- مصطفى قشنني
أشفقُ لحالِ السياسة في وطني، لكنني لا أشفقُ عليها كثيرًا، لأنها ماتت منذ زمنٍ ولم يُعلنوا الوفاة إلا من باب البروتوكول. ماتت وهي واقفةٌ كتمثالٍ في ساحةٍ عامة، يمرُّ بها الناس كلَّ يومٍ ولا يقرؤون ما كُتب على قاعدتها من شعاراتٍ نحتتها أيدي الخطابة فمحاها المطرُ وبقيت الكلماتُ حبيسةَ الرخام. كتبتُ قبل أيامٍ في هذه الزاوية بالضبط أسأل: متى يعلنون عن وفاة السياسة في وطني؟ وربما كنتُ محقًّا في سؤالي، لكن الأصحَّ أنهم لن يعلنوا الوفاة، لأن الإعلانَ يحتاج إلى شهادةِ وفاة، وشهادةُ الوفاة تحتاج إلى طبيبٍ شرعيٍّ نزيه، والطبيبُ الشرعيُّ في وطني أصبح حاملَ حقيبةٍ وزاريةٍ ينتظر دوره في الكعكة، ولو كُتبَ له أن يوقّعَ شهادةَ وفاةٍ لوقّعها بشرطِ أن يُرقّى إلى درجةٍ أعلى في السلكِ الوزاريّ.
انتهت زوبعةُ الانتخابات قبل أيام، وذهب كلُّ فريقٍ إلى بيته يحملُ نصيبَه من الحلوى، وابتسم الجميعُ ابتسامةَ من أخذ، وتنفّس الجميعُ الصعداءَ تنفّسَ من نجا. حصل كلُّ طرفٍ على حقِّه في الكعكة، والحقُّ هنا ليس حقًّا بالمعنى القانوني، بل حقٌّ بالمعنى الحرفيِّ للأصابعِ التي غاصت في القشدة الطرية. والبقيّةُ الباقيةُ تنتظر، لا في صفوفِ الانتظار، بل في كراسيَ مريحةٍ أمام أبوابِ قصر بنت الباشا، تُدخّن وتتسامر وتتحاضن، وكأن الديمقراطيةَ وصفةٌ طبيةٌ طويلةُ الأجل، والمناصبُ حبوبٌ مُهدِّئةٌ يجب تناولها يوميًّا حتى لا يعودَ الوجع. أما الشعبُ، ذلك الحاضرُ الغائبُ، ذلك الذي صوّتَ ثم عادَ إلى بيته ينتظرُ تحسّنَ حالِه، فهو لا يعلمُ أنه كان مجرّدَ رقمٍ في صندوقٍ زجاجيّ، وأنّ الصندوقَ نفسه سيُخزَّنُ في قبوٍ لا يُفتحُ إلا في الموسمِ القادم بحول الله، حين تُطلَبُ منه الشرعيةُ من جديد.
وضعتِ الحربُ أوزارَها، والمقصودُ بالحربِ هنا ليس تلك التي تُسفكُ فيها الدماء، بل تلك التي تُسفكُ فيها الأحزابُ والشعاراتُ والوعود. استنفدتِ التطاحناتُ أهدافَها، أي أن الجميعَ تعِبَ من التمثيل، فقرّروا رفعَ الستار وإظهارَ ما كانوا يخفونه من أقنعة: أنهم لم يكونوا يتصارعون على المبادئ، بل على الكراسي. وبدأتِ المشاوراتُ على المناصب الحكومية، والمشاوراتُ في وطني فنٌّ من فنون الأدب الرفيع، لأنها لا تُدارُ في قاعاتٍ مكشوفة، بل في صالوناتٍ مغلقةٍ يخرجُ منها الضبابُ الدخانيُّ وحده، بينما يخرجُ الوزراءُ من بابٍ خلفي. وفي هذه الصالوناتِ تُطبخُ الحكوماتُ كما تُطبخُ الأطباقُ الشعبية الشهيرة: بالدَّهنِ الكثير، والبهاراتِ الكثيرة، والنارِ الهادئة، حتى ينضجَ الجميعُ على مهلٍ، ولا يُلاحظَ أحدٌ أن اللحمَ الذي أُكلَ هو لحمُ الشعب.
رأيتُ وجوهًا أكلَ عليها الدهرُ وشرب. وجوهًا ناعمةً من كثرة ما مُسحتْ بالمجاملات، صلبةً من كثرة ما صُفعتْ بالصفقات. هناك من بلغ أكثرَ من الثمانين، وحظر مع زعيمِ حزبه للظفرِ بمقعدٍ وزاريّ، بعدما فشل في الحصولِ على مقعدٍ في مجلس النواب. فشلَ في أن يمثّلَ الشعب، فقرّر أن يمثّلَ الحكومة. والمنطقُ سليمٌ في وطني: إذا لم يُردْكَ الشعب، فاذهبْ إلى من لا يُسألُ عن الشعب. وآخرُ يُلقَّبُ ب”بوحنوك”، صاحبِ الوجنتين الغليظتين والكرش المنتفخة، عينُه على حقيبةِ العدلِ أو العلاقةِ مع البرلمان، لا يهمُّ المهمُّ أن يتوزّرَ هو شخصيًّا، أو أحدُ أبنائه، ولْيذهبْ مناضلو الحزب العريقِ إلى الجحيم. فالحزبُ في وطني ليس بيتًا للأفكار، بل شركةً عائليةً مساهمةً، رأسُ مالِها الشعاراتُ، وأرباحُها الحقائبُ، وخسائرُها الشعب.
وفي زاويةٍ من زوايا ذلك اللقاء التشاوريّ، رأيتُ ما جعلَ معدتي تنقلبُ عليّ وتُصاب بمغص شديد، وأنا الجالسُ في مكاني كمن شاهدَ جريمةً تُرتكبُ في وضحِ النهارِ ثمّ مُنعَ من الكلام. رأيتُ وزيرًا سابقًا بجلابته المُوبّرة وكأنه قديس، اسمُه في بطاقةِ زيارته محترمٌ، لكنّ في ذاكرةِ الناس اسمًا آخر: مَن أُهدرتْ على يديه – أو على يدِ حكومته – أموالٌ يُقال إنها مليارات، في برنامجٍ سُمّي “استعجاليًّا”، فاستعجلَ الخرابَ قبل البناء، واستعجلَ الأصفارَ قبل الأرقام، واستعجلَ السقوطَ قبل أن يقفَ على قدميه. برنامجٌ كان يُفترضُ أن يُنقذَ المدرسةَ، فأنقذَ المقاولين. برنامجٌ كان يُفترضُ أن يُرمّمَ الجدرانَ، فرمّمَ الأرصدةَ البنكيةَ لبعضِ الأصدقاء. رأيتُه جالسًا مبتسمًا، تُصافحُه الأيادي، وتُؤخذ منه المشورة، وتُحيطُ به الابتساماتُ، وكأنّ بشاعة الملفَّ الذي يطاردُه لم يكن إلا شائعةً من شائعاتِ الأمس، وكأنّ الأرقامَ التي أكلتْ مستقبلَ تلاميذٍ لم تكن إلا حبرًا على ورق. وفي وطني، يُصبحُ الحبرُ على الورقِ ثقيلًا على الأجيال، خفيفًا على الضمائر..وا عجبا…
وأدهى من ذلك، وأمرّ: رأيتُ كوميسيرًا سابقًا، كان اليسارُ في زمنٍ مضى يرفعُ في وجهه تهمةً واحدةً ثقيلةً لا تُنسى: الجلاد. كان اسمُه في نشراتِ الحقوقيين قرينًا للتعذيبِ والمعتقلاتِ والغرفِ المظلمة. ثم مرّتِ السنون، وماتتِ القضية، أو أُنهكتْ، أو نُسيَتْ، أو بيعتْ في سوقِ نخاسةالتنازلات. وحضرَ الرجلُ إلى جانب ابنه، لا ليتوبَ ولا ليشرحَ ولا ليُحاسَب، بل ليجلسَ الابنُ إلى المائدةِ نفسِها، ويأخذَ حظَّه من الكعكةِ نفسِها، ويصيبَه ما أصابَهم من حلاوةِ نعمةِ الكرسي. هكذا يُورَّثُ الكرسيُّ في وطني: لا كإرثٍ قانونيٍّ، بل كإرثٍ عائليٍّ، كما تُورَّثُ الحرفةُ، وكما تُورَّثُ الأرضُ، وكما تُورَّثُ الأمراضُ الوراثية. ويُقال لنا بعد ذلك إنّ المشكلةَ في الشباب، وإنّ الشبابَ لا يشارك، وإنّ الدماءَ الجديدةَ لا تدخلُ المؤسسات. أيُّ دماءٍ جديدةٍ يا سادة؟ أنتم تسدّون الأبوابَ بالأبِ والابنِ والحفيد، وبجميع أنواع الدماء الملوثة، ثم تسألونَ لماذا لا يدخلُ أحد. أنتم تبنونَ السقفَ على ارتفاعِ قاماتِكم، ثم تلومونَ الأقزامَ لأنهم لا يصلون..وا عجبا.
ثم رأيتُ زعيمًا يدّعي انتماءَه للقيم الشيوعية، يقول إن حزبَه يتقاطعُ في الكثيرِ من الأمور مع الحزب الحاكم، والذي كان يكيلُ له في الأمسِ القريب أبشعَ التهم. بالأمسِ القريب كانوا أعداءً في العقيدة، واليومَ أصبحوا شركاءً في الحقيبة. بالأمسِ كانوا يتبادلون الاتهامات، واليومَ يتبادلون الحقائب. بالأمسِ كانوا يتبادلون الرصاصَ البلاغيَّ، واليومَ يتبادلون الابتساماتِ في المؤتمرات الصحفية. تقاطعُ المصالحِ يا سادة، لا تقاطعُ الأفكار. فالفكرُ لا يتقاطع، بل يتباعدُ ويتباينُ ويتقاتل. أما المصالحُ فتلتقي عند نقطةٍ واحدةٍ اسمها “المصلحةُ العليا”. ولو سألتَ أحدَهم عن المصلحةِ العليا لقال لك بلسانٍ طليق: هي أن أصلَ أنا إلى الكرسي، ثم نتحدّثُ بعد ذلك عن العليا والسفلى.
والمصلحةُ العليا التي يتذرعُ بها الكثيرُ هي مفتاحُ شرعيةِ دخولهم إلى الحكومة. هي الشمّاعةُ التي تُعلّقُ عليها كلُّ خيانةٍ وكلُّ تراجعٍ وكلُّ صفقة. “المصلحةُ العليا” عبارةٌ مطاطيةٌ تمتدُّ حتى تُغطّي وتحجب كلَّ شيء.
ثم رأيت فيما رأيت وفد حزب عريق أيضًا يحبُّ لغةَ القسطاسِ المستقيم، لكن في محطاتِ الحقائبِ والاستوزار تأخذُه العزةُ بالإثم. القسطاسُ المستقيمُ يصبحُ مستديرًا عندما يمرُّ على المناصب. فقد جاء مع وفدٍ ممن يحبُّ الاستوزارَ ولا يجدُ له بديلًا. البديلُ يا سادةُ ليس موجودًا، لأن البديلَ الوحيدَ هو أن يبقى في المعارضة، وهذا جحيمٌ لا يُطاق، أو وضع يشبه السمكة التي يلفضها البحر إلى اليابسة فتختنق. وحزبٌ يحبُّ رمزَ السلام، يا سلام، قال فيهم ميسي – الحزبُ الحاكمُ الجديد – ما لم يقله مالكٌ في الخمر. قال فيهم ما يُقالُ في الأعداء، لا في الحلفاء، لكن الحلفاءَ في وطني يُصنعون في لحظةٍ واحدة، كما تُصنعُ القهوةُ السريعة: ضعِ الماءَ، وأضفِ المسحوقَ، وحرّك، وستجدُ نفسَك تجلسُ مع من كنتَ تشتمُه بالأمس.
نعم، أشفقُ لحالكَ يا وطني حين أشاهدُ بعيني نفسَ الوجوهِ ونفسَ الأقنعةِ ونفسَ الديناصوراتِ – التي قد يحتار في أمرها عالم الأحياء صاحب كتاب”أصل الأنواع” تشارلز داروين لو كان حيا -، ونفسَ المهازلِ ونفسَ اللهطِ ونفسَ الهرولةِ واللهث. الديناصوراتُ لا تنقرضُ في وطني، بل تتقاعدُ ثم تعودُ مستشارةً، ثم تتقاعدُ ثم تعودُ وزيرةً، ثم تتقاعدُ فيعودُ ابنُها وزيرًا. الديناصوراتُ تعرفُ كيف تعيشُ، لأنها تعلمتِ الدرسَ الأول في مدرسةِ البقاء: لا تتخلَّ عن الكرسيِّ حتى لو تخلّى عنكَ الكرسيُّ نفسه. والأقنعةُ لا تسقطُ لأنها ليست أقنعةً أصلًا، بل وجوهٌ جديدةٌ نُحتتْ على قياسِ المناصب. والمهازلُ تتكررُ لأن الذاكرةَ في وطني قصيرةٌ جدًّا، والنسيانُ نعمةٌ كبيرة، لولا النسيانُ لما استمرَّ شيء. ولو كان في وطني ذاكرةٌ حقيقية، لكان أولُ من يُحاسَبُ هو الذاكرةُ نفسُها، لأنها سمحتْ لكلِّ هذا العبث أن يحدث.
أشفقُ لحالكَ يا وطني، وأشفقُ لحالي. أشفقُ لأنني ما زلتُ أنتظرُ، وما زلتُ أرقبُ، وما زلتُ أتمنى. أشفقُ لأنني، مثلكَ، أدفعُ الثمنَ غاليا من خلال هذه المقالات. أشفقُ لأنني أكتبُ هذا الكلامَ وأنا أعلمُ أنه لن يُغيِّرَ شيئًا، لكنني أكتبُهُ كما يكتبُ المحكومُ بالإعدامِ رسالةً إلى أمّه: لا لأنها ستُنقذُه، بل لأنها ستُخفِّفُ عن قلبِه بعضَ ما فيه من ألم ووجع. أشفقُ لحالكَ يا وطني، وأقولُ لنفسي: ربما السياسةُ لم تمتْ بعد، لكنها في غيبوبةٍ طويلة، والغيبوبةُ في وطني ليست حالةً طبيةً عارضة، بل هي النظامُ السياسيُّ بأكمله.








رشيد بشيريمنذ 16 ساعة
ولا اروع :خلاصة لهده الايام