- مصطفى قشنني
في عزّ صيف هذا العام، حين ارتدت الشمس ثوبها الأكثر قسوة على حدود المدينتين المحتلتين، كان سبعون ألف مغربي يمارسون طقساً جماعياً من الجنون المقدس. لم يكونوا لاجئين يبحثون عن ملجأ، ولا مهاجرين يطمحون إلى حياة أفضل بالمعنى التقليدي للهجرة، بل كانوا أشباحاً تمردت على شرطها الوجودي، أرواحاً قررت أن تختبر صلابة الجدران التي رسمتها الجغرافيا السياسية بمساطر من حديد ونار. وفي هذا المشهد المهيب، استحضرت وعياً مضاعفاً: رواية غسان كنفاني التي جعلت من فلسطينيي المهجر أيقونة للصمت القاتل، ومن سؤال “لماذا لم يدقوا الجدران؟” ندبة أخلاقية تطارد الوعي العربي، ومن واقعة الهروب الكبير هذه التي جعلت من دق الجدران طقساً علنياً يصل دويّه إلى ما وراء الأطلسي.
لطالما كانت صورة المغربي في مخياله الجماعي صورة الرجل القابع خلف جدران بيته، العارف بحدود أرضه، المتماهي مع ترابه كحلزون لا يفارق قوقعته. بنينا هذه الصورة بعناية، على مدى قرون، نحتها الفقهاء في فتاويهم، والسلاطين في مراسيمهم، وشعراء الملحون في قصائدهم، ورواة التاريخ في حكاياتهم. كانت الصورة أشبه بفسيفساء متراصة بإتقان، كل قطعة في مكانها، الألوان متناغمة، الزوايا محسوبة، الإطار الذهبي يحددها ويحميها من التشظي. لكن الذين تسلقوا أسلاكاً شائكة ذلك اليوم، وضربوا أبواباً حديدية بأجسادهم العارية، كانوا يمارسون فعل نفي مزدوج: نفي للصورة التي رسمناها عن أنفسنا، ونفي للصورة التي رسمها عنا الآخر.
إن دويّ دق الجدران لم يكن صوتاً فيزيائياً فقط، بل كان هزة وجودية اهتزت لها الأعماق. كل قبضة يد تلامس معدن الجدار الحدودي كانت تحمل معها تاريخاً من الصبر، وتراكمات من الصمت، وجيولوجية من القهر المطمور تحت طبقات السكينة المزيفة. في رواية غسان كنفاني، كان الرجال الثلاثة في خزان الماء يموتون بصمت لأنهم اختاروا ألا يدقوا الجدران، أو لأنهم لم يجرؤوا على تحويل انكسارهم الداخلي إلى صوت مسموع. كان موتهم موت الروح قبل الجسد، موت الإرادة قبل الحياة. لكن في الهروب الكبير، كان المشهد مختلفاً بشكل مأساوي: هنا دقوا الجدران، بل كسروها بقوة جنونية، لكن الكسر كان موجهاً نحو الداخل لا نحو الخارج. كل ضربة كانت تكسر جزءاً من صورتنا، تشقق تماسكنا، تخلخل بنياننا الرمزي. لم يكونوا يريدون عبوراً جغرافيا فحسب، بل كانوا يريدون عبوراً أنطولوجياً من حالة الوجود إلى حالة الصيرورة، من كونهم مغاربة في المغرب إلى كونهم بشراً في العالم.
المفارقة العميقة هنا أن الجدران التي دقوها كانت قد بنيت بالاشتراك بين ضعفنا الداخلي وقوة الآخر الخارجي. نحن الذين رسخنا في ثقافتنا فكرة “الدار” كملاذ آمن، و”الجدار” كحماية من المخاطر، أصبحنا نكتشف أن جدراننا تحولت إلى أقفاص، وأن حمايتنا أصبحت حجزاً. كل مهاجر كان يضرب الجدار كان يضرب في الحقيقة وجهنا الذي نراه في المرآة، ذلك الوجه الذي ظللنا نلملم شظاياه كلما تشقق، نصلحه بالخطب الوطنية والأغاني الحماسية والاستعراضات الرياضية. لكن هذه المرة، كانت الضربات عنيفة لدرجة أن الترقيع لم يعد ممكناً. الصورة لم تعد مجرد مشروخة، بل تحولت إلى مرآة محطمة تعكس ألف وجه مشوه، كل شظية منها تحمل جزءاً من الحقيقة التي كنا نخفيها عن أنفسنا.
في فلسفة هنري برغسون، الزمن ليس خطاً مستقيماً بل تدفقاً متصلاً، والماضي ليس ميتاً بل يعيش في الحاضر ويشكل المستقبل. من هذا المنظور، كان الهاربون نحو سبتة ومليلية يحملون في أجسادهم أزمنة موازية: زمن الجوع الذي يجتاح الأرياف، وزمن البطالة الذي يخنق المدن، وزمن الظلم الذي يوزع الثروات بشكل عشوائي، وزمن اليأس الذي يحول الحلم الأوروبي إلى خرافة مقدسة. كل خطوة نحو الحدود كانت خطوة إلى الوراء في الزمن التاريخي، إلى الوراء نحو سنوات الرصاص، نحو عقود التهميش، نحو قرون الاستغلال الاستعماري، نحو اللحظة التي بدأ فيها التشقق الأول في صورتنا الجماعية. وكل ضربة على الجدار كانت نبشاً للقبور التي دفنا فيها أحلامنا، كانت حفلاً تأبينياً للوعود التي قطعناها لأنفسنا ولم نحافظ عليها.
أما من جهة الآخر، فصورة المغربي التي رسمها عبر قرون من الاحتكاك، كانت صورة “الشرقي المطيع”، “الفقير الممتن”، “التابع الذي يعرف مكانه في الهرم الكوني”. كانت الصورة الأوروبية للمغرب تتغذى على التناقض: نحن نحبهم حين يكونون في بلادهم يقدمون الشاي و الكسكس والطاجين بالخضر ولحم الضأن ويصنعون الزرابي، لكننا نخشاهم حين يحاولون عبور البحر الأبيض المتوسط بقوارب الموت. الهروب الكبير دمر هذه الصورة أيضاً، لكن بطريقة معاكسة: لم يعد الآخر ينظر إلينا كجيران هادئين مُروّضين يمكن التحكم بهم، بل أصبح ينظر إلينا كخطر وجودي يهدد أمنه القومي، كسيل بشري يهدد جدرانه الحديدية التي بنيت بعناية منذ سقوط جدار برلين. وهنا تكمن المأساة الثانية: في لحظة حاولنا فيها أن نثبت وجودنا كفاعلين في التاريخ، حولنا الآخر نظرته إلينا من نظرة السيد إلى نظرة الخائف، ومن نظرة المتعالي إلى نظرة المتوجس.
إن النبرة الفلسفية التي تستدعيها هذه الواقعة تنقلنا إلى سؤال ميتافيزيقي: هل الجدران التي نقف أمامها هي جدران حقيقية أم جدران في أذهاننا؟ سبعون ألفاً من المغاربة وقفوا أمام جدران سبتة ومليلية وكأنهم يواجهون انعكاساً لأنفسهم في مرآة مشوهة. كل واحد كان يرى في المعدن البارد صورة والده الذي هاجر إلى أوروبا في الستينات، وصورة ابنه الذي سيهاجر في المستقبل، وصورة بلده التي تحولت من وعد إلى فخ. هم لم يكونوا يريدون فقط عبوراً جغرافياً، بل كانوا يريدون عبوراً وجودياً من واقعهم الذي أصبح ثقيلاً على أرواحهم إلى واقع آخر لم يتشكل بعد، حيث يمكن أن يعيشوا دون أن يكونوا مغاربة بالضرورة، حيث يمكن أن يكونوا مجرد بشر. لكن في رحلتهم هذه، كانوا يحملون كل المغرب في حقائبهم: أطلس الجبال في ظهورهم، وصحراء الجنوب في حناجرهم العطشة، وأمواج المحيط في عيونهم الدامعة، ونخيل الواحات في أصابعهم المتشبثة بالأسلاك.
الكاتب الفرنسي ألبير كامو، الذي كتب في “أسطورة سيزيف” أن الإنسان يبحث عن معنى في عبثية الوجود. وهؤلاء السبعون ألفاً كانوا يبحثون عن معنى في عبثية الحدود، عن معنى في ثنائية الداخل والخارج، عن معنى في لعبة السلطة التي تجعل من الإنسان رقماً إحصائياً يمكن طرده أو احتجازه حسب المزاج السياسي. هم لم يكونوا سيزيفيين تماماً لأنهم لم يدفعوا الصخرة إلى أعلى الجبل بوعي، بل كانوا الصخرة نفسها، تتدحرج نحو الأسفل ثم نحو الأسفل، تحمل معها بقايا الصورة المهشمة. وكلما تدحرجت الصخرة، تشظت الصورة أكثر، وتطايرت شظاياها في كل الاتجاهات، بعضها استقر في الصحافة العالمية، وبعضها في الندوات الأكاديمية، وبعضها في ضمائرنا التي نادراً ما نستمع إليها.
في الأدب العربي، غالباً ما كان المهاجر بطلاً تراجيدياً، من “عودة الروح” لتوفيق الحكيم إلى “ثلاثية غرناطة” لرضوى عاشور. لكن في هروب هذا الصيف، كان المغاربة يكتبون سرديتهم بأجسادهم لا بأقلامهم، وكانت أجسادهم هي النص، والجدران هي الصفحات، ودويّ الضربات هي الحروف المكونة للكلمات. هذا النص الجسدي كان أعنف من أي رواية، وأكثر صدقاً من أي تقرير تنموي، وأعمق من أي خطاب سياسي. كان نثراً متشظيا يجمع بين رثاء الذات واتهامها، بين تأبين الماضي وندب الحاضر، بين استحضار الأجداد واستدعاء الأحفاد. ومن يعرف كيف يقرأ هذا النص الجسدي، سيجد فيه كل تناقضات المغرب الحديث: بين التحديث والتقليد، بين الانفتاح والانغلاق، بين الطموح الفردي والجماعي، بين الحلم الأوروبي والواقع المغربي.
إن الصورة المهشمة التي نتحدث عنها ليست مجرد صورة جماعية، بل هي صورة فردية تتكرر ملايين المرات في مرايا البيوت المغربية. كل أسرة مغربية لديها قريب أو جار أو صديق حاول الهروب، أو فكر في الهروب، أو يخطط للهروب. هذه الخبرة الجماعية حولت المغرب إلى مجتمع من المهاجرين المحتملين، مجتمع يعيش في حالة ترقب دائم، كمن يقف على حافة الهاوية وينظر إلى الأسفل. وبهذا المعنى، فإن كل مغربي اليوم هو مهاجر لم يرتحل بعد، وكل بيت مغربي هو محطة عبور، وكل جدار في المغرب يحمل في طياته رغبة خفية في الانكسار. لقد أصبحنا شعباً لا يسكن بيوته بل يمتحن متانتها، لا يعيش لحظته بل يستعجل المستقبل، لا يزرع أرضه بل يحلم بحقول الآخر. وهذا كله نتاج صورة مهشمة لذاتنا، صورة لم نعد نعرف كيف نلملم شظاياها، لأن كل محاولة لإصلاحها تصطدم بموجة جديدة من الهروب، وكل خطاب وطني يواجه بأجساد تريد الخروج.
أما على مستوى التحليل النقدي، فلابد من القول إن مسؤولية التشظي لا تقع على عاتق المهاجرين وحدهم، بل على عاتق سياسات التنمية الفاشلة، والتعليم المنهار، والعدالة الاجتماعية الغائبة، والرفاهية المقتصرة على فئات ضيقة. – كما عبرت عن ذلك من قبل – هم لم يهربوا لأنهم مغاربة، بل هربوا لأنهم بشر عانوا من الفقر المدقع والظلم المزمن واليأس المستحكم. كان هروبهم نداءً استغاثة للعالم كله، لكنه كان نداءً بالقبضات على الجدران لا بالكلمات على المنابر. وبهذا المعنى، فهم لم يشوهوا صورتنا بل كشفوا حقيقتنا التي كنا نخفيها، لم يكسروا جدراننا بل أزالوا الطلاء الذي كنا نغطي به تشققاتنا. صورتنا لم تكن جميلة في الأصل، لكننا كنا نتعامل معها كصورة فوتوغرافية معالجة بالفوتوشوب، نمسح التجاعيد ونخفي الندوب ونضيء العتمات. هؤلاء المهاجرون قاموا بحذف الفلتر، وأظهروا الصورة الحقيقية، القاسية، غير الجذابة، المحفوفة بالأسئلة المؤرقة حدّ التخوم.









Conscienceمنذ 4 ساعات
Ce que font ces jeunes voulant quitter leur pays ne sont pas de simples coups sur un mur.
C’est la révolte d’une génération fatiguée du silence et de l’humiliation.
Ils disaient toujours et via les réseaux sociaux, qu’avant, ils mouraient sans rien dire. Mais
Aujourd’hui , ils cassent à leurs yeux tout pour un certain droit, même s’ il nuira à leur propre image.
Et c’est ça le malheur , c’est quand on endommage inconsciemment ce qui est onéreux et irremplaçable .!!! Appartenance et image.
Monsieur le journaliste ,,votre plume a touché là où ça fait mal, mais avec dignité.
Article magnifique. Vous avez dit l’indicible, et .
vous l’avez dit avec élégance et intégrité
HONNEUR À VOUS