- مصطفى قشنني
*وننتخبُ القبحَ عن وعيٍ فنعشقهُ
ثمّ نُحاكمُ وجهَ المرآةِ في صلفِ*
صدقوني ..وجدة الآن، ليست مدينة تُدار، بل تُستنزف. إنها مختبر مفتوح لتجريب الفشل، حيث تُستبدل البرامج بالتبريرات، والإنجازات بالبهرجة، والمؤسسات بساحات استعراض فارغ. في كل دورة انتخابية، تعود نفس الوجوه، تحمل نفس العجز، وتعيد تقديمه بكرافات جديدة.
رئيس جهة سابق، تُطارده شبهات الترويج الدولي للمخدرات، يُستبدل برئيس جديد لا يحرّك شفتيه إلا حين تأتيه الإشارة. جماعة فقدت ذاكرتها السياسية في “بلوكاج” ممتد، ثم وجدت نفسها في خصومات أشبه بما يُعرض في حلقات الصراع على الإرث في المسلسلات الرديئة. أما رئيس مجلس العمالة، فقد بلغ ذروة الإبداع حين قرّر أن يُخلّد عهده بـمرحاضين عموميين بـ42 مليون سنتيم. مرحاض بسعر شقة؟ وما المانع؟ في مدينة تتغوّل فيها النفايات على الأرصفة، ويُختزل التحديث الحضري في باب مغلق.
هنا لا تُقاس المسؤولية بالكفاءة، بل بعدد الصور بجانب مشاريع مغلقة. لا يُحاسب المسؤول حين يُهمل، بل يُكافأ حين يفشل. الحصيلة؟ تصريحات منمقة، وبلاغات لا تقنع حتى من كتبها، وتبريرات تليق بأفلام عبثية لا بالواقع. الإنارة لا تضيء، والنقل لا يصل، والنظافة لا تنظف، ومع ذلك نُقصف يوميًا برسائل تفيد بأن المدينة تتحرك، لكنها على الأرجح تتحرك نحو الهاوية.
الساكنة ترى وتسمع وتدفع الثمن. ترى كيف تُدار مدن أخرى بتصورات واستراتيجيات واضحة، بينما وجدة تُدار بالصدفة. طنجة تشهد تحولات اقتصادية جذرية، تُطوّر الميناء وتُعيد تشكيل بنيتها الصناعية. القنيطرة تجذب شركات السيارات وتقيم مصانع تُغذّي سوق الشغل. مراكش تُحدث فضاءات ثقافية وتراثية، تجمع بين القديم والحديث بذكاء حضري لافت. أكادير تفتح واجهات بحرية وتربطها بالمجالات اللوجيستية والاستثمارية، تُراكم نقاطًا حقيقية في مؤشر التحول المحلي و زيد وزيد….
وفي وجدة؟ المجلس يشتغل على توزيع التفويضات وكأنها “وزيعة”. البرامج التنموية تُعطَّل لأن النائب غاضب، والمشاريع تُجمَّد لأن الرئيس لا يريد أن يمنح الصلاحيات. الحوار يُغيب لأن المكتب يُفضّل العتمة على الشفافية، والمصلحة العامة لا تُناقش إلا على الهامش، باعتبارها زائدة لغوية في بلاغات رسمية أُعدّت على عجل.
المنتخبون في تلك المدن الأخرى يفكرون في الاستثمارات، في التخطيط الترابي، في الجدوى الاقتصادية، في خلق فرص الشغل، في الجاذبية الحضرية، بينما منتخبونا في وجدة يفكرون في التصعيد والتصويت والبيانات المصورة. هناك، تُدار المدينة بمنطق تدبيري صارم. هنا، تُدار كمن يجرّ عربة بلا عجلات في شوارع بدون اتجاه.
ما يؤلم أكثر أن هؤلاء الذين خلقوا هذا العبث، يستعدون بكل ثقة لخوض انتخابات جديدة، وكأن الكارثة لم تقع، وكأن الفشل شهادة يُمنح لا يُحاسب عليه. إنهم يدخلون مرة أخرى في منافسة مفرغة، يستعيدون فيها نفس الخطابات، نفس النبرة، نفس الوعود، دون أن يُحرّكوا في ضميرهم لحظة اعتراف واحدة بأنهم تركوا المدينة تتألم.
إن ما يجري ليس مجرد تسيير سيئ، بل اغتيال سياسي لمعنى التمثيل المحلي. لأن التمثيل يعني الإنصات للناس، لا الجلوس بينهم والتصوير. يعني تطوير المدينة، لا تركها تُدبر نفسها بالصدف والحظ السيئ. يعني التفكير في المستقبل، لا ترميم منصب.
المدينة لا تحتاج إلى مراحيض بملايين، بل إلى تطهير إداري وسياسي حقيقي. إلى وجوه جديدة لا تحمل في سيرتها المهنية صورًا دعائية ولا بلاغات فارغة، بل تحترم عقل المواطن، وتشتغل بصمت وتنجز بلا تملق. المسؤول الحقيقي لا يلتقط صورة بجانب مرحاض، بل يُنجز مشاريع لا تحتاج إلى تبرير.
إلى ذلك الحين، ستظل وجدة المدينة التي تُهان مرتين: مرة بالفشل، ومرة بتمجيد الفشل. وستظل صرخة الساكنة تتردد بلا صدى، لأن من يُفترض أنهم آذان الشعب، أصبحوا لا يسمعون إلا صدى مصالحهم. وجدة لا تستحق هذا العار. بل تستحق مسؤولين يخجلون قبل أن يُقرروا، ويحسبون للمستقبل لا لمقاعدهم، ويعرفون أن من يخطئ في حق المدينة لا يعتذر… بل يُحاسب.
ملحوظة:
من هذه النافذة سنطل لا بصيغة الود، بل بصيغة المساءلة. سنكتب لا لنُرَبت على أكتاف الإدارات، بل لنتفحّص ضميرها، وننبش في الملفات التي توارَت خلف الصمت أو الدعاية الباهتة. نُدرك أن الحديث عن وجدة والجهة لا يحتمل المجاملة، بل يحتاج جرأة تُسائل، وخيالًا يُضيء نقاط التصدّع، وقلمًا لا يُساوم على الموقف. هنا لا مجال لإعادة إنتاج البلاغات الرسمية، بل لتفكيكها وفضح منطقها، لربط صورة المسؤول بواقع المواطن، لا بالتصريحات المصقولة. سنكتب كما ينبغي، باسم مهنةٍ لا تخضع إلا للحقيقة، لا للترضيات. في زمن تعفن فيه الخطاب وذابت فيه المسؤولية، سنُعيد للكتابة نبضها الجارح، للصحافة وظيفتها الرادعة، وللرأي العام حقه في المعرفة بلا تزييف. لأننا نؤمن أن النقد الصادق يسبق المحاسبة، وأن الكلمة الحرة لا تتوسّل إذنًا لتُقال. لذلك، وبكامل اليقين، سنقول كلمتنا… ونمشي ..”والرأي قبل شجاعة الشجعان”..








الوجدي بزز اعليهممنذ 7 أشهر
شكرا السي مصطفى..المسؤول الذي يفكر في ي مهرجان الراي التافه اكثر مما يفكر في معاناتنا مسؤول لا يعول عليه..انتهى الكلام
نعيمة نمنذ 7 أشهر
المرجو التطرف الى فوضى النقل الحضري نحن نعيش في بداية العصور الحجرية نتنقل عبر الهوندات وتريبورتورات والمسؤولون يتفرجون على معاناتنا
متتبع للشأن المحليمنذ 7 أشهر
شكرا على هذا المقال الرائع استاذ قشنني..وكأنك تتحدث بإسمي ولساني
عبد الباقيمنذ 7 أشهر
شكرا دكتور مصطفى قشنني والله العظيم اشفيت غليلي.. تحليل في صميم الصميم.بوركت وبورك قلمك
رشيد بشيريمنذ 7 أشهر
احييك استادي العزيز على هدا المقال الرائع اجمل ما قرأت عن تحليل الوضع الدي ألت اليه مدينة وجدة .حبدا لو تطرقت إلى أحد جوانب الفشل الدي نتحمله نحن كصحفيين واعلاميين باقبار موسسة تخص الصحفيين والتي لم تر النور الى حدود كتابة هده الاسطر رغم تدشينها لازيد من عقد