كيف يصنع الغموض القانوني استبداداً ناعماً في المغرب..

admin
2026-04-28T20:38:22+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin28 أبريل 2026آخر تحديث : منذ شهر واحد
كيف يصنع الغموض القانوني استبداداً ناعماً في المغرب..
  • مصطفى قشنني

ليس أدلَّ على مرض دولة القانون من أن تصبح نصوصها أشبه بلوحةٍ بيضاء يُدوِّن عليها من يشاء ما يشاء، أو كمرآة ضبابية لا تعكس إلا هوى من يتأملها. إن القانون حين يُولد مشوهاً، غامضاً، مليئاً بالفراغات والبياضات التي تنتظر من يملؤها، فإنه يتحول من أداة عدالة إلى سلاحٍ في يد السلطة، ومن ضمانة للحقوق إلى آلية ابتزازٍ ناعم يُمتص بها روح المساءلة ويُخنق بها أي صوتٍ يجرؤ على المطالبة بالوضوح. هذا هو السرطان الذي يفتك بالجسم المؤسساتي المغربي، ليس في مكان واحد، بل في كل مفاصله: من المجلس الوطني للصحافة إلى نقابات المحامين، من هيئات الأطباء إلى مجالس الصيادلة، من العدول إلى كل من يُفترض أن يمثلوا صمام أمان المجتمع.

إن الغموض التشريعي ليس خطأ فنياً في الصياغة، وليس مجرد ثغرة تقنية يمكن ترميمها. إنه، في جوهره، خيار سياسي عميق، وأداة نافعة بيد السلطة، ومشروعٌ واعٍ لإعادة توزيع القوة لصالح من يمسك بخيوط التفسير والتأويل. فالسلطة، أي سلطة، تعرف أن القانون الواضح هو قفص ذهبي: جميل في شكله، لكنه يحد من حركة من بداخله. أما القانون المبهم، فهو ساحة واسعة من الرمال المتحركة: يبدو صلباً، لكنه يبتلع من لا يرضي من يدير اللعبة. فعندما تكون النصوص القانونية فضفاضة، تتحول الإدارة من مجرد جهة منفذة للقانون إلى جهة “تخلق” المعنى وفق ما يمليه عليها السياق السياسي أو الشخصي. والمشكلة الأعمق أن هذه الإدارة لا تحتاج حتى إلى أن تثبت سوء نية، فهي تمارس ما تعتبره “سلطتها التقديرية”، بينما تلك السلطة هي نفسها ورم خبيث في جسد العدالة.

وحدهم السذج يعتقدون أن هذه الفراغات والبياضات التشريعية تأتي نتيجة عجلة أو إهمال. كلا، إنها تُزرع عمداً، كالألغام، لتنفجر في وجه من يحاول أن يسير في الطريق الصحيح. انظر إلى ما يحدث في المغرب: نصوص قانونية تخرج إلى النور بعد صراعات داخلية، تحمل في طياتها ثغرات واسعة، وتركات تنتظر من يملؤها. ومن يملؤها؟ ليس الفقيه القانوني المحايد، ولا القاضي العادل، بل المسؤول التنفيذي الذي يملك أدوات الضغط غير المباشر. هذه هي معادلة السلطة الناعمة: دع النص يولد ميتاً، ثم ادّعِ أنك تحاول إحياءه، وفي أثناء ذلك، استخدم حيرته كحجة على كل من يخالف رغباتك.

المشكلة الجوهرية ليست في التأويل نفسه، فهذا الأخير جزء من حياة وروح القانون، بل في غياب الأمن القانوني الذي هو الغاية الأساسية من وجود القانون أصلاً. فالقانون، في أفضل صوره، هو عقد اجتماعي صامت، ووعد ضمني من الدولة للمواطن: “إذا فعلت كذا، فستكون النتيجة كذا”. لكن حين يصبح النص قابلاً لخمسة عشر تفسيراً مختلفاً، وتتغير دلالته بحسب لون البطاقة المهنية، أو انتماء الصحافي، أو حجم المقاولة، فإن هذا الوعد يتحول إلى فخ. المواطن، أي مواطن، يفقد القدرة على تمييز الحلال من الحرام القانوني، والنظام يصبح لعبةً غامضة لا يجيدها إلا من يقف فوق الحلبة.

وهنا يكمن الانهيار الحقيقي: انهيار الثقة. الثقة التي هي الدم الذي يجري في عروق ومفاصل دولة القانون. عندما يحس الصحافي أن القانون قد يضربه إذا كتب هذه الجملة ولا يضربه إذا كتبها آخر في ظروف مختلفة، فهو لن يكتبها أصلاً. وعندما يشعر المقاول أن الرخصة قد تمنح له اليوم وتسحب منه غداً دون تغيير في أسلوب عمله، فإنه يستسلم لابتزاز زمن “الواسطة” و”الكفالة” و”العلاقات”. وهكذا، لا تحتاج السلطة إلى الرقابة الصارخة، ولا إلى السجن المباشر، تكفيها فراغات القانون لشل الحركة تماماً. هذا هو الاستبداد الناعم، وهو أخطر من القبضة الحديدية لأن ضحاياه لا يعرفون من أين يؤكلون.

إنه وضع صعب، بل مأساوي، ذلك الذي تعيشه العديد من الهيئات في المغرب. المجلس الوطني للصحافة، الذي يفترض أن يكون حامياً للخطاب الحر، يجد نفسه مرغماً على تطبيق نصوص لا تفهم، وفراغات تسمح بتأويلات متضاربة تضع الصحافي بين مطرقة الترهيب وسندان الإفلاس. والمحامون، حراس الدفاع عن الحقوق، يكتشفون أن النصوص التي تحكم مهنتهم مليئة بالبياضات التي تسمح للسلطة بإكراههم خارج سياق المهنة، وتحت تهديدات غامضة تفقد معناها بمجرد أن تسأل: “على أي أساس؟”. والأطباء والصيادلة والعدول، كلٌ في موقعه، يعيشون هذا الكابوس: نصوص تشرع عملاً ما فتأتي لائحة تطبيقية تقلبه رأساً على عقب، أو لائحة تركها المشرع “لملئها لاحقاً”، فتمتلئ برغبة الإدارة لا بروح القانون.

هذا العبث المفاهيمي ليس فوضى، إنه نظام من نوع خاص. إنه نظام يرتكز على استراتيجية “البياض التشريعي”. تخيل أن قانوناً ما يصدر، وفيه مادة تقول: “يُمنع أي سلوك يخل بالنظام العام”. سؤال الطفل البسيط: وما هو النظام العام؟ لم يُجب المشرع. هنا يبدأ دور السلطة: تحدد النظام العام كيفما تشاء، وفق هوى اللحظة. هذه ليست ثغرة، هذا باب مشرع على مصراعيه للتمييز والانتقائية. وعندما يحتج المعترض، يقال له: “القانون واضح!”. نعم، واضح في غموضه، كما أن الظلام واضح في كونه ظلاماً.

من له المصلحة في هذا الغموض؟ من يريد ترسيخ هذا العبث؟ بالتأكيد ليس المواطن العادي، وليس الصحافي ، ولا الطبيب… المستفيد الأول هو “السياسي المتسلط”، ذلك الكائن الذي يخاف من كلمة واضحة لأنها تحد من حريته في المناورة. والمستفيد الثاني هو البيروقراطي الجبان، ذلك الموظف الذي لا يجرؤ على تحمل مسؤولية قرار واضح، فيفضل الاختباء وراء “غموض النص” ليقول: “هذا تفسيري للمادة الفلانية”. والمستفيد الأخير هو “الفاسد”، لأن الغموض هو البيئة الطبيعية للرشوة والوساطة. في القانون الواضح، لا مكان للوسيط. في القانون الغامض، كل شيء قابل للتفاوض.

هذا الصراع ليس قانونياً فقط، إنه صراع وجودي حول مفهوم الدولة ذاتها. فهناك نموذجان: دولة القانون التي تسعى لأن تكون نصوصها من الكريستال الشفاف، يراها الجميع من كل الزوايا فلا يختلفون عليها. ونموذج آخر: دولة “البياضات والفراغات”، التي تشبه المبنى الذي أساسه من طين، كلما هبت عاصفة تأكل منه جزءاً. المغرب، للأسف، يتحرك بين النموذجين، لكن بصورة مطردة نحو الثاني. ليس لأن بعض القضاة فاسدون، ولا لأن الكثير من  النواب وممثلي الأمة كسالى، بل لأن منطق السلطة يفرض إبقاء العصا غليظة، وهذا لا يتأتى إلا ببقاء النصوص فضفاضة.

ولنتحدث بصراحة: إن وضوح القاعدة القانونية ليس ترفاً تشريعياً، كما يحلو للبعض أن يصفه. إنه شرط حدّ أدنى، بل هو شرط مسبق لوجود أي عدالة. لا عدالة في نص لا يُفهم، ولا مساواة في قاعدة يمكن أن تعني الشيء ونقيضه. المساواة أمام القانون لا تتحقق بأن ينطق الجميع بنفس الصيغة، بل بأن تُطبق نفس الصيغة معنىً واحداً على الجميع. وإذا كان لكل إدارة أن تفهم النص كيف تشاء، فإننا أمام تعددية في القانون، بل أمام فوضى قانونية محمية بإطار رسمي.

إن المعركة الآن ليست معركة تعديل بعض المواد أو النصوص، إنها معركة فكرية ثقافية عميقة. إنها معركة ضد “ثقافة البياض”، ضد عقلية “الفراغ المُنتَج”، ضد فقه الظل الذي يدير البلاد بدلاً من فقه النور الذي يفترض أن تحكمها. إنها تحتاج إلى ثورة في طريقة كتابة القانون، بحيث يصبح النص القانوني قطعة فنية مكتملة لا تحتمل التأويل المعاكس، وحيث يسد المشرع كل منفذ يمكن أن تستغله السلطة لتفسح لنفسها مجالاً. كما تحتاج إلى مراجعة دور الإدارة: من جهة “تقدر” إلى جهة “تطبق” فقط.

نعم، إذا لم ينتبه المغرب إلى هذا الاستنزاف الصامت لدولة القانون، فسيجد نفسه ذات يوم أمام واقع مرير: نصوص كثيرة لا تحمي أحداً، وإجراءات معقدة لا تؤدي إلى عدالة، وهيئات مهنية مشلولة لا تستطيع التنفس. والضحايا سيكونون دائماً هم الأضعف: الصحافي الصادق، الطبيب الفقير، المحامي الشجاع، المواطن العادي الذي يريد فقط أن يعرف: “هل هذا مسموح به أم لا؟”. عندها لن يبقى للوطن سوى قوانين من ورق، وعدالة من ظل، واستبداد ناعم لا يجرؤ أحد على تسميته باسمه.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.