مصطفى قشنني
في خضم صخب الأحداث التي لا تكاد تهدأ، يطل علينا الفصل الأكثر عبثية في مسلسل السياسة المغربية، حين تتشابك خيوط الكرة المستديرة مع خيوط السلطة في رقصة غريبة الأطوار، لتخرج لنا هذه المرة بشبه بيان أخلاقي مفاجئ من رجلين لم يعرف عنهما طوال مسيرتهما أنهما يحملان همّ القيم السياسية النبيلة، أو أنهما يمتلكان حساً مرهفاً يجعلهما يبكيان على ما آلت إليه الانتخابات من ميركاتو سياسي. فعزيز أخنوش و محمد أوجار، وكأنهما يتنافسان في سباق التوبة المتأخرة، خرجا ليصرخا في وجه الريح محذرين من تحويل السياسة إلى ملعب كرة قدم، متناسين أنهم هم أنفسهم من دشنوا هذا الملعب وساهموا في تغطية أرضيته بالعشب الصناعي الذي لا ينبت إلا في مواسم الانتخابات.
والطريف في الأمر، بل المأساوي، أن هذا الشعور السياسي “الأخلاقي” المستجد لم يولد من رحم القناعة الداخلية، ولم ينبع من مراجعة ذاتية عميقة، بل جاء كرد فعل منعكس تماماً كما تنقبض حدقة العين حين تتعرض لضوء باغت. إذ لم يكن من قبيل المصادفة أن يتزامن صدى هذه التصريحات الحزينة مع إعلان التحاق فوزي لقجع، ذلك الرجل الذي جعل من كرة القدم إمبراطورية رقمية، بحزب الأصالة والمعاصرة. فجأة، استفاق الحزب الحاكم على كابوس حقيقي: منافسه التقليدي الذي كان يظنه في حالة سبات سياسي، وفي غفلة من أمره،يخطف منه ليس مجرد ناخب عابر، بل شخصية ذات وزن ثقيل، تحمل في جعبتها خبرة تدبيرية تضاهي خبرة بعض الوزراء، وشعبية رياضية ، وعلاقات متنفذة ورضى من لدن الدوائر المخزنية، تفتح له الأبواب المغلقة على مصرعيها.
وهنا نكتشف أن غضب أخنوش وأوجار وبنكيران و بنعبد الله واليسار… ليس غضباً أخلاقياً، بل هو ذلك النوع البدائي من الغضب الذي يتملك الإنسان حين يرى جاره يبني بيتاً أعلى من بيته، أو حين يكتشف أن صديقه قد اشترى السيارة التي كان يحلم بها قبل أن يتمكن هو من فعل ذلك. إنه الغضب الذي يلبس دائماً ثياب المبادئ حين يعجز عن التعبير عن حقيقته، وكأن السياسة هي لعبة الأطفال التي تظل قوانينها مرنة بما يكفي لتبرر كل ما تفعله حين تكون في موقع القوة، وتصبح جامدة ومقدسة حين يستخدمها الآخرون لتهديد ذلك الموقع. فيا للعجب! أليس هذا هو الحزب – حزب الحمامة – ذاته الذي حقق قفزته النوعية الأخيرة على ظهور تنين الميركاتو، مستقطباً وجوهاً من هنا وهناك، جامعاً ثروة من الأعيان والنافذين، كأنه كان يعد فريقاً للمشاركة في كأس العالم، لا دولة تبحث عن برنامج حقيقي للنهوض بمواطنيها؟
لو امتلكت أحزابنا ذاكرة صغيرة، بل لو امتلكت قليلاً من الخجل، لاستحيت من هذا التناقض الصارخ الذي يجعلها تنتقد اليوم ما كانت تباركه بالأمس. لكن الأحزاب، كما نعرفها في هذا البلد، تشبه تلك المطاعم التي ترفع شعار “الزبون دائماً على حق” في واجهتها، بينما تغير قائمة طعامها داخلياً كلما رأت زبوناً جديداً قد يدفع أكثر. إنها تحفظ الأخلاق في الثلاجة، وتخرجها حين تشتهيها، وتعيدها إلى مكانها البارد حين لا تعود هناك حاجة لتسويقها. فبينما كان أخنوش وأوجار يتنافسان في إلقاء المواعظ على منصة الغضب المنتظر، كانت صفقة لقجع قد اكتملت تقريباً، وكأنها تمريرة حاسمة من حليف داخل الحكومة أتقن هذه المرة فن المناورة سياسياً.
فكانت الضربة “ضربة أمعلّم”.
لكن السؤال الذي يظل يُطرح بإلحاح مؤلم هو: كيف وصلنا إلى هذا المستوى من الانحطاط السياسي الذي يجعل من الشخصيات الفردية محوراً للاستقطاب بدلاً من الأفكار والمشاريع المجتمعية؟ نعم، لقد تحولت السياسة في بلادنا إلى نوع من الرياضة التي لا تحترم قواعد اللعبة، ولا تؤمن بروح الفريق، ولا تعترف إلا بنجم واحد يتألق على حساب الآخرين، وكأننا نعيش في زمن “الأبطال الخارقين” حيث كل حزب يبحث عن فارسه الأبيض الذي سينقذ الموقف، متناسياً أن السياسة ليست معركة فردية، بل هي جهد جماعي يتطلب رؤية واستراتيجية، وصبراً وأخلاقاً، وقدرة على الاستماع أكثر من القدرة على التحدث.
وهنا تكمن السخرية العميقة، بل المرارة التي لا توصف، حين ندرك أن الفلسفة التي تحكم المشهد السياسي اليوم ليست فلسفة التنوير أو التحديث، بل فلسفة “الكأس المقدسة” التي يلهث وراءها الجميع، وكل فريق يحاول أن يضم إلى صفوفه أكبر عدد من اللاعبين الموهوبين، دون أن يكلف نفسه عناء السؤال: ما هي خطة اللعب؟ وما هي التشكيلة المناسبة؟ وما هو دور الجماهير (الناخبين) في هذه اللعبة المعقدة؟ إنها عقلية الميركاتو التي تختزل السياسة في صفقات انتقال، وتختزل الديمقراطية في مزاد علني للأسماء البراقة، وتجعل من البرامج الانتخابية مجرد كُتيبات توزع في المهرجانات ثم تتحول إلى ورق لتغليف النعناع والقزبر بعد انتهاء الموسم.
ولا يمكننا هنا أن نغفل البعد الأعمق والأكثر إثارة للدهشة، وهو أن كل هذه التحركات والاستقطابات والإصطفافات ليست وليدة الصدفة، بل هي مرسومة بتفاصيلها الصغيرة داخل أروقة القرار التي لا تخضع لقوانين المنافسة الانتخابية التقليدية. فالسياسة في المغرب، كما يعلم الجميع ولا أحد يتجرأ على البوح بها، ليست لعبة يحكمها صندوق الاقتراع فقط، بل هي ساحة تمارس فيها السلطة ألعابها الخفية قبل موعد الإقتراع وبعده، بتنويعاتها البارعة التي تجعل من الأحزاب في الكثير من الأحيان مجرد دمى متحركة في مسرحية قد يعرف الجميع نهايتها لكنهم يتظاهرون بأنهم يكتشفون أحداثها لحظة بلحظة. فلقجع لم ينتقل إلى حزب الأصالة والمعاصرة بمحض إرادته أو بفضل إقناع خطابي من قادة هذا الحزب، بل هو حلقة في سلسلة أطول، وخطوة محسوبة في لوحة شطرنج يرسمها من يرسمون خيوط اللعبة من خلف الستار، ويوزعون الأدوار كما يوزع المخرج مشاهد فيلم طويل لا يعرف المشاهدون إلا ما يظهر على الشاشة، بينما الكاميرات الخفية تصور ما لا يُرى.
وإذا تأملنا فلسفياً في هذه الظاهرة، نجد أننا نعيش نموذجاً سياسياً هجيناً، يجمع بين منطق السوق ومنطق المخزن، بين روح العصر وقيم القبيلة، بين الحداثة والبداوة السياسية، حيث لا مكان للرؤية الواضحة، ولا معنى للانتظار الطويل، بل كل شيء يتحرك بسرعة الجنون، وكأن الحياة السياسية أصبحت مباراة كرة قدم لا تتوقف، وكل لاعب يحاول أن يسجل أهدافاً في مرمى خصمه، حتى وإن كانت الكرة التي يستخدمها ليست كرة قدم، بل كرة نارية قد تحرق الملعب بأكمله. وفي هذا السياق الفريد، يصبح المواطن ضحية لهذه اللعبة السريالية، فهو يدفع ثمن التذاكر (الضرائب) ويحضر المباريات (الانتخابات) ويشجع فريقاً معيناً (حزباً سياسياً) ثم يفاجأ بأن اللاعبين يغيرون قمصانهم في منتصف الشوط، وبأن الحكم (السلطة) يطيل الوقت بدل الضائع بما يناسب من يريد استمرار المباراة إلى مالا نهاية.
أليس من المضحك المبكي أن يخرج لنا أخنوش وأوجار ليهنئا أنفسهم على وعيهما الأخلاقي المتأخر، وكأنهما لم يكونا جزءاً من هذه اللعبة السياسية الملتوية، وكأنهما نزلا من السماء على رأس حزب الحمامة ليعلنا براءتهما من كل ما يحدث؟ أليس من السخرية أن يتحدثا عن روح الرياضة وقيمها، وهما يعلمان أن روح الرياضة في بلادنا نفسها فقدت براءتها، وتحولت إلى ساحة للتنافس المالي والانتقام الشخصي، وباتت الأندية أشبه بشركات مساهمة تبيع وتشتري اللاعبين كما تشتري القوى السياسية الوجوه والأسماء؟ إنهم يتحدثون وكأنهم فلاسفة أخلاق وهم في الأساس تلاميذ متأخرون في مدرسة المناورة السياسية، لم يتعلموا فيها إلا كيف يبررون تناقضاتهم بأسلوبية تليق بحملات الدعاية لا بخطاب الحقيقة.
والأكثر إثارة للانزعاج، بل للغضب الصامت، أن هذا الميركاتو السياسي المفتوح أصبح هو المحدد الأساسي لمستقبل البلاد، وأصبح الناخبون مجرد متفرجين على هامش صفقات كبرى، لا يملكون من أمرهم سوى أن يشيروا بإبهامهم إلى أعلى أو إلى أسفل، دون أن يكون لهم أي رأي في طريقة إدارة هذه اللعبة أو في العدالة التي تقوم عليها. لقد تحولت الانتخابات إلى موسم لترويج البضائع السياسية، حيث تُعرض الأسماء الجديدة كما تُعرض السلع في الأسواق، وتُجرى المفاوضات خلف الكواليس كما تُجرى في غرف تبديل الملابس، وتُوقع العقود بعيداً عن أعين الجمهور، وكأن الحزب السياسي ليس مؤسسة ديمقراطية، بل وكالة توظيف تبحث عن وجوه تملأ قائمتها وتضمن لها نسبة معينة من الأصوات العاطفية التي لا تعرف من هو المرشح ولا تعرف ماذا يحمل في جعبته.
وهكذا، وبينما تدور رحى هذه السخرية السياسية المقيتة، يبقى السؤال الفلسفي الأكثر إيلاماً معلقاً في الهواء: هل يمكن أن نقيم ديمقراطية على أنقاض الميركاتو، ونبني دولة المؤسسات على هشاشة الصفقات الفردية، ونصنع مستقبلاً بأسماء تنتقل كالكرة بين الأقدام، ونحن نعرف أن الكرة في النهاية قد تسكن الشباك، ولكنها قد ترتد إلى الخارج في أي لحظة، ولا أحد يستطيع أن يتنبأ بمصيرها المحتوم؟ وإذا كانت السياسة في المغرب لعبة أقوياء لا يشارك فيها إلا من يعرف كيف يمرر الكرة في الوقت المناسب، وإذا كانت الأحزاب مجرد أندية متعاقدة مع لاعبين جدد كل موسم، فماذا يبقى لدينا من معنى للتغيير والأمل والتقدم؟








