أوديسا المغرب.. بين أسطورة هوميروس وهروب السبعين ألفًا..

admin
2026-08-10T03:14:33+02:00
مقالات رئيس التحرير
adminمنذ 4 ثوانيآخر تحديث : منذ ثانيتين
أوديسا المغرب.. بين أسطورة هوميروس وهروب السبعين ألفًا..
  • مصطفى قشنني

ليس صدفة أن يختار كريستوفر نولاند المغرب لتصوير ملحمته “الأوديسة”، ففي هذه البقعة من العالم يتداخل الأسطوري بالواقعي، ويتلاشى الحد الفاصل بين حكايات هوميروس الخالدة ومعاناة البشر المعاصرة. فالمغرب، الذي جسّد في الفيلم عوالم إيثاكا وقصور نيستور وشواطئ السيكلوب، يتحول اليوم إلى مسرح لملحمة أخرى لا تقل درامية، ملحمة الهروب الجماعي نحو سبتة ومليلية، حيث يصطدم جمال المكان ببشاعة الحلم الضائع، وحيث تتحول الجغرافيا إلى سجن مفتوح والبحر إلى شاهد على مآسي إنسانية لا تنتهي.

في صحراء ورزازات، حيث قامت أسوار “أيت بن حدو” شاهدة على قرون من التاريخ، تتقاطع حكايات الأوديسة القديمة مع رحلات المهاجرين الجدد. فكما جاب أوديسيوس البحار المتوسطية بحثًا عن وطنه، يجوب اليوم آلاف المغاربة الصحاري والجبال والبحار بحثًا عن وطنهم المفقود في الضفة الأخرى. لكن الفرق شاسع: أوديسيوس كان بطلًا أسطوريًا يواجه وحوشًا وأساطير، بينما مهاجرو اليوم هم بشر عاديون يواجهون واقعًا أكثر قسوة من أي أسطورة . إنهم يواجهون جدرانًا من الأسلاك الشائكة، وحراسًا بلا رحمة، وبحرًا يبتلع الأحلام قبل أن تبلغ الشاطئ الآخر.

المغرب في فيلم “الأوديسة” ليس مجرد خلفية طبيعية، بل هو شخصية رئيسية في حد ذاته. فمن قمم الأطلس المغطاة بالثلوج إلى كثبان الصحراء الذهبية، ومن أزقة مراكش الضيقة إلى شواطئ الصويرة العاتية، يتحول البلد إلى لوحة فنية متحركة تجمع بين جمال الطبيعة وقسوة التاريخ. لكن هذا الجمال يخفي تحت سطحه جراحًا عميقة، جراح مخلفات الاستعمار، والتبعية، والهوية الممزقة بين الشرق والغرب، بين التقاليد والحداثة، بين الانتماء المحلي والحلم العالمي.

عندما صور نولاند مشاهد قصر نيستور في البيلوبونيز اليونانية، لم يكن يعلم أن المغرب يضم في صحرائه قصورًا أكثر إثارة، قصورًا من الرمال والنسيان، حيث تقيم اليوم قبائل المهاجرين مؤقتًا قبل رحلتهم المحفوفة بالمخاطر. وهنا تظهر المفارقة الأكبر: في الوقت الذي يستثمر فيه المغرب ملايين الدولارات لجذب أفلام هوليوودية لتعزيز صورته كوجهة سياحية وسينمائية عالمية، يهرب آلاف المغاربة من هذا الجمال الواعد إلى المجهول، وكأن الجمال نفسه أصبح عبئًا لا يطاق، وكأن الأرض التي تنتج الأفلام الأسطورية عاجزة عن إنتاج مستقبل لأبنائها.

إن ظاهرة الهروب نحو سبتة ومليلية، التي بلغت ذروتها في الأيام الأخيرة مع محاولة نحو 70 ألف شخص عبور الحدود، ليست مجرد أزمة عابرة، بل هي مرآة تعكس أزمة وجودية عميقة في المجتمع المغربي. إنها رحلة الأوديسة المعكوسة: بدلًا من البحث عن الوطن، يبحث هؤلاء عن الخروج منه. بدلًا من مواجهة الوحوش الأسطورية، يواجهون أسوارًا خرسانية وبحرًا لا يرحم. إنهم يتركون وراءهم قصور “أيت بن حدو” السينمائية ليعيشوا في مدن بيوتها مثل علب الكبريت، ويتركون جمال الصحراء ليواجهوا برودة الجبال الأوروبية، ويتركون دفء العائلة ليختبروا قسوة الغربة.

لكن هل يمكن لنا أن نقرأ هذه الرحلة الجماعية كاستمرار لأسطورة الأوديسة في سياق معاصر؟ أوديسيوس عاد إلى إيثاكا بعد عشرين عامًا من المغامرة، لكن مهاجري اليوم يبدو أنهم لا يبحثون عن عودة، بل عن هروب أبدي. إنهم يبحثون عن إيثاكا جديدة، عن وطن آخر قد لا يكون أفضل ولكنه مختلف، عن حلم الحرية الذي تحول إلى كابوس على الحدود. وفي هذا البحث، يتحول كل مهاجر إلى أوديسيوس خاص، يواجه وحوشه الخاصة: الفقر، البطالة، اليأس، الحكَرة فقدان الهوية، والإحساس بأن الأرض التي ولد فيها لم تعد قادرة على احتضان أحلامه.

المغرب اليوم يشبه تلك السفينة التي أبحر بها أوديسيوس، تحمل في داخلها بحارة متعبين يحلمون بشواطئ بعيدة، بينما القبطان ينظر إلى النجوم محاولًا تحديد الاتجاه. لكن النجوم هنا ليست دليلًا، بل هي أقمار صناعية تراقب الحدود، وطائرات بدون طيار تحلق في السماء، وأضواء المدن الأوروبية التي تشع كنجوم زائفة تدعو وتوعد. وهكذا تصبح الرحلة إلى إيثاكا الجديدة رحلة اغتراب لا نهاية لها، حيث يتحول البحر المتوسط إلى ساحة حرب بين الأحلام وقسوة الواقع.

في مشاهد من “الأوديسة” التي صورت لتجسيد العالم السفلي، يتجلى العمق الفلسفي للفيلم: النزول إلى الأعماق لمواجهة الذات والمخاوف. وبالمثل، فإن المهاجرين المغاربة ينزلون إلى عالم سفلي خاص بهم، عالم الهجرة غير الشرعية، حيث يواجهون مخاوفهم الأعمق، ويفقدون جزءًا من إنسانيتهم في الطريق، ويضطرون للتفاوض مع سماسرة الموت ورجال العصابات. إنه عالم سحيق حيث تختفي المعالم، وتتلاشى الأخلاق، ويتحول الإنسان إلى سلعة، وإلى رقم في إحصاءات الهجرة، وإلى جثة تطفو على شاطئ الأمل.

إن استضافة المغرب لفيلم ضخم مثل “الأوديسة” ليست مجرد حدث سينمائي، بل هي لحظة تأملية عميقة تدعونا للتفكير في العلاقة بين الأسطورة والواقع، بين الصورة الجميلة والمعاناة الخفية، بين ما نعرضه للعالم وما نخفيه عن أنفسنا. ففي الوقت الذي تلتقط فيه كاميرات نولاند جمال الصحراء المغربية، تلتقط كاميرات أخرى، كاميرات المراقبة على الحدود، صورًا مختلفة تمامًا: صورًا لأشخاص يتسلقون الأسوار، يخدشون وجوههم على الأسلاك الشائكة، يغرقون في البحر، يخسرون كل شيء في سبيل حلم لا يتحقق أبدًا.

وهكذا يصبح المغرب نفسه أوديسة متعددة المستويات: هناك أوديسة نولاند السينمائية، وهناك أوديسة السياح الذين يأتون لاكتشاف البلد، وهناك أوديسة المهاجرين الذين يغادرونه، وهناك أوديسة الصامدين الذين يرفضون الرحيل. كل هذه الأوديسات تتقاطع في مكان وزمان واحد، لتخلق نسيجًا معقدًا من التناقضات، حيث يتعانق الجمال بالقبح، والأمل باليأس، والأسطورة بالواقع المروع.

وهكذا ، يبقى السؤال الأكبر: هل يمكن لأوديسا المغرب أن تنتهي بعودة أوديسيوس إلى وطنه، أم أنها ستستمر كرحلة أبدية بلا نهاية؟ هل سيجد المهاجرون إيثاكا التي يبحثون عنها، أم أن إيثاكا الحقيقية هي الرحلة نفسها، بما تحمله من معاناة وتجربة وتغيير؟ وهل يمكن للسينما، بأحلامها وأساطيرها، أن تغير واقعًا هو أكثر قسوة من أي خيال؟

ربما تكون الإجابة في تلك المشاهد الأخيرة من “الأوديسة” حيث يعود أوديسيوس إلى إيثاكا ليجدها مختلفة عما كانت، ليجد نفسه مختلفًا هو الآخر. فالعودة ليست نهاية، بل هي بداية جديدة. وربما يكون المغرب اليوم في لحظة عودة من نوع آخر، عودة إلى الذات، إلى الأسئلة الكبرى، إلى إعادة تعريف الهوية والانتماء و المصالحة مع الذات. وفي هذه اللحظة، يصبح كل مغربي أوديسيوس خاص، يبحر في بحر الحياة بحثًا عن معنى يضيء دربه، سواء بقي في وطنه أو غادره، سواء صعد أسوار سبتة أو بقي يراقبها من بعيد، وسواء شاهد فيلم “الأوديسة” في صالة سينما فاخرة أو عاش أوديساته الخاصة على حدود الأحلام واليأس.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.