- عبد السلام انويكًة
بمناسبة الذكرى 71 لانطلاق عمليات جيش التحرير بشمال المغرب وعن المقاومة المسلحة والحركة الوطنية ومثلث الموت زمن الحماية. من المفيد الاشارة بداية الى أن مغرب النصف الأول من القرن الماضي، شهد ملحمة تاريخية كبرى تمثلت في مواجهته استعمارين الاستعمار الفرنسي ثم الاسباني، بعد تقسيم البلاد إثر عقد حماية سنة 1912. فترة حرجة تميزت بمقاومة وطنية عبر مرحلتين، مقاومة مسلحة بالبوادي ومقاومة سياسية وعمل فدائي بالمدن.
فيما يتعلق بالمقاومة المسلحة القروية (الشعبية) (القبلية) 1912-1934، التي انطلقت مباشرة بعد توقيع معاهدة الحماية، قادتها القبائل في مختلف مناطق البلاد وقد حققت انتصارات كبرى ضد قوات الاحتلال الاستعماري. نذكر منها: مقاومة الجنوب والصحراء التي قادها أحمد الهيبة بن ماء العينين، وقد عبأ قبائل الجنوب وزحف نحو مراكش، وخاض معركة سيدي بوعثمان 1912. مقاومة الأطلس المتوسط التي خاضتها قبائل زيان بقيادة موحا وحمو الزياني، وقد اشتهرت بمعركة “الهري” 1914 التي ألحقت هزيمة قاسية بالقوات الفرنسية. مقاومة الريف بشمال البلاد ولعلها من أبرز حركات المقاومة المغربية، وقد قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي ضد الاحتلال الاسباني محققا نصرًا تاريخيًا في معركة أنوال 1921، بحيث لم تستسلم مقاومة قبائل الريف إلا بعد تحالف الجيش الفرنسي والاسباني واستعمالهما لأسلحة ممنوعة من قبيل الغازات السامة. أما ما يخص مقاومة المغرب السياسية والحركة الوطنية 1930 – 1953، بعد توقف المقاومة المسلحة في البوادي إثر اختلال موازين القوى. حيث انتقل النضال صوب المدن، وكان الظهير البربري 1930 بمثابة الشرارة التي فجرت الوعي الوطني، عندما حاولت فرنسا التفرقة بين العرب والأمازيغ، وهو ما قوبل باحتجاجات عارمة، خاصة بعد تأسيس كتلة العمل الوطني كأول حزب سياسي مغربي، تقدم بـ”مطالب الشعب المغربي” عام 1934، وقد طالبت هذه الكتلة فقط بإصلاحات في إطار ما جاء في عقد الحماية. هذا قبل وثيقة المطالبة بالاستقلال الشهيرة في 11 يناير 1944 والتي عبرت عن تحول وطني نوعي، قاده حزب الاستقلال بتنسيق مع السلطان محمد بن يوسف. وكان المطلب الأساس للوثيقة انهاء الاحتلال. هذا قبل ثورة الملك والشعب والعمل الفدائي 1953 – 1956، الفترة التي بلغ فيها الصراع مداه خاصة عندما أقدمت سلطات الحماية الفرنسية، على نفي السلطان محمد الخامس ومعه أسرته في 20 غشت 1953 وتنصيب مكانه “ابن عرفة”. الحدث الذي اندلع على إثره عمل فدائي تلاحمت فيه الحركة الوطنية مع الشعب، وظهرت خلايا مقاومة سرية في المدن، من قبيل خلية الشهيد علال بن عبد الله الذي حاول اغتيال السلطان الصوري بن عرفة. وهذا أيضا قبل تأسيس جيش التحرير1955 وانطلاق عملياته بشمال ووسط المغرب، تلك التي كانت بما كانت من أثر وضربات قوية وتضييق على المستعمر، اضطرت فرنسا على اثره لإجراء مفاوضات “إيكس ليبان”، التي انتهت بعودة السلطان محمد الخامس من المنفى في نوفمبر 1955، وإعلان استقلال المغرب رسمياً في 2 مارس 1956.
في خضم هذه الملحمة الوطنية زمن الحماية، شكل إقليم تازة قلعة من قلاع الكفاح الوطني في تاريخ المغرب المعاصر. بحيث بفضل موقعه وممره الاستراتيجي الذي يصل شرق البلاد بغربها، شهد مقاومة شرسة منذ احتلال تازة سنة 1914، ففي هذه المنطقة ذات الطابع الجبلي واجه المستعمر الفرنسي مقاومة عنيفة امتدت منذ توقيع الحماية حتى الاستقلال. ولم تكن مقاومة تازة والجوار لتصمد لولا طابع المنطقة الجبلي الوعر، ولولا حسن استثمار المقاومة لهذه الخصوصية كقاعدة خلفية، حيث تقاسمت قبائلها مقاومة عبر جبهتين. جبهة ممر وشمال تازة (قبيلة كزناية والبرانس والتسول)، وقد كانت مجالا للمقاومة بعد احتلال تازة على مستوى عدة مراكز معتمدة على قيادات محلية، فضلا عن كونها كانت مهداً لانطلاق عمليات جيش التحرير، ومجالا لتأمين وتخزين السلاح المهرب عبر سفينة “دينا” 1954، وهي المنطقة أيضا التي أطلق عليها المستعمر “مثلث الموت “، لِما طبعها من قوة مقاومة واستماتة واستحالة اختراق عسكري. ثم جبهة ممر وجنوب تازة (قبيلة غياثة، بني وراين)، التي استهدفت عملياتها قطع خط السكة الحديدية فضلا عن تفجير جسور واستهداف قوافل الإمداد العسكري العابر بين شرق البلاد وغربها.
وكان إقليم تازة خلال هذه الفترة الدقيقة من زمن مغرب الحماية بمقاومة اعتبرت نموذجية، بحيث في الوقت الذي كانت فيه الخلايا الوطنية، تعمل على تعبئة الساكنة فضلا عن جمع تبرعات سراً، كانت مقاومة الجبال المجاورة توجه ضربات موجعة للقوات الفرنسية، ما جعل إقليم تازة لاحقا الجبهة التي أرغمت فرنسا على التعجيل بإنهاء الحماية 1956. ويمكن تقسيم ملحمة مقاومة إقليم تازة إلى مرحلتين أساسيتين: أولا – مقاومة قبائل المنطقة 1914 – 1926، عندما حاولت القوات الفرنسية السيطرة على “ممر تازة” الاستراتيجي، لتأمين خطوطها بين فاس والجزائر عام 1914. حيث واجهت تكتلاً قبلياً شرساً قادته قبائل الإقليم، منها قبيلة غياتة التي كانت في الواجهة اثناء الزحف نحو تازة، وقد كبدت المستعمر خسائر فادحة في معارك ضارية عند اقتراب قواته من المدينة، ومنها أيضا قبيلة البرانس التي انخرطت مبكرا في مقاومة الاستعمار منذ عام 1912، وقد امتدت معاركها لسنوات على مستوى مجالها الترابي، بحيث شكلت صلة وصل جغرافي مدعمة ثورة الريف. وهناك أيضا قبيلة التسول وبني وراين ومكناسة التي خاضت معارك عدة، مدافعة عن مجالها الترابي الحيوي ضد التوغل الاستعماري. وكانت معركة باب “حمامة” بمكناسة الغربية غير بعيد غربا عن تازة في ماي1914، مسرحا واجهت فيه المقاومة المحلية الجيش الفرنسي اثناء عمليات احتلال المدينة. وحول علاقة لهذه القبائل بمقاومة الريف، ظل الارتباط قائما بينهما خلال هذه الفترة، وظلت جبال تازة شمالا جبهة خلفية وعمقاً استراتيجياً متلاحماً داعما لثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي حتى عام 1926.
أما ما يخص المرحلة الثانية من مقاومة منطقة تازة للاستعمار، فقد ارتبطت بانطلاق عمليات جيش التحرير وبصدى مثلث الموت 1955. بحيث لم يهدأ إقليم تازة منذ فرض الحماية على البلاد ومنذ احتلال تازة 1914، بل كان الاقليم مهداً لحدث تاريخي نوعي غير مجرى الوضع الاستعماري بالمغرب. بحيث في 2 أكتوبر 1955 أعلن جيش التحرير في شمال البلاد، انطلاق عملياته العسكرية ضد مراكز الاستعمار الفرنسي، حيث تحول شمال الاقليم (قبيلة كزناية) لِما سمي من قبل المستعمر ب”مثلث الموت”، اي موقع مركز بورد الذي شهد أولى هجومات جيش التحرير ليلة 2 أكتوبر 1955، ومعه جبهات مركز أكنول وتيزي وسلي واجدير، التي اندلعت بها انتفاضات مسلحة وهجومات وحرب عصابات دمرت قوافل الإمداد الفرنسية. ولعل من هجومات جيش التحرير هذه، هجوم “تايناست” حيث معركة بين الصفوف الشهيرة في يناير 1956. والذي استهدف فيه فيلق عسكري كان يتنقل بالمنطقة، وقد كبده خسائر بشرية فادحة قُبيل نيل المغرب للاستقلال. عمليات عسكرية عبر جيش التحرير شمال تازة، كانت القشة التي قصمت ظهر الاستعمار، عندما عجلت بمفاوضات الاستقلال وعودة السلطان محمد الخامس من منفاه.
هذا ما يخص المقاومة المسلحة باقليم تازة بمختصر مفيد، أما ما يخص المقاومة السياسية خاصة على صعيد المدينة، فقد نشأت إثر حدث اعتقال الزعيم علال الفاسي ونفيه إلى سجن تازة، الحدث الذي شكل متغيرا عميقا في مسار الحركة الوطنية من حيث مناهضتها لسلطات الحماية، وقد ارتبط هذا الاعتقال كما هو غير خاف بحدث الظهير البربري الاستعماري عام 1930. ففي 16 ماي من هذه السنة أصدرت سلطات الإقامة العامة الفرنسية هذا الظهير، مستهدفة به الفصل بين العرب والأمازيغ، لإضعاف هوية البلاد الإسلامية ووحدتها الوطنية. ما قوبل بانتفاضة واسعة انطلقت من المساجد مرددة دعاء” اللطيف”، وهو ما كان وراء خروج مظاهرات احتجاجية بالمدن هنا وهناك بجميع ربوع البلاد. وكان علال الفاسي خلال هذه الفترة ممن كان وراء التعبئة وتحريك الاحتجاج ضد هذا الاجراء، وعليه، جاء اعتقاله ونفيه إلى سجن المشور بتازة في غشت 1930 إثر اتساع الاحتجاجات التي اقلقت المستعمر. حيث شنت سلطات الاحتلال حملة اعتقالات استهدفت بها نواة الحركة الوطنية وزعمائها، من قبيل علال الفاسي الذي حكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة أشهر، قضاها بتازة رفقة محمد بلحسن الوزاني، والعربي البوراشدي ومحمد البلغيثي وغيرهم. هكذا ارتأت سلطات الحماية، إبعاد هؤلاء عن فاس لوقف الاحتجاجات وتخويف المحتجين. وهو ما ورد ضمن إشارات لعلال الفاسي في مؤلفه “الحركات الاستقلالية في المغرب العربي”. معرجا على تجربة سجنه بتازة. وقد زاد ما تعرض له هؤلاء من ظروف قاسية بسجن تازة، من شعبيتهم ومكانتهم كوطنيين قادة للحركة الوطنية. كما أن سجنهم بتازة كان له أثره على مستوى وعي ساكنة المدينة السياسي، بحيث تشكلت خلايا حركة وطنية بتازة منذ 1934، كانت وراء ظهور مدرسة حرة بالمدينة، فضلا عما كان ينظم من مظاهرات احتجاجية داعمة للحركة الوطنية وللكفاح الوطني.
حول المقاومة بإقليم تازة أيضا، جدير بالإشارة الى أن عمليات جيش التحرير التي اندلعت يوم 2 أكتوبر 1955، شكلت منعطفا فاصلا في تاريخ كفاح المغرب المسلح. محدثا مواجهة عسكرية شاملة ضد القوات الفرنسية. وهنا من المفيد الاشارة لحدثين أساسيين، أولا – وصول السلاح عبر سفينة دينا الشهيرة الى شاطئ رأس الماء جوار مدينة الناظور قبل انطلاق عمليات جيش التحرير، حيث رست هذه السفينة قادمة من مصر شهر مارس 1955، بتنسيق مع قادة جيش التحرير من قبيل عباس المسعدي. وتم إفراغ ما كان بها من اسلحة وذخيرة سرًا بالساحل الشمالي للمغرب، وهو ما جرى نقله سرا وتخزينه في أمكنة جبلية سرية وآمنة من قبيل جبال إقليم تازة خاصة منها مناطق كًزناية، ثانيا – ما حصل إثر هجمات ليلة 2 أكتوبر 1955 ضمن تنسيق محكم مفاجئ صادم للمستعمر، حيث هاجم حوالي ألف مجاهد من أبناء قبيلة اكزناية إدارة وثكنات جيش الاحتلال شمال إقليم تازة. علما أن شرارة عمليات جيش التحرير الأولى، انطلقت بشكل متزامن هنا وهناك بين بورد، اكنول، تزي وسلي، مستهدفة مواقع استراتيجية بشمال تازة خاصة مركز بورد، الذي تمت فيه محاصرة المركز الإداري الفرنسي ليلًا، فضلا عن قطع اسلاك الهاتف وخطوط الاتصال وتفجير القناطر لمنع التموين، فضلا أيضا عن استهداف ثكنات المستعمر بمركز بورد، أكنول، تيزي وسلي، أجدير، من خلال عمليات مسلحة خاطفة تم خلالها قطع الإمداد وعزل مراكز القيادة، “وكان المجال الذي شهد هجومات جيش التحرير، هو ما عرف في المنطقة ب “مثلث الموت”، الذي شهد حرب عصابات كلفت المستعمر خسائر بشرية فادحة بين بورد، أكنول، تيزي وسلي. بحيث اعتمد جيش التحرير فضلا عن حرب العصابات، على كمائن محكمة مستوحاة من تجارب حرب الريف ومقاومة محمد بن عبد الكريم الخطابي، وذلك من اجل نسف الطرق ومنع وصول الدعم اللوجستي للاحتلال، واستدراج قواته ودفع فيالقها صوب ممرات وعرة وتضاريس جبلية صعبة حتى يسهل حصارها واستهدافها. وقد ردت القوات الفرنسية على عمليات جيش التحرير وهجوماته بإنزال واسع وقصف جوي عنيف، دون جدوى أمام ما طبع قبائل الإقليم وقبيلة كزناية خاصة، من إلتفاف حول جيش التحرير استماتة مقاومة رغم عدم تكافئ القوة. مع أهمية الاشارة الى أن عمليات جيش التحرير لم تقتصر على مثلث الموت فقط، بل امتدت إلى داخل مدينة تازة في دجنبر 1955 ويناير 1956، من خلال جملة عمليات فدائية شملت اغتيال وتصفية متعاونين أربكت حساب المستعمر، ما جعل إقليم تازة جبهة مشتعلة قبيل الاستقلال. وعليه، كانت عمليات جيش التحرير بأثر مباشر في تسريع المفاوضات وإنهاء الاستعمار، حيث اضطرت فرنسا للتخلي عن مناوراتها وتسويفها فاتحة المجال لمفاوضات، عاد على إثرها السلطان محمد الخامس من منفاه وتم اعلان استقلال البلاد الرسمي عام 1956.
على مستوى المدينة تازة وفي علاقة بمقاومة الإقليم للمستعمر الفرنسي، كان الجامع الأعظم بدور هام طيلة فترة الحماية، لما أسهم به من تأطير سياسي وتعبئة شعبية ضد مخططات المستعمر. فعقب إصدار سلطات الحماية الفرنسية لـ”الظهير البربري” في ماي 1930 مستهدفا تمزيق بنية المجتمع المغربي، كان جامع تازة مسرحا للاحتجاج السياسي، عندما اتخذه الوطنيون والعلماء منصة لردود فعلهم من خلال قراءة “اللطيف” عقب كل صلاة، الاسلوب الذي وظفته الحركة الوطنية للتنديد بخلفيات وعنصرية سياسة المستعمر. ومن جامع تازة الاعظم أيضا انطلقت مظاهرات أقدم على أثرها المستعمر على اعتقال عدد من الوطنيين التازيين. وعندما نفي السلطان في 20 غشت 1953 شهد هذا الجامع انتفاضة من جملة من اتخذته من اجراء، مقاطعة خطبة الجمعة واعلان رفض الدعاء للسلطان الصوري “بن عرفة” في خطب الجمعة، كما جرى به تنظيم إضرابات امتدت لأسابيع. وفي علاقة تازة بجيش التحرير وانطلاق عمليات بشمال الإقليم في أكتوبر 1955، استُغلت عدد من أمكنة المدينة لتبادل مناشير التعبئة، فضلا عن جمع تبرعات مالية تم توجيهها لدعم عمليات جيش التحرير 1955. هكذا جسّد جامع تازة الأعظم خلال هذه الفترة الدقيقة من زمن الحماية، نموذجا للمرفق المقاوم، بجمعه بين مهمة روحية وأخرى سياسية كانت بأثر في دعم تطلعات انهاء الاستعمار وتحقيق الاستقلال. دون نسيان ما كان بهذا الجامع أيضا من نخبة دعمت الوعي الوطني، مستغلة وظيفتها التربوية والتعليمية، لتقوية الروح الوطنية وتعبئة الساكنة باطلاعها على ما كان يرد من مستجد ومنشور قادم آنذاك من فاس، ومن ثمة ما أسهم به كل هذا وذاك من حفز شعبي وكسر لخوف من المستعمر، ومن نشر أيضا لأفكار وتطلعات ودعوة لحق البلاد في الحرية والاستقلال.
رئيس مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث









