- مصطفى قشنني
في المغرب، لا تحتاج إلى عدسة مكبرة لتكتشف أن قطاع الصحة لا يعاني من أعطاب عابرة، بل من انهيار بنيوي شامل. القطاع نفسه مريض، يتنفس بصعوبة، ويحتاج إلى إنعاش مستعجل، لا إلى خطب رسمية ولا إلى وعود موسمية تُلقى في المناسبات كأنها وصفات سحرية. لقد تحوّل المستشفى العمومي إلى مكان يُقصد فقط حين لا يبقى في الجيب ما يكفي لزيارة مصحة خاصة، وحين يصبح الموت أرحم من الانتظار في طابور لا ينتهي أمام باب الطبيب الذي قد لا يأتي لأنه مشغول في المصحات الخاصة، أو قد يأتي ويصف لك الدواء دون أن ينظر في وجهك العزيز.
في بلدٍ يُبشّر فيه الجميع بتغطية صحية شاملة أو ورش الدولة الإجتماعية، تجد العامل البسيط، الذي يتقاضى أقل من ثمانين درهمًا في اليوم، أمام معضلة وجودية: هل يشتري خبزًا لأطفاله أم يدفع ثمن تحليلة طبية؟ هل يذهب إلى الطبيب أم يكتفي بالدعاء؟ الحكومة وعدت، نعم، لكنها نسيت أن الوعود لا تُصرف في الصيدليات، وأن ما يُعوّض بطاقة “راميد” الآن “أمو” لا يُشفي من السرطان، ولا يوقف نزيفًا داخليًا، ولا يفتح أبواب غرف العمليات. بل إن بعض المستشفيات – أقول البعض- ترفض استقبال المرضى إلا إذا جاؤوا ومعهم “واسطة”، أو دهنوا السير كي يسير.
في ظل هذا الوضع البئيس، انتعش ما يُسمّى بالعلاج البديل، أو بالأحرى العلاج اليائس. صار شيخ الزاوية هو الطبيب، والفقيه هو الجراح، والبخور هو التخدير، والرقية “اللا شرعية” هي العلاج الكيميائي. في كل زقاق، عيادة للكي، وعيادة للرقية، وعيادة لبومزوي، وعيادة للجبيرة، وعيادة للعلاج بالنحل والعسل والضرب على الرأس. كل شيء يُباع، كل شيء يُجرب، وكل شيء يُشرّع، ما دام المريض لا يملك ثمن علبة من الدواء ولا ثمن الكرامة. لقد تحوّل الجهل إلى مؤسسة، وتحول اليأس إلى سوق مفتوح، وتحولت أرواح الناس إلى مشاريع استثمارية، طبعا يحدث هذا أمام أنظار السلطات بمختلف ألوانها وأشكالها لكن لا أحد منها يُحرّك ساكنا .
في المغرب، لا تحتاج إلى شهادة في الطب لتفتح عيادة. يكفي أن تملك قليلاً من الجرأة، وكثيرًا من الجهل و “تاحراميات”، وشيئًا من البخور، لتصبح طبيبًا معتمدًا في حيّك. لا رقابة، لا متابعة، لا مساءلة. الدولة غائبة، الوزارة الوصية في عطلة مفتوحة، والمواطنون يُتركون لمصيرهم، يتنقلون بين العشاب والكواي والحجام، في رحلة علاجية قد تنتهي في المقبرة أو في مستشفى الأمراض النفسية. بل إن بعض هؤلاء “المعالجين” صاروا نجوماً في الإعلام، يُستضافون في البرامج، ويُقدّمون على أنهم خبراء في الطاقة والشفاء الروحي، بينما هم في الحقيقة خبراء في استغلال البؤس.
المأساة لا تقف عند حدود التداوي بالأعشاب، بل تتجاوزها إلى ما هو أخطر. هناك حالات اختطاف، تخدير، اغتصاب، واستغلال جنسي، خاصة في صفوف النساء والفتيات اللواتي يلجأن إلى الرقية الشرعية بحثًا عن الشفاء، فيجدن أنفسهن ضحايا لوصفات سحرية لا علاقة لها لا بالقرآن ولا بالعلاج. عشرات الحالات تم توثيقها، لكن الدولة تكتفي بالتفرج العلماء بين قوسين صامتون المجالس العلمية المحلية في دار غفلون، وكأن الأمر لا يعنيهم، وكأن المواطن ليس من مسؤوليتهم، وكأن الصحة ليست من أولوياتهم. بل إن بعض الضحايا يُطلب منهن الصمت، لأن “الفضيحة” أسوأ من الجريمة، ولأن “الستر” أولى من العدالة.
في المغرب، يُمكنك أن تموت من الزكام، إذا لم تجد ثمن الدواء. يُمكنك أن تُصاب بجلطة ، إذا لم تجد طبيبًا يُشخّص حالتك في التّو. يُمكنك أن تُدفن حيًا، إذا لم تجد من يُنقذك من براثن الدجالين والمشعوذين. كل هذا يحدث، والحكومة تكتفي بالتفرج، وتُبرر غيابها بقلة الوسائل، وكأن الميزانية تُصرف على المريخ، لا على المهرجانات والحفلات والخطابات. بل إن بعض المسؤولين يخرجون علينا بتصريحات تقول إن “المواطن يجب أن يتحمل”، وكأن المرض خيار، وكأن الألم رفاهية.
الحكومة، التي لا تتحمل مسؤولية حماية صحة مواطنيها، من الأجدر بها أن تقدم استقالتها. لا لأننا نطلب المستحيل، بل لأننا نطلب الحد الأدنى من الكرامة. أن يكون للمواطن الحق في العلاج، في التشخيص، في الدواء، في غرفة نظيفة، في طبيب يحترم قسم أبوقراط، في مستشفى لا يُشبه السجن. لكن يبدو أن هذا الحد الأدنى صار رفاهية، وأن الصحة تحوّلت إلى امتياز طبقي، لا إلى حق دستوري. المواطن الفقير لا يُعالج، بل يُترك ليموت ببطء، أو يُرسل إلى شيخٍ ينفث عليه دخانًا ويطلب منه دجاجة أو عتروسا أسود.
العبث بعينيه ورجليه، كما يُقال، صار هو القاعدة. المواطن يُعالج بالبخور، ويُخدّر بالآيات، ويُرقى بالضرب، ويُداوى بالنحل، ويُكوى بالنار، ويُترك ليموت ببطء، دون أن يرفّ جفن لأي مسؤول. هذا ليس فقط فشلًا في تدبير قطاع الصحة، بل هو جريمة في حق الإنسان، في حق الكرامة، في حق الحياة. لقد تحوّل المواطن إلى مشروع موت مؤجل، إلى رقم في قائمة الانتظار، إلى جثة تمشي، تبحث عن علاجٍ لا يأتي، وعن مسؤولين “ماأمسوقينش”.
نحن لا نطلب معجزة، بل فقط أن يُعامل المواطن كإنسان. أن لا يُترك فريسة للجهل، أن لا يُستغل في لحظة ضعف، أن لا يُهان في لحظة مرض. لكن يبدو أن المرض في المغرب لا يُعالج، بل يُستثمر فيه، يُسوّق، يُحوّل إلى تجارة، إلى طقوس، إلى عروض مسرحية تُعرض في الزوايا وتُبث على مواقع التواصل. لقد صار الألم مادة إعلامية دسمة، وصار البؤس محتوىً ترفيهيًا، وصارت الرقية الشرعية أكثر انتشارًا من الطب العام.
بصوت هادئ أقول: لا يمكن أن نُحمّل المواطن مسؤولية لجوئه إلى العلاج البديل، لأنه ببساطة لا يملك البديل. المسؤولية تقع على الدولة، على الحكومة، على من يملك القرار ولا يملك الضمير. أما المواطن، فهو فقط يحاول أن يبقى حيًا، ولو بالبخور، ولو بالكي، ولو بالرقية، ولو بالوهم. لأنه في بلدٍ كهذا، حتى الوهم صار علاجًا، وحتى الصمت صار سياسة صحية، وحتى الموت صار تفصيلًا لا يستحق التوقف عنده.
فهل ننتظر أن يُصبح لكل حيٍّ مشرحة؟ أم نكتفي بترديد عبارة “الله يشافي الجميع” بما في ذلك الحكومة وعموم المسؤولين؟









م مواطنةمنذ شهرين
و خاصة بعض ممارسات الرقية الشرعية، حين تنحرف عن ضوابطها الدينية والأخلاقية، إشكاليات خطيرة تمسّ كرامة الإنسان وسلامته، خصوصًا عندما تتحول إلى وسيلة لاستغلال النساء. فقد سُجّلت للأسف حالات مؤلمة لنساءٍ تعرّضن لاعتداءات جنسية على يد بعض من يُفترض فيهم الأمانة والعلم، مما خلّف آثارًا نفسية وجسدية عميقة، وزعزع الثقة في هذه الممارسة الروحية. إن هذه الانحرافات لا تمثّل جوهر الرقية الشرعية، بقدر ما تكشف عن ضرورة الوعي، والمساءلة، وحماية الضحايا من كل أشكال الاستغلال.
تحياتي للأنامل التي لا تخشى قول الحقيقة. .