- مصطفى قشنني
بادئ دي بدء، ثمة ظاهرة تستحق التوقف والتمحيص، ليست في ما يطرحه الدكتور محمد الفايد من رؤى اجتهادية حول النص الديني( قد أتفق وقد أختلف معه بخصوصها)، بل في حالة الهستيريا الجماعية التي استولت على قطاع واسع من المشيخة السلفية تجاه رجل لم يكن بالأمس القريب سوى صوت من الأصوات، يعلو تارة ويخفت أخرى، لكنه أصبح اليوم القضية التي تشغل بال هؤلاء المشايخ، وكأن الأمة لا تعاني من مشكلات وجودية تهدّد كيانها، من أزمات اقتصادية خانقة، وتفكك اجتماعي مريع، وفساد سياسي ينخر في العظام، وانحطاط أخلاقي طال القيم والمفاهيم، وتراجع معرفي جعل منا أمة تستورد كل شيء حتى الأفكار والعقائد والفيسبوك و اليوتوب والتيكتوك وغيرها من وسائل التواصل الإجتماعي التي لولاها لما كان لهؤلاء المشايخة شأن في حياة الكثير من لمداويخ يُذكر.
نعم، لم يعد الفايد مجرد مفكر يختلف معهم في التأويل، بل تحول إلى علامة استفهام كبيرة، إلى شماعة يعلقون عليها كل ما يعجزون عن مواجهته، إلى ساحة حرب يمارسون فيها تدريباتهم الفقهية التي لم يعد لها من موضوع في الواقع اليومي المعيش.
هذه الظاهرة، في عمقها الفلسفي، تعكس أزمة ابستمولوجية حادة يعاني منها الفكر الديني السلفي المعاصر، أزمة لا تتعلق بمنهجية الفهم والتأويل فحسب، بل تتعداها إلى كيفية التعامل مع الآخر المختلف معه وحوله، وإلى آليات إنتاج المعرفة الدينية وشرعنتها، وإلى العلاقة بين النص والمتغيرات التاريخية والاجتماعية والثقافية الراهنة. إن تحويل الفايد إلى حالة استثنائية، إلى قضية رأي عام، إلى خطر يهدد العقيدة، يكشف عن هشاشة المنظومة الفقهية التي يتبناها هؤلاء المشايخ، وعن عجزهم عن تقديم خطاب ديني يواكب العصر، وعن خوفهم المَرضي من كل محاولة تجديدية، وعن تمسّكهم بنموذج معرفي أصبح جزءاً من الماضي، وعن رغبتهم في الإبقاء على الوضع القائم، الذي يضمن لهم الهيمنة على الفضاء الديني برمّته، والسيطرة على عقول الناس، واستغلال الدين لتحقيق أغراضهم الذاتية، وكسب الشهرة، وجمع الأتباع، وترسيخ النفوذ الديني السلفي في المجتمع.
إن الخطاب السلفي في معركته ضد الفايد، ليس خطاباً علمياً موضوعياً يسعى إلى بحث الحقيقة وتمحيص الأدلة، بل هو خطاب أيديولوجي مغلق، يهدف إلى تكريس سلطة المشيخة، وإقصاء كل صوت مختلف، وتقديم صورة مشوهة عن الإسلام، باعتباره ديناً لا يحتمل الاختلاف، ولا يقبل التأويل، ولا يرحب بالعقل، ولا يفتح الباب أمام الاجتهاد، ولا يقر بشرعية التعددية الفكرية. هذا الخطاب، وهو يتعامل مع الفايد، يمارس ما يمكن تسميته بـ “فقه التكفير” و”الوصاية والحجر على العقول”، ويحوّل النقاش حول الأفكار إلى معركة وجودية بين فُسطاطي الخير والشر، الإيمان والكفر، الحق والباطل، وكأن ما يقوله الفايد ليس مجرد رأي يمكن مناقشته أو دحضه، بل هو عدوان على المقدسات، ومحاولة لهدم الثوابت، وتآمر على الأمة، يجب أن يقابل بكل قسوة وحزم وبطش.
لكن ما يثير الاستغراب والدهشة، هو أن هذا الخطاب الذي يهاجم الفايد – (و الذي قد لا أتفق معه في الكثير من الأمور )- بكل هذه الضراوة والشراسة والعداوة، يظل صامتاً متواريا متحفظاً إزاء ظواهر اجتماعية ودينية وسياسية واقتصادية، هي الأخطر والأكثر تهديداً للدين وللمجتمع وللكيان الوطني برمّته. مثل الفساد بمختلف ألوانه وأشكاله الذي أصبح يمتدّ في البر والبحر وفي ما يملك الناس.. ومظاهر المحسوبية والزبونية والريع و”أتفرقيش” ،ناهيك عن مظاهر الشرك التي غزت الأضرحة والمقامات، وتحولت إلى طقوس يومية، حيث يذبح الناس قربانا ويسألون ويستغيثون بمن لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً، ويلتفون حول القبور ويسجدون لها،وهناك شطحات الصوفية، التي يمارسها بعض المدعين، ويستغلون بها العوام والبسطاء والسوقة، ويأكلون أموال الناس بالباطل، ويبيعون لهم الأوراد والأذكار والحجابات والتمائم ومختلف صكوك الغفران، ويقنعونهم بأنهم يملكون مفاتيح الغيب والسر الأعظم ( الرمز السري مع الله )، وأنهم قادرون على جلب الخير ودفع الشر، وكل هذه الممارسات تتناقض مع جوهر الإسلام، وتشوه صورته، وتقدمه على أنه دين خرافات وأساطير وشعوذة وخُزعبلات، ولكن هؤلاء المشايخ يتركونهم وشأنهم، ولا يجرؤون على فضحهم، ولا يكشفون سوأتهم، ولا يبينون حقيقتهم.. وغير ذلك من عشرات المظاهر الفاسدة التي تنخر قيم المجتمع وتنسف قواعده وأسسه و التي يبتلع هؤلاء المشايخة ألسنتهم أمامها ويتوارون إلى الخلف.
إن التاريخ الإسلامي يسجل بمداده الأسود كيف تمت معاملة العلماء والمفكرين المبدعين التنويريين على مر العصور، وكيف تعرضوا للتكفير والتنكيل والإقصاء والقتل ، وكيف تم إسكات أصواتهم وإطفاء نور عقولهم، وكيف ساهم هذا في تراجع الأمة وتخلفها وانهيارها، وكيف أصبحت العقلية السلفية المتزمتة هي السائدة والمسيطرة على الحياة الدينية والفكرية، وكيف قُتل الإبداع وطُمست الأفكار وأُغلقت الأبواب أمام التجديد، وكيف تحول الدين من فضاء للحرية والتنوير إلى سجن للعقول وأغلال للنفوس. من ابن رشد إلى الحلاج، ومن السهراواردي إلى فرج فودة، ومن سيد القمني إلى نصر أبو زيد، كلهم دفعوا الثمن غالياً، كلهم تعرضوا للاتهام والتجريم والتحريم، كلهم سحقتهم آلة التكفير التي لا تعرف الرحمة، وكلهم كانوا ضحايا لعقلية سياسية فقهية متحجرة، لا تؤمن بالاختلاف، ولا تقبل بالآخر، ولا تعترف بحرية الفكر، ولا تتسامح مع المخالفين.
وفي مواجهة هذه الممارسات المشينة، تبرز الحاجة الملحة إلى خطاب فقهي جديد، خطاب يتّسم بالجرأة والموضوعية، ويعتمد على العلم والمنطق، ويؤمن بقيمة الاختلاف، ويكرم العقل والاجتهاد، ويستفيد من منجزات المعرفة الإنسانية، ويتفاعل مع متغيرات العصر، ويعالج مشكلات الواقع، ويساهم في بناء مجتمع عادل متقدم متطور، وخطاب يحرر الدين من قيود الفقهاء، ويعيده إلى جوهره الإنساني النقي، ويجعله قوة دافعة للتغيير والإصلاح، لا عائقاً أمام التقدم والتنمية والبناء، خطاب يقدم صورة مشرقة عن الإسلام، كدين للسلام والتعايش والتسامح والمحبة، لا كدين للعنف والإقصاء والتكفير، خطاب يكون قادراً على أن يخاطب الإنسان المعاصر، بعقله وقلبه وروحه ووجدانه، فيؤثر فيه ويقنعه ويغير حياته إلى الأفضل.
بصوت هادئ أقول:إن المشكلة ليست في الفايد، وهو الذي قد يصيب وقد يخطئ، وقد يكون فهمه للنص صحيحاً وقد يكون خاطئاً، وقد تكون رؤيته للدين متطورة وقد تكون تقليدية، المشكلة ليست في ما يقوله الفايد أو عصيد أو غيرهم، بقدر ما هي في آلية التعامل معه، وفي الطريقة التي يتم بها إقصاؤه وتكفيره ومحاربته ونبذه، وفي غياب ثقافة الحوار والاختلاف والتسامح، وفي استمرار حالة الانغلاق الفكري التي تسود المشهد الديني، وفي سيطرة العقلية الأصولية على الفضاء العام، وفي تحويل كل قضية فكرية إلى مسألة أمنية روحية، وكل رأي مخالف إلى تهديد وجودي. إن معركة الفايد ليست معركته وحده، بل هي معركة كل مفكر ومبدع ومناضل من أجل حرية الفكر، ومن أجل حق الاختلاف، ومن أجل كرامة الإنسان، ومن أجل أن يكون الدين رحمة للعالمين، لا نقمة على المفكرين و المبدعين.










Avenirمنذ 22 ساعة
Ce docteur MOHAMED ELFAID est, à mes yeux, honnête, juste, fort cultivé, ni athée , ni contre la religion et ni contre Le prophète . Il a le droit de répondre ainsi. J’ai regardé toutes ses vidéos et je suis entièrement d’accord avec lui
Ces personnes disent que le Prophète MOHAMED “que ́la paix soit sur lui “était analphabète, alors que le docteur est contre cette affirmation et cherche à le défendre.
Il pose simplement cette question : si le Prophète était analphabète, pourquoi Dieu aurait-Il choisi un homme ne sachant ni lire ni écrire, dans ce contexte désertique, pour transmettre Sa mission et Ses messages ?
malheureusement , c’est gens là n ont pas compris ce dont il est dit . Et bien sûr
Mal comprendre n’est pas un défaut : tout le monde peut se tromper. Mais il faut apprendre à écouter et à interpréter les choses honnêtement, sans déformer les propos. C’est cette mauvaise compréhension qui, à mon avis, a provoqué tous ces débats, tumultueux.
Le désaccord est
normal, mais il doit rester respectueux
Conscienceمنذ 23 ساعة
Je vous remercie sincèrement Monsieur Kechnini d’avoir exprimé toutes ces idées avec autant de justesse.
Et d élégance.
Ce qui nous dérange surtout, c’est la manière dont certains réagissent aux propos de ce docteur nommé Mohamed El Fayed.
Au lieu de discuter sereinement de ses idées, on voit parfois apparaître l’exclusion, la condamnation et même le rejet de sa personne.
Pour moi, le désaccord est normal et nécessaire. On peut critiquer une idée sans condamner celui qui la défend. Une société qui veut avancer doit accepter la diversité des opinions et privilégier le dialogue, la réflexion et le respect de la liberté de pensée.
موجودمنذ 23 ساعة
المسألة ليست هل الدكتور المهندس محمد الفايد بالمحجوب على حق أم على خطأ، ولا هل تفسيره للدين صحيح أم غير صحيح. هذه أمور يمكن مناقشتها بالحجة والعقل. المشكلة الحقيقية هي في الطريقة التي نتعامل بها مع من يختلف معنا. فاختلاف الرأي لا ينبغي أن يؤدي إلى التكفير أو الإقصاء أو التشهير، بل إلى الحوار والنقاش.
من حق الدكتور الفايد أن يطرح أفكاره، ومن حق الآخرين أن ينتقدوه ويرفضوا أفكاره، لكن دون تحويل الخلاف الفكري إلى عداوة أو تهديد بالقتل. فالمجتمع الذي يحترم نفسه هو الذي يسمح بتعدد الآراء، ويقبل الاختلاف، ويفصل بين نقد الفكرة ومهاجمة صاحبها.
لذلك، فإن الدفاع عن الدكتورالفايد هنا لا يعني بالضرورة الدفاع عن كل ما يقوله، و كيف يقوله وإنما الدفاع عن مبدأ أكبر: حرية التفكير، وحق الاختلاف، ورفض التكفير والإقصاء، واعتماد الحوار بدل الصراع.
رشيد بشيريمنذ يوم واحد
حين يبدع قلمك كتابة تستمتع أعيننا قراءة حفظك الله