- مصطفى قشنني
تأكد لي بعد العديد من الدراسات والقراءات للفكر السياسي عبر العالم قديما وحديثا، أنه ليس في التاريخ السياسي عبثٌ، بل فيه منطقٌ قاسٍ يشتغل في الخفاء، يهدم ما بناه الحماس، ويُحيل ما ظنّ الناس أنه راسخٌ إلى غبار. وهكذا فإنّ الانتقال من “الكتلة الديمقراطية” إلى ما صارت إليه اليوم ليس مجرد تحوّلٍ في المشهد الحزبي، بل هو تعبيرٌ عن قانونٍ أعمق: كل فكرةٍ ثوريةٍ تحمل في جوفها بذورَ تحوّلها إلى مؤسسة، وكل مؤسسةٍ تحمل في جوفها بذورَ تحوّلها إلى مصلحةة، وكل مصلحةٍ تحمل في جوفها بذورَ تحلّلها إلى رماد. هذا ليس تشاؤماً، بل تشريحٌ لجدلية الزمن السياسي حين يفقد الفاعلون قدرتَهم على إنتاج المعنى، فيكتفون بإدارة ما تبقّى من آثار.
كانت الكتلة الديمقراطية، في لحظة تأسيسها، حدثاً بالمعنى الفلسفي العميق: لحظةُ قطعٍ مع نظامٍ رمزيٍّ قديم، ومحاولةُ تأسيس شرعيةٍ جديدة تقوم على فكرة المواطنة بدل الولاء، وعلى البرنامج بدل الزبونية، وعلى المؤسسة بدل الفرد. لكن الحدث، بطبيعته، زائل. إنه ومضةٌ لا تدوم، ولحظةُ انفتاحٍ لا تستمر. ومن هنا المفارقة الكبرى: أن الكتلة التي وُلدت لتؤسّس، سرعان ما وجدت نفسها سجينة ما أسّست. تحوّل الحدث إلى بنية، والبنية إلى جهاز، والجهاز إلى سلسلةٍ من المصالح الصغيرة الضيقة التي تأكل الفكرة من داخلها. هذه ليست خيانةً بالمعنى الأخلاقي الضيّق، بل هي قانون الوجود السياسي: حين تتحوّل الروح إلى شكل، يبدأ الشكل في التهام الروح، وهكذا…
والسؤال الأعمق: هل كان في الكتلة الديمقراطية نفسها ما مهّد لانحطاطها؟ أم أن الانحطاط جاء من الخارج، من ضغط السلطة، ومن إغراء المشاركة، ومن منطق “الواقعية” الذي يبرّر كل تنازل؟ الجواب ليس أحادياً. فالفكرة التي لا تتضمن آلياتٍ لتجديد نفسها، تصبح عرضةً للتحوّل إلى أيقونةٍ جامدة.. وهكذا تحوّلت الكتلة من فاعلٍ تاريخيٍّ إلى ذاكرةٍ يستدعيها من يريد شرعيةً سريعة. لكن الذاكرة، حين تُستدعى بلا مضمون، تصبح قناعاً. والقناع، في النهاية، يسقط.
ما نراه اليوم ليس مجرد انزياح أخلاقي، بل هو تحوّلٌ في طبيعة السياسة نفسها. لقد انتقلنا من زمن الإيديولوجيا إلى زمن التقنية، ومن زمن المشروع إلى زمن التسيير، ومن زمن الانتماء إلى زمن الانتساب. السياسي اليوم لم يعد مَن يحمل فكرةً ويصارع من أجلها، بل مَن يحسن إدارةَ ما هو موجود، ويتقن فنَّ المناورة بين القوى، ويجيد قراءةَ اللحظة لا صناعةَ التاريخ. هذا ليس حكماً أخلاقياً، بل وصفٌ لتغيّرٍ بنيوي: السياسة لم تعد فضاءً لتأسيس المعنى، بل أصبحت فضاءً لإدارة الغياب. وحين يغيب المعنى، يملأ الفراغ كل شيء: الحقائب، الكراسي، الامتيازات، الصفقات…
وهنا يظهر التناقض الأشد إيلاماً: أن من يزعمون الانتماء إلى إرث الكتلة الديمقراطية يتحدثون بلغةٍ لا تشبه لغتها. لغة الكتلة كانت لغة المواجهة والتأسيس، ولغة الورثة اليوم هي لغة التقاطع والتحالف. والفرق بين اللغتين ليس فرقاً في المفردات، بل فرقٌ في الوجود. من يتحدث بلغة التقاطع مع من كان خصماً، يعلن ضمنياً أن الصراع لم يعد له معنى، وأن الفكرة لم تعد تستحق التضحية، وأن السياسة لم تعد إلا فنَّ إدارة المصالح. هذا ليس تطوّراً، بل هو ارتداد وتقهقر إلى ما قبل السياسة: إلى حالةٍ بدائيةٍ كان فيها البقاء لا المعنى هو الغاية.
لكن الطامة الكبرى ليست في التحوّل نفسه، بل في الآلية التي يتم بها. إنها ليست آلية الفكر، بل آلية الانتهازية الخالصة: الانتهازي – كما عرّفتُه سابقا من خلال هذه الزاوية – كائنٌ بلا عمود فقري، يتشكّل بشكل الوعاء الذي يُسكب فيه. إنه ليس سياسياً بالمعنى النبيل، بل هو سياسي هجين، لا شكل له ولا لون، يأخذ شكل اللحظة ويمتثل لرياحها. إنه كالحرباء، لكن الحرباء تتلوّن لتنجو من الموت، أما هو فيتلوّن لينجو من النسيان، وليحصل على مقعدٍ في الحكومة أو البرلمان. الانتهازي لا يؤمن بشيء، ولا يخون شيئاً، لأنه لا يملك شيئاً ليخون. إنه فارغٌ من كل مبدأ، فارغٌ من كل التزام، فارغٌ من كل وفاء.
أما الوصولي، فهو ابن عم الانتهازي، لكنه أكثر دهاءً وأقل حياءً. إنه لا يكتفي بالتلوّن، بل يصنع الألوان. يبدأ ناشطاً في الحركة الطلابية، ثم يصبح إسلامياً في الجامعة، ثم يسارياً في النقابة، ثم ليبرالياً في الأعمال، ثم محافظاً في الانتخابات. لا يغيّر قناعاته، لأنه لا يملك قناعات؛ بل يغيّر جلوده، وكل جلدٍ جديدٍ يمنحه جمهوراً جديداً، وكل جمهورٍ جديدٍ يمنحه صوتاً جديداً، وكل صوتٍ جديدٍ يمنحه كرسياً جديداً. الوصولي لا يمشي على الأمواج، بل يركبها، ويركب معها، ويركب فوقها؛ وحين تنكسر الموجة، يقفز إلى التي بعدها، بمرونةٍ لا يملكها إلا من لا وزن له. وهؤلاء هم أبناء الكتلة اليوم، من يحملون الاسم ويخونون الروح، ومن يتحدثون بلغة النضال ويسيرون بخطى الوصول.
ثم تأتي المصيبة الأعظم: نَكث المواثيق. السياسي في زمن الكتلة كان الميثاق عنده دَيناً، والعهد أمانةً، والكلمة شرفاً. أما السياسي “الكُتلوي” اليوم، فالميثاق عنده “ورقة تفاوضية”، والعهد “أداة مؤقتة”، والكلمة “مناورة كلامية”. يوقّع الميثاق ليلاً، وينقضه صباحاً، ثم يستدعي من الذاكرة فقرةً من هنا، وجملةً من هناك، لتبرير النقض. أمس: “لا للتحالف مع من أفسدوا الحياة السياسية”. اليوم: “تتالت الظروف وتغيرت المعطيات”. أمس: “المعارضة شرف”. اليوم: “الحكومة مسؤولية”. أمس: “لا نركب الموجة”. اليوم: “نحن في قلب الموجة، بل نحن الموجة نفسها”. هذا ليس تطوراً في الموقف، بل انعدامٌ للموقف. إنه نكثٌ للمواثيق لا باسم البراغماتية، بل باسم النفعية الصريحة الصارخة…
نعم أقولها بالفم المَليان: الحنين إلى الكتلة الديمقراطية ليس حنيناً إلى الماضي، بل هو بحثٌ عن معنى مفقود. إنه تعبيرٌ عن رغبةٍ في زمنٍ كانت فيه السياسة تستحق أن تُعاش، وكان فيه الانتماء يستحق أن يُحمل، وكانت فيه الكلمة تستحق أن تُقال. هذا الحنين ليس نوستالجيا، بل هو نقدٌ للزمن الحاضر: إنه اعترافٌ بأن ما نعيشه اليوم ليس قدراً، بل اختيار؛ ليس حتمية، بل استسلام. والحنين، بهذا المعنى، فعلٌ سياسي، لأنه يفتح المجال لسؤالٍ مُحرج: هل يمكن أن تعود السياسة؟ وهل يمكن أن يُبعث المعنى من الرماد؟
لكن الجواب ليس في العودة إلى الماضي، بل في تجاوزه. فالكتلة الديمقراطية، رغم شموخها، كانت تجربةً في زمنها، ولها حدودها، وأخطاؤها، وتناقضاتها. ليست العودة إليها هي الحل، بل استخلاصُ الدرس: أن الفكرة تموت حين لا تتجدد، وأن المؤسسة تنحطّ حين لا تتأسس على المعنى، وأن السياسة تفقد مشروعيتها حين تتحول إلى مهنةٍ بلا رسالة. والدرس الأكبر أن الشرف السياسي ليس ميراثاً يُتناقل، بل هو فعلٌ يُختار كل يوم. من يختار الشرف اليوم، في زمن الرداءة، هو وريث حقيقي للكتلة الديمقراطية؛ ومن يختار الحقيبة، هو وريثها في الاسم فقط، وخائنٌ لها في الروح. ومن يركب كل الأمواج للوصول إلى الكرسي، ليس وريثاً، بل غريقاً يظن أنه سبّاح، وينتهي به الأمر إلى الشاطئ الخاطئ.








