- نزار بولحية
سيقول البعض إن الصحراء هي السبب، وسيقول آخرون إنها الجراح الغائرة لحرب الستينيات أو استمرار سوء فهم قديم وتراكم أزمات لم يتم احتواؤها بسرعة، هي التي جعلت العلاقات الجزائرية المغربية على الحال الذي هي عليه الآن. ومع ذلك هل كان ممكنا أن يحدث أمر كهذا في المركز الدولي للمؤتمرات “عبد اللطيف الرحال” في العاصمة الجزائر: يدخل وزير الخارجية المغربي قاعة الاجتماعات الكبرى، ويصافح نظراءه في الدول المغاربية الأربع. وبعد أن يأخذ مقعده ويستمع إلى خطاب الافتتاح ويحين دوره لإلقاء كلمة باسم بلاده يبدأ بشكر المنظمين على حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، ثم يؤكد “على العزم القوي والإرادة الراسخة للمملكة المغربية في مواصلة تعزيز مسار هذه الشراكة الاستراتيجية المثمرة، وتطلعها إلى مضاعفة الجهود بمعية شقيقاتها قصد إعطائها الزخم المنشود والإضافة النوعية التي نتطلع إليها جميعا”، ويعرب بعدها عن اليقين بأن “ما نتحلى به من إرادة جماعية صادقة، وعزم أكيد، وبفضل توجيهات قادتنا حفظهم الله، سنتمكن من كسب الرهان ورفع التحديات للرقي بشراكتنا إلى مستوى تطلعات شعوبنا في التقدم والازدهار”؟
ربما في حالة واحدة كان سيكون من الممكن جدا أن يحصل ما حدث الخميس الماضي في مكة المكرمة، حين التقى ناصر بوريطة بوزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في الاجتماع السابع المشترك بين دولهم والمغرب، لكن في العاصمة الجزائرية هذه المرة ومع وزراء خارجية اتحاد المغرب العربي، لو اقتنع هؤلاء بأنه لن يكون من مصلحتهم أن يجازفوا بمستقبل أكثر من مئة مليون مغاربي، وفعلوا بالتالي ما فعله نظراؤهم الخليجيون وهو التعبير عن “الدعم الكامل والراسخ للوحدة الترابية للمغرب ولسيادته على أقاليمه الجنوبية”.
غير أن تحقيق ذلك يبدو عصيا الآن، ليس فقط لأن الجزائر لا تزال تعارض وبشدة أي اعتراف بالسيادة المغربية على تلك المنطقة، ولكن لأن الدول المغاربية ما زالت منقسمة في مواقفها بشأن أعقد وأكبر ملف إقليمي يهمها أكثر من غيرها وهو ملف الصحراء، فضلا عن أن العلاقات بينها تبدو غالبا أقل من أن توصف بالعادية أو الطبيعية. لقد رأى الجميع وعلى الهواء مباشرة، كيف أن أمتارا قليلة فقط كانت تفصل بين وزيري خارجية أكبر بلدين مغاربيين، أي الجزائر والمغرب، كما ظهرا في مشهد خاطف عرضه التلفزيون الرسمي المصري، خلال نقله لفعاليات القمة العربية الطارئة، التي عقدت الثلاثاء قبل الماضي في العاصمة الإدارية المصرية الجديدة، وبدا الاثنان وهما يسيران مع باقي رؤساء الوفود العربية الاخرى داخل أروقة المقر الذي احتضن القمة، دون أن يحاول أي واحد منهما أن يقترب من الآخر، أو حتى يلتفت نحوه ودون أن يقدم المحيطون بهما على تشجيعهما، أو حثهما على أن يتبادلا التحية والسلام، ويهنئا، ولو على سبيل المجاملة، بعضهما بعضا بشهر رمضان. والمؤكد أنه ليس معروفا ما الذي كان يدور في ذهن كل واحد منهما في تلك اللحظة بالذات. لكن ما نقلته عدسات الكاميرا هو أن ناصر بوريطة كان مشغولا بالحديث مع نظيره السعودي، فيما كان أحمد عطاف يغذ السير نحو قاعة الاجتماعات.
وفي كل الأحوال فإن ذلك المشهد القصير والعابر عكس المفارقة الصارخة والحزينة في الوقت نفسه وهي، أنه وعلى قدر قرب الجارتين الجزائرية والمغربية من بعضهما بعضا جغرافيا وعرقيا ودينيا على الأقل، فإن كل واحدة منهما باتت في نظر الثانية بعيدة أكثر من أي وقت مضى عن الأخرى. وللأسف فكلاهما لا تنكران تلك الحقيقة، ولا تتنصلان منها، لكنهما تختلفان في تقديم السبب أو الأسباب التي أدت إلى وجودها. لكن لنتخيل لحظة واحدة أن أجداد الجزائريين والمغاربة نهضوا من قبورهم ورأوا ما وصل إليه اليوم أحفادهم من عداء مقيت وشقاق وقطيعة في ما بينهم. فكيف سيكون رد فعلهم في تلك الحالة؟ وهل أنهم كانوا سيباركون ويوافقون على أن تستمر تلك الوضعية الشاذة والغريبة بين شعبين اختلطت دماؤهما وامتزجت، حين حاربا الاستعمار الفرنسي معا في خندق واحد؟ لقد بات البلدان مختلفان في كل المسائل والقضايا تقريبا، وعلى أعقد وأبسط الأشياء، وصار من النادر جدا أن نراهما يشتركان في موقف واحد، بل إن الانطباع الذي بات يترسخ يوما بعد آخر هو، أن كل واحد منهما صار حريصا على البحث عما يميزه عن الآخر، وعلى أن يثبت أنه الأفضل منه، بشتى الطرق والوسائل، حتى لو أدى ذلك إلى استنزاف كل جهوده وطاقاته وثرواته. ولم يعد الحديث هنا فقط مقتصرا على سباق التسلح المجنون، الذي تنفق فيه الجارتان سنويا مليارات الدولارات لشراء الطائرات المقاتلة والصواريخ المتطورة وشتى أنواع الأسلحة الأخرى، بل إنه امتد ليشمل كل المجالات تقريبا. ولعل آخر شيء اختلفا عليه هو الاحتفال بعيد الأضحى. فمع حالة الجفاف التي شملتهما معا في السنوات الأخيرة وما سببه ذلك من نقص كبير في أعداد قطعان الماشية فيهما، دعا العاهل المغربي أواخر الشهر الماضي شعبه إلى “عدم القيام بشعيرة أضحية العيد لهذه السنة”. لكن الرئاسة الجزائرية تصرفت بطريقة أخرى، وقالت في بيان لها الأحد الماضي، إن الرئيس عبد المجيد تبون “أمر وزير الفلاحة بإعداد دفتر شروط لإطلاق استشارة دولية في أقرب الآجال مع دول لها قدرة التموين لاستيراد إلى غاية مليون رأس من الماشية، تحسبا لعيد الأضحى”. وقد يرى البعض أن ذلك الاختلاف في المواقف يبدو طبيعيا جدا وعاديا، وأنه ليس من الضروري أن تتطابق دائما بعض القرارات السيادية الداخلية التي تأخذها دولة مع تلك التي تأخذها جارتها، لكن بالنسبة للجزائر والمغرب، فإن الأمر يتجاوز كل الحدود ويبدو في كثير من المرات وكأنه محاولة للتمرد على قواعد الجغرافيا والتاريخ التي فرضت عليهما أن يوجدا في إقليم واحد، وأن يكون لهما ماض وحاضر ومستقبل مشترك. وقد يقول قائل وما الضير في التعايش مع تلك الوضعية؟ ومن قال إن الجزائريين والمغاربة غير قابلين بها، أو راضين عنها؟ وهل لا بد لهم من أن يقادوا إلى جنة التصالح بالسلاسل؟
إن جزءا مهما من نخبهم باتت تفكر للأسف على ذلك النحو، وترى أن القطيعة بين البلدين هي شر لا بد منه، أو أنها أهون من دخولهما مجددا في حرب، بل إن هناك من بات يقول صراحة، إن بلاده ليست في حاجة إلى جارتها، وإن بإمكانها أن تعيش بمعزل عنها.. والخطورة التي قد يمثلها مثل ذلك التفكير هي أنه يعطي وبصورة ما مشروعية للاستعمار، الذي ضحت عدة أجيال من البلدين في سبيل طرده وعمل طوال عدة عقود على تكريس الانقسام بينهما وتحقق له بالتالي واحد من الأهداف الكبرى، التي لم يفلح في التوصل لها قبل خروجه من المنطقة والإعلان عن استقلال المغرب والجزائر. أما من يقنع الجزائريين والمغاربة بذلك؟ فهنا بيت القصيد.
كاتب وصحافي من تونس