- رسبريس
كما يعلم أو لا يعلم الجميع – لشح في الترويج – تشهد مدينة وجدة عاصمةً جهة الشرق، معرضا للكتاب يُوصَفُ بأنه «مغاربي»، لكنه في الحقيقة مغاربيٌّ في الاسم فقط، تماماً كما يُقال عن بعض الأطعمة إنها «باللحم» بينما لا أثرَ للحمة فيها إلا في ذاكرةِ الطاهي. يُنظَّمُ هذا المعرضُ تحت رعايةِ وكالةٍ تُدعى «وكالة تنمية جهة الشرق»، وهي وكالةٌ تبدو وكأنها آخرُ ما تبقى من سلالةِ الوكالات الوطنية، وكأنها وجدت وفي نفسها شرفَ البقاءِ الأبدي،. أما رئيسُها، فحدِّث ولا حرج: رئيسٌ «أبدي» بلغ من الكبر عتياً، ولا يزال في هذا المنصب إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا أو بقدرة سيدنا عزرائيل عليه السلام.
المعرضُ يُقام، والكتابُ المغاربيُّ… غائب. الكاتبُ المغاربيُّ شبه… غائب. أما المدبرون للمعرض فمن الأصدقاء في«المركز»، وكأن الجهةَ أصاب مثقفيها العقمُ منذ سنوات فلم تعد قادرةً على إنجابِ كاتبٍ أو مفكرٍ أو حتى مثقفٍ يملأ كرسياً تدبيريا لهذا المعرض البئيس. المشرفُ يأتي من بعيد، يحمل معه وصايا “الوكالة”، ويُديرُ كل شيء وكأنه جاء ليعلم أهلَ الجهة كيف يُمسكون بالكتاب من غلافه. ومثقفو ن من الجهة، يجلسون في الصفوف الخلفية، بعد الضيوف يُصفِّقُون بأدبٍ ويتساءلون: أين نحن من كل هذا؟ هل نحن أبناء الجهة أم الديكور فقط؟
سنةً بعد سنة، الدورةُ تُكرِّرُ نفسها: نفسُ الوجوه، نفسُ الطاقمِ المشرف، نفسُ الكلماتِ التي تُقال في الافتتاح، حتى أن أحداً لو أغمض عينيه وسمع الخطابَ الافتتاحيَّ لما عرفَ أهذه دورةُ 2015 أم دورةُ 2024. التكرارُ ليس مجردَ سمةٍ، بل هو الفلسفةُ الرسميةُ للمعرض. يُقال لك: «معرض مغاربي»، فتتوقع أن ترى أدباءَ من تونس والجزائر وليبيا وموريتانيا، أن تسمع أصواتاً جديدة، أن تكتشف كتباً لم تطأها يدُ التوزيع. لكنك تُفاجأ بأن «المغاربيَّ» هنا صفةٌ تجريديةٌ تُوضع على اللافتةِ فقط، أما المضمونُ فمحليٌّ في أسوأ معانيه: خطاباتٌ رسمية، ومشرفون من المركز، وحضورٌ محدود جدا، وكتابٌ يُعرضُ كأنه قطعةُ ديكور في خيمة كبيرة جدا.
أيُّ ثقافةٍ هذه التي تُنظَّمُ بها معارضُ الكتب؟ وأيُّ رسالةٍ يريدون تمريرَها؟ هل الهدفُ هو «التنمية» فعلاً، أم مجردُ ملءِ تقاريرَ سنويةٍ تُقدَّمُ للجهاتِ المانحةِ لتقول: «ها نحن نُنظِّمُ معارضَ للكتاب، فنحن نُعنى بالثقافة»؟ الثقافةُ ليست لافتةً تُعلَّقُ على واجهةِ قاعةٍ، ولا افتتاحاً يُقطَعُ فيه الشريطُ ويُلتقطُ فيه «سيلفي» مع المسؤول الأبدي. الثقافةُ هي أن يكون للكاتبِ مكانٌ، وللمثقفِ صوتٌ، وللجهةِ حضورٌ لا أن تكونَ مجردَ مساحةٍ جغرافيةٍ يُقامُ فيها حدثٌ شبه ثقافي.
والسؤالُ الذي يفرضُ نفسه: إلى متى؟ إلى متى يبقى الكرسيُّ محتلاً برئيسٍ «أبدي» يعتقدُ أن الوكالةَ ملكُه، والمعرضُ ملكُه ؟ إلى متى يُشرفُ المركزُ على جهةٍ يُفترضُ أنها قادرةٌ على إدارةِ شأنها الثقافي؟ ألا يوجدُ في الشرقِ مثقفون؟ ألا يوجدُ كتّاب؟ بلى، يوجدون، لكنهم إما صُرفوا إلى الهامش، أو غادروا بحثاً عن معرضٍ يُشبههم في جهات أخرى، أو آثروا الصمتَ على أن يكونوا «ديكوراً» في احتفاليةٍ لا تشبههم ولا تعنيهم في شيء.









