- حياة جبروني
“كنت غادي نتقلق لو دار الماتش فوجدة”. تصريح متسرع وغير مسؤول من مدرب المنتخب الوطني لكرة القدم وليد الركراكي خلال الندوة الصحفية التي تلت مباراة “الأسود” أمام النيجر، كان كافيا لإشعال فتيل الغضب في صفوف عدد من الوجديين، أخذتهم الأنفة والعزة وتحولت مواقع التواصل الاجتماعي، مرتعا خصبا لإباحية كل صنوف السباب والشتائم المقذعة والتناطح الفاجر… تعبيرا عن غضبهم ورفضهم الشديد لكلامه الجارح وإهانتهم في عقر دارهم.
فانقلبت الكرة من مجرد لعبة تمتلك روحا رياضية، إلى أداة من أدوات الهدم والفتن بين مكونات الشارع.
أمر لا يختلف عليه اثنان ولا يتناطح فيه عنزان، أن تصريحا عابرا لوليد الركراكي إذا أسأنا به الظن، ومهما قد يحمل من انطباعات ودلالات…، فهو نابع عن قناعته، منذ نظرته الأولى للأحوال والأجواء، لمدينة وجدة القابعة في شرق المملكة، المتناهية، تعيش خارج الاهتمام والمبالاة، لا تقوى على تحقيق التأهل بحجم ملعب استثناء ذي رمزية وطاقة استيعابية كبيرة.. وهي الفقيرة البائسة اليائسة…. ومن البداهة بمكان أن السي الركراكي أول ما إن حط رجليه في شوارع المدينة، اتضحت له الرؤية وانجلت حقيقة ظروفها المأساوية الصعبة وما خفي أسوأ.
فالمدينة الألفية بعراقتها وتاريخها ومجدها، تحولت إلى قرية تعيش عروشها، تعاني التهميش والتنمية البطيئة. لا إنارة ولا نظافة، البنيات التحتية مهترئة، هشاشة الشبكات الطرقية، غياب شبه تام لعلامات التشوير…. والأمر المخجل، إن صادف صاحبنا حافلات النقل الحضري “الزين المكمول” مركبات موبيليس، الهيكل “المصدي” بأدخنتها الملوثة والسامة تدب على الأرض دون استحياء غير آبهة بمن تجاوزتها، أو ينتظرها.
شخصيا، أتفهم كلامه وموقفه بكل روح رياضية. الركراكي لم يقل ما قاله من فراغ، لمجرد استفزاز أبناء الجهة أو إذلالهم كما توهم البعض، ولكنه ربما وقف على الأعطاب والخلل والإهمال المكشوف، إذ لم يكن الأمر عسيرا لفك شفرات المدينة المنسية، تعاني في صمت العزلة، وغالبية سكانها يعيشون تحت خط الفقر والبطالة.
فالتصريح المغضوب عليه، ليس سوى رسالة قوية، تخاطب ضميرنا ووعينا وتعكس حقيقتنا وخيبتنا وتسطيحنا، وتُظهر الزوايا المظلمة حيث الأفاعي والعناكب السامة.
فهذه الأقلام التي سالت والأصوات التي تعالت، تدين مدرب المنتخب الوطني بالاساءة إلى كرامتنا التي أهدرت وضاعت وتمرغت في الأرض، والشعارات الفضفاضة والاحتجاجات الصاخبة… بسبب تلك الإفادة إما عن قصد، أو خانه التعبير أو أي شيء آخر في نفس يعقوبه…. لا تستحق كل هذا الضجيج واللغط وهذا الاهتمام المبالغ فيه. ألم يكن الأكرم لنا أن نتجاهل كلامه، ترفعا وثقة بالنفس وليس ضعفا وانحناءً؟… ف”التجاهل يفقد المسيء هدفه”. بدل الدخول في حوارات وتحليلات عقيمة وثرثرة مفرطة … ونركز على قضايانا ومشاكلنا ونتولى زمام مستقبلنا، فوجدة وسكانها أولى بلحم ثوره.
أين كان الإعلام ووسائله، المثقف ورسائله، الواعظ ونصائحه، المواطن ووعيه…. والمدينة تواصل زحفها نحو العبث والفقر والعشوائية، في مشهد درامي يزيد من معاناة المواطنين.
لماذا جفت الأقلام وخرصت الألسنة، ونحن نرى المنكر والحيف الممنهج الذي مورس على عمال ومستخدمي النقل الحضري بوجدة في عز رمضان وعز الأعياد وعز الغلاء…: طرد وتوقيفات وعدم صرف الأجور وما نجم عنها من مشاكل صحية ونفسية… بل وصل الأمر إلى حدوث اضطرابات وتوترات أسرية … فقط لأنهم طالبوا بحقوقهم البسيطة جدا قد تحفظ شيئاً من كرامتهم وانسانيتهم… ناهيك عن المعاناة والقسوة التي يتعرض لها الطالب أو الراكب بصفة عامة بسبب شبه غياب الحافلات وإن حضرت بعد طول انتظار فإنك تركب المخاطر وأنت تمتطي هيكل متحرك لا يصلح حتى لنقل الخرفان فما بالك الإنسان، لكن الساكنة حُمِّلت على العيش والتعايش معها قسراً.
أين هي الكرامة التي لُخصت في زلة لسان وحُددت في لعبة الكرة؟ الجواب: نادرة عند العمال والعاملات، مفقودة في الصحة، أما التهيئة والمؤسسات والمصالح العمومية فلا بد الاستعانة ببرنامج مختفون… طوابير بالساعات وخدمات رديئة وحاطة لا تليق بإنسانيتنا وكرامتنا المذبوحة، تئن تحت وطأة تدبير محلي يفتقر للرؤية والدراية والاستباق ويغرق في عشوائية وارتجالية قاتلة، ومنتخبون لا يظهرون إلا عند اقتراب الساعة ليمارسوا كالعادة طقوس الكذب باحترافية والعودة في كل مرة بقناع جديد.
فالمدينة الألفية ليست بحاجة إلى اعتذار عن لفظ طائش، متسرع صادر عن لعبة ترفيهية. أوالوقوف عند صغائر الأشياء…. بل إلى قلم يخاطب الوعي والضمير ويدعو إلى استعادة كرامتها وكرامة أبنائها المسلوبة وصونها وحمايتها من أيدي العابثين. فلا قيمة ولا كرامة لوطن يجعل مواطنيه يشعرون بالدونية والتقليل والإهانة.









