- مصطفى قشنني
كلما اقترب موسم الانتخابات، رنّ جرس البورصة في هذا البلد، لا في وول ستريت. بورصة لا تُتداول فيها الأسهم، بل الآيات. ولا تُباع فيها العقود، بل العقائد. ولا تُسمع فيها صيحات التجار، بل همسات المنابر. وأنا، منذ سنوات، أجلس على رصيف هذه البورصة، أراقب الأسعار، وأقرأ في وجوه المضاربين، فرأيت من العجائب ما لم يره أحد ربما.
في هذه البورصة، الإتجار بالدين سهم ممتاز. في مواسم الركود، يهبط إلى أدنى قيمة، فلا تسمع لخطيبٍ صوتًا، ولا ترى لمنبرٍ نورًا، لكن حين يقترب موعد الاقتراع، يرتفع السهم ارتفاعًا جنونيًا، فتُرفع الرايات، وتُضاف إلى اللحى ألوان، وتخرج الشريعة من ثلاجة الصمت لتصعد إلى منصة المزاد، ويتحول الفقير الذي كان يعبد الله في الخفاء إلى مادة إحصائية في العلن. وهكذا، في كل خمس سنوات، يُبعث المقدس من جديد مثل طائر الفينيق، ثم يُقتل من جديد، في دورةٍ لا تنتهي.
ويُطرح في السوق سؤال قديم: من ربح؟ من خسر؟ لا أحد يجيب، لأن الجميع في هذا السوق يخرجون رابحين في الكلام، خاسرين في الحصيلة. غير أن هناك رجلًا واحدًا في هذه البورصة لا يخسر أبدًا، لأنه لا يبيع الأسهم، بل يبيع البضاعة، وهو، في كل صفقة، يأخذ عمولة. عمولته: عصا وعمامة أو شاشيّة و تسبيح ، وحمايةٌ أمنية، وسيارة مخزنية، وسبعة ملايين في الشهر، تخرج من بيت مال الأمة، وهي الأمة التي يخطب باسمها، ويكذب عليها، ثم يسميها “مداويخ”.
سألت نفسي مرة، وأنا أقرأ أرقام هذه البورصة: لماذا الدين سهم ممتاز، والشريعة بضاعة رائجة، وفلسطين وعدٌ مؤجل، والتطبيع عقدٌ موثّق؟ فأجابني منطق السوق: لأن المقدس أغلى بضاعة يمتلكها الفقير، وأرخص سلعة يشتريها السياسي. الفقير يشتري بالآخرة، والسياسي يشتري بالدنيا. الفقير يعطي قلبه، والسياسي يعطي لسانه. الفقير يموت من أجل الدين، والسياسي يقتات على الدين. ومن هنا، فإن هذه البورصة لا تُدار بالعقل، بل بالعاطفة، ولا تُقاس بالأرقام، بل بالأوهام. والوهم، كما نعلم، هو العملة الوحيدة التي لا تنفد أبدا.
وليس غريبًا، في هذا السياق، أن يبيع رجلٌ وطنًا كاملًا في صفقةٍ واحدة، ويحتفظ في جيبه بآية، يخرجها عند الحاجة. في زمن العسر، يأتي بالآية، فتسيل الدموع، وتفتح الجيوب، وتزغرد الحناجر. في زمن الرخاء، يخفي الآية، ويأتي بالقانون، ويقول: “الضرورة تقتضي” أو “الضرورات تبيح المحظورات”. وهكذا يعيش السياسي بين آيتين: آيةٍ للفقراء، وآيةٍ للحكّام. وفي كلتا الآيتين، هو رابح، والشعب خاسر. وفي كلتا الآيتين، يبقى الإمتياز ثابتًا، ولو اهتزّ الضمير.
ليست الحكاية حكاية رجل واحد، بل حكاية سوق كامل. سوق بُنيت على قاعدةٍ واحدة: اجعل المقدس عملة، وستصبح أغنى رجل في البلدة. اجعل الآية في متناول يدك، وستبيعها لمن يدفع أكثر. اجعل الكرسي عرشك، وستبقى على العرش ما دمت تحسن الخطابة. هذه هي المعادلة الذهبية التي بنى عليها صاحب وصف القندوح إمبراطوريته الصغيرة، وهي معادلة لا تحتاج فقط إلى حزب ولا إلى برنامج، بل إلى: صوت جميل رخيم، وذاكرة قصيرة تشبه ذاكرة السمكة، و”أتصنطيحة” و”تخراج العينين” و براعة في فن الإبتزاز.
لكن قوانين السوق صارمة، والبورصة لا ترحم. فمن يعتمد على المؤامرة، يخسره المؤامرون. ومن يعتمد على الذاكرة القصيرة، تأتيه الذاكرة الطويلة، ولو بعد حين. ومن يعتمد على الصمت، يأتي من يصيح في وجهه ويصرخ، ولو بعد موت. ومن يبيع الدين بالدنيا، يخسر الدين، ويخسر الدنيا، ويبقى وحده في مقبرة الكراسي، يقرأ على نفسه المرثية. والمرثية، في هذه الحالة، ليست على الرجل، بل على الضمير – إن وُجد -. وعلى من صدّقه، وصفّق له، وهتف باسمه، وهو يعرف في داخله أنه يكذب. ولذلك، فالخسارة الكبرى ليست خسارة الكرسي، بل خسارة من آمن به. وهو، في كل خطبة، يقول لهم: “أنا منكم”، ثم يذهب إلى بيته، ويقول لزوجته: “لماذا يصدّقونني؟”. وهذا هو السؤال الأخطر: ليس سؤال الكذب، بل سؤال التصديق. فالكذاب لا يُصدَّق إلا إذا كان في الشعب من يريد أن يُصدّق. والطاغية لا يُطاع إلا إذا كان في الشعب من يريد أن يُطيع. وهذه هي المعادلة الحقيقية التي لا يتحدث عنها أحد، لأنها تساوي بين الجلاد والضحية، لا في الظلم، بل في المسؤولية.
هذه البورصة لا تُغلق أبوابها في ليلة واحدة، لكنها تُفلس في ليلة واحدة. تُفلس حين تُكشف فاتورةٌ قديمة، أو يُنشر توقيعٌ منسي، أو يُسمع صوتٌ مكتوم. يومها، يهبط سهم المقدس، ويصعد سهم الفضيحة، ويقع الجميع في العراء. يومها، لا تسمع للمنابر صوتًا، ولا ترى للخطباء وجهًا، يومها، يظهر أن الدين بريء من هذه البورصة، وأن السياسة خائنة لهذه البورصة، وأن الشعب ضحية هذه البورصة. ويظهر أن كل الذين تاجروا بالمقدس، لم يكونوا إلا مضاربين في سوقٍ لا يدوم، وسقطوا كما يسقط كل من بنى على الرمل، وظن أن الرمل تلّ أو جبل.
أكتب هذه الكلمات وأنا أعرف أن الرجل لن يقرأها، أو أنه سيقرأها ويقول: “هذه حملة ممنهجة ضدي في عشية التصويت”. لكن لا تهمني القراءة، بل تهمني الحقيقة. والحقيقة أن من يتاجر بالمقدس لا يمكن أن يُؤتمن على المقدس، ومن يبيع فلسطين لا يمكن أن يحمل القضية، ومن يجلس على الكرسي بالآيات سيسقط بالآيات. هذا ليس رأيي، بل قانون السوق. والسوق، مثل الزمن، لا يحتاج إلى خطباء. يكفيه أن يمرّ الوقت، ويسقط القناع، ويظهر الوجه. والوجه الحقيقي ليس ما يقول، بل ما فعل. والفعل، في كل هذه السنوات، كان قولًا مكتوبًا في الخزينة، لا في الضمير. وفي الخزينة، كما تعلم، لا يوجد ضمير. يوجد رصيد، وعمولة، وسبعة ملايين في الشهر تُؤخذ عدا ونقدا.
وهكذا، يبقى سؤال واحد معلقًا على أبواب البورصة: بعد أن يبيع السمسار آخر آية، وبعد أن يرتفع سهم الفضيحة إلى السماء، وبعد أن يفيق الشعب من سكرة الخطابات، من سيشتري؟ ومن سيبيع؟ ومن سيبقى واقفًا في العراء؟ والجواب: الشعب سيبقى واقفًا، لأنه لا يملك إلا الصبر، والصبر أقوى من كل سهم، وأثقل من كل كرسي. أما الكراسي، فتُكسَر. وأما الآيات، فتبقى. وأما الذين تاجروا بها، فيذهبون إلى مزبلة التاريخ، ليجدوا فيها أنفسهم، ويجدوا فيها من صفّق لهم، ويجدوا فيها من صدّقهم، ويجدوا فيها من صمتَ عنهم. وكلهم في النهاية، في مزبلة واحدة. وهذه هي القاعدة الوحيدة الثابتة في بورصة المقدس: كل من يبيع المقدس، يفلس. وكل من يشتري المقدس، يفلس. ولا يبقى إلا المقدس. والمقدس، كما تعلم، لا يُشترى ولا يُباع.








