البرلمان المغربي هل سيتحول إلى “دار الورثة”؟..

admin
2026-10-17T00:56:04+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin17 أكتوبر 2026آخر تحديث : منذ 23 ساعة
البرلمان المغربي هل سيتحول إلى “دار الورثة”؟..
  • مصطفى قشنني

في قبة البرلمان، حيث يُفترض أن تُصاغ مصائر الشعوب وتُسنّ القوانين التي تحمي الدماء والأعراض والأموال، تقف “الديمقراطية” شاردة مذهولة، تمسح دمعة ساخرة، وتتساءل بمرارة: هل دخلت مؤسسة دستورية أم قاعة حفل زفاف عائلي؟ إن ما نراه اليوم ليس مجرد انزياح عابر في سلوك النخبة، بل هو تحوّل عميق في بنية الدولة، وانتقال من “سيادة الأمة” إلى “سيادة العائلة”، ومن “عقد اجتماعي” إلى “شجرة أنساب”. لقد صار البرلمان المغربي، بامتياز، برلماناً عائلياً؛ مسرحاً لذوي القربى تُوزع فيه المقاعد كما تُوزع أطباق “الكسكس” في الغذاء العائلي يوم الجمعة.

إن صورة “السيلفي” في قبة البرلمان ليست مجرد زلة سلوكية، بل هي بيان سياسي وفلسفي بالغ الخطورة. إنها تجسيد بصري لهيمنة “الأنا” على “نحن”، ولانتصار النرجسية على المسؤولية. النائب الذي يلتقط صورة لنفسه في الإفتتاح أو في لحظة انتخاب الرئيس، لا يرى في البرلمان ساحة للصراع السياسي، بل يراه استوديو تصوير، أو متنزهاً سياحياً يزوره لأخذ “تذكار”. هذا السلوك يعكس فراغاً فكرياً رهيباً، وخواءاً من أي مشروع مجتمعي. إنهم لا يأتون إلى البرلمان ليقولوا شيئاً، بل يأتون ليُقال عنهم إنهم كانوا هناك. وهكذا تتحول السياسة إلى “شو” إعلامي، والديمقراطية إلى “مسرح للعبث”، والمواطن إلى متفرج مُغيب على مسرح الجريمة السياسية.

لنلقِ نظرة على قوائم المترشحين: وهبي وأخوه، بادل وأخته، ودمين وابنة عمته، أحلوش وابنته، زكراني وابنته، بوعيدا وقريبتها، عيدودي وأخته، سرار وابنته، العكروت وابنته، جودار وابنته، الطرمونية وابنه، عرشان وابنه، ولد الرشيد وابنه… هذه ليست لائحة انتخابية، بل هي “وثيقة عائلية” مُقنّعة. لقد تحولت الأحزاب، التي يُفترض أنها آلات لصناعة النخب وتأطير المواطنين، إلى مجرد “مكاتب تسجيل عقاري” للعائلات. إنها “أرستقراطية نيابية” جديدة، لا تعترف بالكفاءة، بل بفصيلة الدم. لقد أصبح الانتماء العائلي هو “الأصل التجاري” الذي يُمنح بموجبه “المرور” لدخول قبة البرلمان، بينما يجد المناضل الذي راكم سنوات من العمل الميداني نفسه خارج الحسابات، يتفرج على “الميراث السياسي” وهو يُقسم بين الأقارب.

ماذا سيقدم هؤلاء للنظام التشريعي؟ هل سيمنحونه قيمة مضافة، أم سيعمقون أزمته؟ الواقع أن وجود عائلتين في البرلمان ليس جريمة في ذاته، فالكفاءة قد تتوزع في عائلة واحدة، لكن أن يتحول الأمر إلى قاعدة ونمط عام، فهذا يعني أننا أمام انحراف بنيوي في مفهوم الانتخابات. هؤلاء “الورثة” لم يأتوا ليمارسوا السلطة، بل جاءوا ليحافظوا على توازنات عائلية وجهوية ضيقة. إنهم يشكلون “طبقة سياسية” مغلقة، تُعيد إنتاج وتدوير نفسها عبر الصناديق، وتحوّل البرلمان إلى “غرفة لتسجيل الحضور” لا إلى سلطة حقيقية تراقب وتُحاسب. وهكذا يفقد البرلمان مصداقيته، ويفقد المواطن ثقته في المؤسسات، وتفقد الديمقراطية معناها. فكيف يمكن أن نصدق أن هناك ديمقراطية حقيقية حين نرى أن نفس العائلات تحكم منذ عقود، وأن نفس الوجوه تتكرر وكأنها قدر لا مفر منه؟

إن هذا الوضع يحتاج إلى أكثر من دراسة سوسيولوجية، لأنه ليس ظاهرة اجتماعية معزولة، بل هو انعكاس لأزمة سياسية شاملة. إنه يمثل “موت الكفاءة” و”انتصار القرابة”. في علم الاجتماع السياسي، يُعد هذا تراجعاً إلى “القبيلة السياسية” ، حيث يتم استبدال الولاء للوطن بالولاء للعشيرة. وعندما يصبح البرلمان “مؤسسة عائلية”، فإنه يفقد شرعيته التمثيلية، لأنه لا يمثل الشعب، بل يمثل “شجرة أنساب العائلة”. والنتيجة أن المواطن يشعر بالاغتراب، ويفقد الثقة في العملية السياسية برمتها، ويرى أن التصويت مجرد “مسرحية” مُعدة سلفاً، وأن “التغيير” مجرد وهم. إن الصور التي تابعناها من افتتاح الولاية ومن التصويت على الرئيس وعلى اللجان، ليست مجرد سلوكيات فردية معزولة يمكن تجاوزها بالنصائح الأخلاقية، بل هي تعبير عن أزمة عميقة في الوعي السياسي.

النائب الذي يلتقط “السيلفي” في قبة البرلمان منتشيا لا يدرك أنه يهين المؤسسة التي يمثلها، ويهين الشعب الذي انتخبه، ويهين التاريخ الذي راكم نضالات من أجل بناء دولة القانون. إنه لا يرى في البرلمان ساحة للصراع السياسي، بل مسرحاً للاستعراض الشخصي. وهذا الاستعراض ليس بريئاً، لأنه يكشف عن فراغ فكري ونضالي رهيب. فالبرلماني الذي لا يجد ما يقوله في قبة البرلمان يبحث عن شيء يقوله في “الفيسبوك”، والذي لا يملك مشروعاً سياسياً يبحث عن صورة تُخلّده. وهكذا تتحول السياسة إلى “بوز” إعلامي، والبرلمان إلى استوديو تصوير.

إن برلمان العائلات ليس مجرد أزمة تمثيل ديمقراطي، بل هو تحوّل أنطولوجي خطير في مفهوم الدولة نفسها. لقد انتقلنا من عقد اجتماعي يُبنى على العقل والإرادة، إلى “مختبر جيني” تُصاغ فيه السياسة وفق قوانين الوراثة والحمض النووي. هذه المؤسسة، التي كان يُفترض أن تكون ضمير الأمة وذاكرتها الحية، تحوّلت إلى “حاضنة” لسلالات سياسية تتناسل في الظلام، وتتقاسم الغنيمة تحت قبة البرلمان. وذلك “السيلفي” التي التقطوه ليس مجرد حماقة، بل هي وثيقة إثبات ملكية. إنها الصورة الفوتوغرافية التي يوثقون بها لحظة “اغتصاب” السيادة، وكأنهم يقولون للشعب بابتسامة بلهاء: “انظروا، نحن هنا، لقد ورثنا الكرسي، والمقعد ملكٌ لنا بحكم النسب”. إنهم يلتقطون صوراً تذكارية فوق أنقاض الكفاءة، ويستعرضون أجسادهم العارية من أي مشروع فكري، في استوديو مفتوح اسمه “الوطن”.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.