد ضعف مؤسسي، بل هو انهيار للقيم الإنسانية ذاتها، لأن العدالة ليست مجرد إجراءات وقوانين، بل هي روح الإنسان، وكرامته، وحقه في أن يعامل كإنسان متساو مع غيره، بغض النظر عن قوته أو ضعفه، عن غناه أو فقره، عن شهرته أو غموضه، عن ظهره القوي أو ضعفه.
لذلك، لا بد من التأكيد مرة أخرى، على أن القضاء يجب أن يظل عصياً على أي تأثير خارجي، مهما كان مصدره، ومهما كانت قوته، ومهما كانت نواياه، ومهما كان الظهر الذي يسنده. إن استقلالية القضاء ليست امتيازاً للقضاة، ولا هي رفاهية للدول الغنية، بل هي حق أساسي للمواطنين جميعاً، لأنهم يحتاجون إلى سلطة محايدة تنصفهم وتحميهم من كل أنواع الظلم، سواء أكان هذا الظلم صادراً عن السلطة التنفيذية، أو عن التشريعية، أو عن أهواء الرأي العام المتقلب، أو عن الإعلام المسيس، أو عن المؤسسات الدولية المتحيزة، أو عن التفاوت في القدرة على التأثير والضغط. القضاء الحر هو الضمانة الأخيرة للفرد ضد طغيان الجماعة، وللضعيف ضد قوة القوي، وللمظلوم ضد تعنت الظالم، وللمهمش ضد من يملك ظهراً قوياً، وللصامت ضد ضجيج العالم. وإذا ما فقد القضاء هذه الاستقلالية، إذا ما أصبح خاضعاً لصيحات الشارع وضغوط الإعلام وإملاءات المؤسسات الدولية، وإذا ما أصبحت المساواة أمامه مجرد ذكرى، فإننا نفقد كل هذه الضمانات، وتنهار أسس الدولة القانونية، ويصبح المجتمع كسفينة بلا دفة، تتقاذفها أمواج الأهواء والأمزجة، وتتناطح فيها ظهور الأقوياء على رقاب الضعفاء، وتتلاعب بها أيدي الإعلام والمؤسسات الدولية كما تشاء، حتى تتحطم في النهاية على صخور الفوضى والظلم والطغيان.









